رسالة ساذجة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1987
أنا في الثامنة والعشرين من عمري .. لم أكمل تعليمي بعد الصف الخامس الابتدائي وجلست في البيت لأساعد أمي لأني البنت الكبيرة ، ومنذ 8 سنوات تقدم لأبي شاب أفريقي من توجو يتعلم في الأزهر يطلب الزواج مني ورفضت لأني لا اعرفه ولا اعرف طبعه لكن أمي سامحها الله غصبتني على الزواج وأيضا أبي لأنه كان معجبا به لتدينه وضربوني وحرموني من الخروج لأتزوجه وتزوجته وأنجبت ولدا وبنتا .. محمد عمره ٦ سنوات وفاطمة عمرها 4 سنوات وعشت كل هذه السنين في مرار مع زوج غريب عني .. وطباع غريبة وعادات غريبة عني في كل شيء حتى في الطعام .. تصور أنه يأكل كل يوم أرزا بالصلصة بقطع اللحم أو الفراخ بدون ثوم أو بصل .. ويجبرني على صنع هذه الخلطة كل يوم بعد أن علمها لي .. وأنا طبعا لن آكل هذه الخلطة أبدا ، وكل يوم البيت فيه ضيوف من بلده يقصدونه لحل مشاكلهم لأنه يعرف ناسا كبارا في مصر.
وهو لا يعرف بالمرة كيف يعامل حواء رغم أنه اجتماعي جدا ، وأنا غصبا عني لا أتحمل أن يلمس يدي ولا أحب جلوسه معنا في البيت وأكون مبسوطة طول ما هو خارج البيت وحياتي معه عذاب في عذاب وهو لا يهمه طالما هو مبسوط أموت أنا وأخبط راسي في الحائط، وكلما غضبت اترك البيت عشرة أو عشرين يوما أجلس فيها في بيت أبي فلا يأتي أبدا ليصالحني وإذا تدخل أحد أقاربي للصلح وسأله عن سبب الزعل رفض الإجابة وقال أنه لا يحب أن يتدخل أحد في حياته الخاصة .. أمال اشتكي لمين ؟ رغم إني محجبة واعرف ربي وأؤدي كل واجباتي مع زوجي.
إني اكتب لك هذه الرسالة لسببين : الأول أن توجه نداء من بريد الجمعة إلى كل أم وكل أب رجاء منكم ، لا تزوجوا بناتكم بدون رغبة منهن في الزوج مهما كان هذا الزوج .. ويا ريت يا ريت بلاش زواج الأجانب لأن مشاكله كثيرة .. وشوفوا حالي وانتوا تعرفوا.
والثاني إني مش ممكن اقدر أعاشر هذا الرجل وكل يوم ابكي وأريد الطلاق وهو يرفض وأريد أن اعرف هل من حقي الطلاق والحصول على الأولاد أم لا .. أنهم كل حياتي وروحي ولأن كل خوفي على الأولاد ولا استطيع أن أعيش هكذا على طول كل يوم دخول وخروج للضيوف وبيتي مشغول على طول وليس في أي حرية في الجلوس غير أن اعمل الطعام للغداء والعشاء ولو شفت "المواعين" عندي تقول إني لم اغسلها منذ أسبوع .. ولو مرة قلت إني تعبانة يقول كل سيدة تعمل في بيتها وأنا كرهت بيتي ولا أحب أن اعمل أي شيء أبدا أبدا .. وده آخر حل عندي !
ولكاتبة هذه الرسالة أقول :
إن رسالتك هذه رغم سذاجتها تلخص بإيجاز بليغ دروس التجربة كلها وهي في رأيي رسالة بليغة جدا لأن بلاغتها مستمدة من جحيم التجربة التي تعيشينها بسبب تسرع بعض الآباء والأمهات في الاختيار لبناتهن ونتيجة لجريمتهم ، في إرغامهن على الزواج ممن لا يرضينهن.
إن الركن الحقيقي في الزواج هو رضا الطرفين وتوافق إرادتهما في الارتباط .. ونحن مأمورون، ألا نرغم أحدا عليه .. وبأن نحسن الاختيار لمن وضعتهم الأقدار تحت رحمتنا .. وبعيدا عن أية فلسفة حديثة فإن من يعرف دينه حق المعرفة يجد نفسه مطالبا بألا يرغم ابنته على زواج لا تقبله وبالتدقيق في الاختيار وبعدم التسرع فيه.
فالسيدة عائشة مثلا التي لم تطلع على كتب كارنيجي عن الزواج ولا على الدراسات السيكلوجية الحديثة عنه كانت تقول .. النكاح رق فلينظر أحدكم أين يضع كريمته ، أي أنه علاقة شبه أبدية لا مخلص للمرأة منها إلا بالعناء .. فعلى كل ولي أن يحسن الاختيار لمن تولى أمانة المسئولية عنهن .. قبل أن يحكم عليها بالشقاء .
وكان عمر بن الخطاب يقول : لا تزوجوا بناتكم من الرجل الدميم فإنه يعجبهن منهم ما يعجبهم منهن . إلى هذا الحد من الحرص على توافر القبول النفسي لدى الزوجة لمن تتزوجه حتى في الشكل فما بالك بالشروط الأخرى، والحكيم هو من لا يدخل مدخلا حتى يعرف خيره من شره قبل الدخول إليه وواضح أن أبويك سامحهما الله لم يعرفا الكثير عن زوجك ولا عن تأثير اختلاف الطباع والتقاليد على الزواج قبل أن يرغماك عليه كما لم يعرفا الكثير أيضا عن المتاعب التي تنتظرك حتى لو نجحت في الحصول على الطلاق حين تنتهي فترة حضانتك لولديك ويصبح من حق الأب ضمهما إليه واصطحابهما معه إلى بلاده، ولم يعرفا شيئا بالتأكيد عما سوف . ينتظرك من متاعب في تربيتهما وإقامتهما في مصر وتعليمهما حتى لو تخلى عنهما أبوهما وتركهما لك وهما في نظر القانون أجانب لن تستطيعي بسهولة تعليمهما في المدارس الحكومية .. الخ .. وسوف تعانين الكثير لتجديد إقامتهما في مصر كل حين .. وهي مشاكل كثيرة ومعقدة المسها كثيرا من خلال رسائل زوجات مطلقات عشن هذه المحنة قبلك
وأنت بكل أسف تدفعين ثمن هذا التسرع وهذا الجهل بالمفهوم الصحيح للزواج من سعادتك ومن شبابك .. وسوف تدفعين أكثر وأكثر لو فشلت التجربة فقد يكون من حقك طلب الطلاق تأسيسا على اختلاف الطباع والعادات واستحالة المعاشرة بينكما لكنه لن يكون من حقك ضم ولديك إليك بعد الانتهاء من الحضانة الشرعية لهما .
ففكري في ذلك طويلا فقد يدفعك التفكير في النهاية إلى أن تبذلي بعض الجهد لكي تألفي الحياة معه ولكي تحمي ولديك من التمزق والتشرد بين بلدك وبلده أيضا وهو هدف نبيل يستحق أن يضحي الإنسان من أجله وأن يكره نفسه على ما لا تحب .. ولو كان "خلطة الأرز بالصلصة".
أما نداؤك الذي
ينطلق من أعماق الجحيم .. فأني أضم صوتي إليه بكل قوة وأقول معك لكل أب وكل أم نعم ونعم .. رجاء منكم .. ألا ترغموا
بناتكم على الزواج ممن لا يرضينه وليتكم فعلا تفكرون طويلا قبل أن تدفعوا بناتكم
أو توافقوهن على مغامرة الزواج من الأجانب الذين لا تعرفونهم ولا تعرفون شيئا عما
ينتظر بناتكم من شقاء معهم إذا فشلت التجربة وهي غالبا إلى الفشل أقرب منها إلى النجاح.
نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1987
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر