الحقيقة العارية .. رسالة من بريد الجمعة عام 1997
قرأت رسالة "الشريد" عن السيدة التي لم ترض بقضاء الله عليها بأن يأتي طفلها إلى الحياة معاقا ، فأردت أن أروي لك قصتي مع الحياة وأستشيرك فيها ، فأنا رجل في الأربعين من عمري وقد تزوجت منذ خمسة عشر عاما من ابنة خالي التي تمنيتها لنفسي ، وكانت حلم حياتي منذ تفتحت مدارکي للحياة .. ولقد كان الحائل الوحيد بيني وبينها هو ضعف إمكاناتي المادية ، لكنها قبلتني بظروفي وضغطت على أهلها لكي يعينوني على إتمام الزواج منها .. وتزوجنا بالفعل ، وسعدت بها سعادة طاغية ، واكتملت سعادتنا بمجيء الطفل الأول للحياة ، وكان جميل الطلعة ، خفيف الظل فتمتعنا بمناغاته ، وسعدنا به حين درج على الأرض يحبو ، ثم فوجئنا بعد قليل بأن ظهرت عليه تلك العلامات التي سميتها في بابك من قبل بالعلامات المخيفة ، وفي خلال أيام كان قد تحول إلى جثة عاجزة عن الحركة ولا يتحرك فيها سوى عينيه وأنفاس صدره ، وبعد رحلة يائسة بين الأطباء سلمنا أمرنا إلى الله ، وكررنا محاولة الإنجاب مرة أخرى وأنجبنا طفلا آخر ليعوضنا مأساة أخيه ، فبدأت رحلته مع الحياة مبشرة وواعدة ، ثم لم تلبث أن ظهرت عليه هو الآخر العلامات المخيفة نفسها لكنه لم يطل شقاؤنا به كثيرا إذ استرده الله إلى جواره بعد قليل وبكيناه طويلا والتمسنا في طفلنا الأكبر السلوى والعزاء .. وبعد هذه المحنة المؤلمة قررنا عدم الإنجاب مرة ثالثة لكيلا تتكرر المأساة واكتفينا بالسعادة الزوجية والوفاق القائم بيننا وتحملت زوجتي بالرغم من حزنها على الطفل المفقود كل واجباتها المنزلية والعائلية بصبر جمیل فكانت تعهد بطفلنا العاجز إلى جليسة ترعاه خلال فترة عملها وترجع من العمل لتقوم بأعبائها المنزلية وترعى طفلنا واعتدت أنا أن أحملها وحدها كل مسئولياته باعتبارها الأم ، وقررت بيني وبين نفسي أن هذا حق لي ، لكن أهلي بدأوا يذكرونني من وقت لآخر بأنه يجب أن تكون لي ذرية سليمة تحمل اسمي ، وبأن الشرع يعطيني هذا الحق نظرا لظروف زوجتي مع أنها ظروفنا معا وليست ظروفها وحدها.
ورغم رفضي للفكرة في البداية إلا أنني بدأت أتأثر بها، ولم يمض وقت طويل حتى كنت قد اقتنعت بمنطق أهلي في أنه من الأفضل لى أن أحيا مع زوجة لا أحبها وأبناء أصحاء، من أن أعيش مع زوجة أحبها وتحبني ، ولكن بغير أطفال ، أو بطفل في حكم غير الموجود اللهم إلا من أعبائه ، فبدأت افتعل بطريقة لا شعورية المشاكل مع زوجتي وأتصيد الأخطاء لها وبدأت سلسلة المشاكل بأن أعلنت أن كرامتي لا تسمح لي بالاستمرار في الحياة في شقة مؤجرة باسمها هي وليس باسمي ، لأن العمارة مملوكة لوالدها ، مع إنني أدفع الإيجار بانتظام ، وكحل لهذه المشكلة قررت زوجتي أن تسدد هي الإيجار بدلا مني مادام عقد الشقة باسمها، لكني لم أتوقف عن اصطياد الأخطاء وافتعال المشاكل ، واتهمتها هي بأنها تفتعل المشاكل معي لكي أطلقها وتتزوج رجلا آخر تنجب منه طفلا سليما ، فبكت طويلا وأكدت لي أنه لو كانت لها رغبة في طفل جديد لأنجبته مني أنا ، لكنها قد اكتفت بي زوجا وابنا وحبيبا.
ولم يرق لها قلبي یا سیدي بالرغم من ذلك، وبدأت بإيعاز من أهلي في ادخار معظم مرتبي وحوافزي وكل إيراد خارجي احصل عليه بغير علم زوجتي ، إلى أن تجمع لدي ما يؤهلني للزواج مرة أخرى وشراء شقة جديدة ، وتحينت الفرصة لتنفيذ ما
عقدت عزمي عليه في السر، إلى أن جاءت الفرصة مع مشكلة بسيطة يمكن أن تقع بين أي زوجين فأسمعت زوجتي خلالها ما لا ترضاه لنفسها وكرامتها ، وبكت هي طويلا وقالت لي من بين دموعها إنه مادام الحال قد وصل بيننا إلى هذا الحد فإنه من الأفضل لكل منا أن يمضي في طريق آخر ، فكانت الفرصة التي أترقبها بلهفة وسارعت فقلت لها إنها مادامت هي التي تطلب الطلاق ، فلا حقوق لها عندي ، ثم جمعت متعلقاتي وغادرت البيت وهي ذاهلة لا تصدق أن عبارة طائشة كهذه العبارة التي قد لا يخلو منها حديث بين زوجين في حالة الخلاف العابر يمكن أن تقوض كل ما بيننا في لحظة واحدة .. لكني تمسكت بالفرصة للنهاية وتماديت فيها ولم أقبل أي وساطة للصلح بيننا وطلقتها بالفعل ، واعتمدت على طلبها للطلاق في حرمانها من حقوقها المادية فيما عدا مبلغا بسيطا للإنفاق على طفلي المسكين ، ومع ذلك فلقد حزنت عليها في أعماقي رغم رفضي للصلح معها من قبل ، وحاولت الانشغال بعملي وبمن يعرضون علي أهلي لاختار منهن من ارتبط بها ، إلى أن استقر الاختيار على إنسانة من معارفنا من مستوى اجتماعي لامع ، انبهرت بها كثيرا وتم الزواج منها ، وتغاضيت عن أشياء كثيرة من جانبها وبررتها بأنها صغيرة السن ومدللة ، ومضى العام الأول من زواجنا ثم وضعت طفلنا الأول فكان طفلا صحيحا معافی والحمد لله وفرحت به فرحة طاغية ، ونسيت في غمار فرحتي وانشغالي به طفلي الآخر المسكين فلم أعد أراه أو اسأل عنه ، وكأنما لم يعد له أي وجود في الحياة وأدركت زوجتي الجديدة ذلك فشعرت بأنها قد تملكتني للأبد بعد أن أصبحت لا أرفض لها طلبا وبدأت تتمرد علي ، وأصبح دخلي المناسب جدا لا يكفي مطالبها .. ولا يوفر لها الحياة التي تليق بها .. وأصبحت ساخطة على كل شيء ولا يرضيها شیء ، ناهيك عن عدم اهتمامها بشئوني وشئون البيت.
ووجدت نفسي فجأة أمام الحقيقة العارية وتذكرت منطق أهلي في أن الحياة مع زوجة لا وفاق معها وسط أطفال ، أفضل منها مع زوجة محبة بغير أطفال ، وبدأت أتشكك فيه ، وأراه منطقا خاطئا وجهولا .. ثم أنجبت طفلة جميلة ، فازداد مع مولدها تمرد زوجتي وترفعها علي وإهاناتها لي أمام أهلي وأهلها على السواء .. وأنا أحاول الصمود والاستمرار ثم شاءت إرادة الله أن ترتفع حرارة طفلي الصحيح المعافی الذي أنجبته من زوجتي الجديدة ذات يوم فلا يمضي إلا سواد الليل فقط إلا ويكون الله سبحانه وتعالى قد استرد وديعته الغالية بغير مقدمات .
وغرقت في أحزاني العميقة وتذكرت طفلي الآخر الذي أودعته التراب قبل سنوات وطفلي الأكبر المعـاق الذي نسيته تمامـا وأهملت أمره ، وزوجتي الأولى التي اختارتني زوجا وأبا وابنا لها وأغدقت علي من حبها وعطفها ، فتنكرت لها وضاعف من حزني ومعاناتي أن حزن زوجتي الثانية على طفلها قد تحول عندها إلى شراسة مضاعفة ، ومبالغة في التمرد والسخط على كل شيء ، فتحملت شراستها وتمردها صابرا وبررته بظروفها النفسية المؤلمة لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد ، فقد هجرت البيت بعد قليل مصطحبة معها طفلتي واشترطت لعودتها أن أتنازل لها عـن ملكية الشقة التي تقيم بها ، وفي محاولة من جانبي لاحتواء الموقف وافقت على شرطها ونقلت ملكية الشقة إليها بالفعل ورجعت زوجتي إلى بيتها ، لكن المشاكل لم تتوقف من جانبها بعد ذلك أبدا وحاولت جاهدا الصبر والتحمل .. وبدأت أشعر بأعراض مرضية معينة بسبب الضغط العصبي الذي أتعرض له وشكوت لزوجتي من ذلك ورجوتها أن نحيا حياتنا في سلام بعد كل ما جرى فلم تعبأ بما قلته ولم تتغير ، ووجدت نفسي استجمع شجاعتي فجأة واتخذ قراري بترك زوجتي هذه غير نادم عليـهـا بعـد أن عشت معها بضع سنوات طاردت خلالهـا سراب السـعـادة بغير أن أنالها .. ووجدتني أيضـا أتذكر زوجتي الأولى واستعيد ذكرياتي ومشاعر الحب والعطف والحنان التي عشتها معها ، ومساندتهـا لـي قبل الزواج .. وبعـده .. فأرسلت إليـهـا بعض الأهل والأقارب ليتوسطوا لي في العودة إليها مرة أخرى بعد أن تلقيت درسا قاسيا من دروس الحياة المؤلمة ، لكنها رفضت ذلك قائلة أنه لم تشف بعد جراح ظلمي لهـا وغدري بها وهي من ضحت بأمومتها في سبيل حياتنا معـا.
ورجع إلي الوسطاء برفضها فظننتـهـا تـأبـى لنفسـها وضع الزوجة الثانية في حياتي ، مع إنني لم أكن أفكر في ذلك وكنت قد عقدت العزم على طلاق زوجتي الثانيـة .. فقررت أن أنفـذ هذه الخطوة أولا قبل أن أجدد مساعي الصلح معها وطلقت زوجتي الثانية.. ولم يعد لدي بعد الطلاق سوی مرتبي .. وجددت مساعي الصلح مع زوجتي الأولى ، فإذا بها متمسكة بالرفض وإذا بي أعرف أن هناك من يطرق بابها وأنها تفكر جديا في الزواج منه خاصة بعد أن ابدی استعداده لرعاية طفلي المعاق .
إنني أثق في أن زوجتي مازالت تحبني لكن كرامتها تأبى عليها الرجوع إلي بعد ما فعلت معها، لهذا فإني أرجوك أن توجه لها كلمة بأنه من الأفضل لطفلنا المسكين أن يكون بيننا بدلا من أن يكون له أب بديل وأبوه الطبيعي على قيد الحياة ، نعم لقد ظلمتها وظلمت ابنی معها ، إذ لم أقبل بقضاء الله فيه وحاولت تغييره لكني نادم على ما فعلت وأرجوك مناشدتها القبول برجوعي إليها لأنني أحتاج إليها أضعاف ما تحتاج إلي، ولست أريد بذلك التكفير فقط عن ذنبي معها ومع ابني وإنما أريد أيضا أن أعيد السعادة إليها وإلى حياتها والاستقرار إلى حياة طفلي المسكين الذي حرم مني وأنا على قيد الحياة ، كما أرجوك أيضا أن توجه كلمة لكل من ابتلاه الله سبحانه وتعالى في نفسه أو في طفله أن يتقبل قضاء الله فيما قضى عليه به وألا يتمرد على قدره أو يرفضه لأن تدبير الله أفضل وأحسن ولأن انتقامه أيضا أكبر من أن يتحمله أي إنسان ، والسلام .
ولكاتب هذه الرسالة
أقول :
ولكاتب هذه الرسالة أقول :
الندم المتأخر .. كالعدل البطيء الذي يجيء بعد فوات الأوان ، لا يشفي الغليل ولا يداوي الجراح ، ولا يعوض الإنسان عما فقده من سنوات العمر الثمينة في التعاسة والمعاناة والإحساس المرير بالظلم الإنساني
فإذا كان لمثل هذا الندم أيضا بواعثه الشخصية التي تتعلق بظروف النادم وليس بظروف ضحيته ، كأن يتجرع مرارة الغدر من الآخرين فيعرف لنا إخلاصنا أو يفقد كل شيء مع غيرنا ، فيرجع إلينا نادما وباحثا في نفس الوقت عن تعويض لما فقده مع الآخرين لدينا، فإن فاعلية هذا الندم في تذويب المرارات القديمة تصبح ضعيفة للغاية ، وقد تثير الشك لدى الضحية في أن دوافعه ربما كانت اضطرارية أكثر منها اختيارية.
والندم الاضطراري الذي لا يختاره صاحبه بملء إرادته وقدرته الكاملة على الاختيار ، ندم غير نبيل ، ولا قيمة له ولا كرامة في كثير من الأحيان .
وفي تقديري فإن مطلقتك الأولى تتشكك في تجرد ندمك على أخطائك البشعة معها من الدوافع الشخصية والمصلحية التي تتعلق بك أنت ، ولیس بندمك على غدرك بها ورغبتك المخلصة في التكفير عنه وإعادة السعادة إليها وإلى طفلك المعاق منها ، ولها كل الحق في هذا التشكك يا صدیقی ، فلقد فقدت كل شيء في تجربتك الثانية ، فخسرت الشقة التي ادخرت ثمنها وأنت تشارك زوجتك الأولى الحياة تحت سقف واحد، لكي تتزوج من غيرها وتنجب أطفالا أصحاء كما تقول : واقتطعت منك مطلقتك الثانية حين تعذر عليك احتمال الحياة معها «رطل اللحم كاملا» من جسمك كما أراد أن يفعل المرابي اليهودي مع مدينه في مسرحية تاجر البندقية لشكسبير العظيم ، وحصلت منك على كل حقوقها المادية وخلفتك وراءها لا تملك شيئا سوى مرتبك ، في حين تعللت أنت بادعاء أن الأولى التي أحسنت عشرتك ، وكانت تدفع عنك إيجار مسكنك وتتحمل فيما يبدو معظم نفقات الأسرة ، هي التي طلبت الطلاق لكي تحرمها من حقوقها المشروعة عند الانفصال .
فإذا تشككت الأولى الآن في صدق دوافعك للعودة إليها وتصورت أنك لا ترجع إليها نادما لاستشعارك جسامة غدرك بها وإنما لاحتياجك إلى المأوى والأسرة والحياة العائلية التي فقدتها فلا يستطيع أحد أن يتهمها بسوء الظن فيك أو بتغليب عامل الشك على عامل الثقة في حسن نيتك تجاهها ، كما أنك على الناحية الأخرى لم تقدم إليها من سلوكك وأفعالك خلال السنوات الماضية ما يرجح لديها حسن الظن فيك على الشك في "ذاتيتك" وسعيك الدائم لما تراه محققا لاعتباراتك الشخصية وحدها بغض النظر عن
اعتبارات الآخرين ، فأنت لم تتوقف مثلا عند أية اعتبارات إنسانية وعاطفية خاصة بها حين «عقدت العزم» كما تقول في رسالتك على طلاقها والزواج من غيرها ، ولم تتوقف أيضا أمام مسئوليتك الإنسـانيـة عن طفلك المعـاق هذا ، وأنت تدبر للانفصال عن أمـه وتخطط له ، ولم تهتم بأمره بعد الانفصال ولم تؤد إليه حقوقه في الرعاية والعطف والاهتمام الإنساني ، وإنما نسيت أمره تماما ولم تره ولم تتـذكـره ، إلا بعد أن تـجـهـمـت سـمـاء حيـاتك الزوجيـة الجديدة ، وعجزت عن مواصلة الاحتمال والاستمرار ، وكل ذلك لا يرجح دوافع الثقة فيك من جانبها على بواعث الشك والارتياب فيك ، ولا شك في أن الوضع الأمثل والأفضل لكل طفل في الوجود هو أن ينشأ بين أبويه الطبيعيين ، وليس بين أب بديل وأم طبيعية ، ولو قبلت هي بعودتك إليها بهذا الدافع وحده ، لما لامها أحد على اختيارها ، لكنه لا يستطيع أحد كذلك على الناحية الأخرى أن ينكر عليها حقها في أن تتطلع لطلب سعادتها مع غيرك إذا تحمل مسئولية طفلها المعاق هذا وقبل بها راضيا ، بعد أن ضجرت من غدرك بها وتخليك عن واجبك الإنساني تجـاه طفلك منها ، ولعلهـا إذا ناقشت وضع طفلهـا المعـاق من أحلامها في السعادة مع غيرك تستطيع أن تقبل بغير عناء التنازل عن الوضع الأمثل له بين أبوين طبيعيين وترضى له بالوضع الأقل تفضيلا إذا كان كفيلا بان يحقق لها سعادتها التي افتقدتها معك ، ولا يحرم طفلها في الوقت نفسه من حقوقه العادلة في الرعاية والأمان . وقد يغريها بذلك إلى جانب عدم استشعارها للأمان معك ، إنك لم تكن هذا «الأب الطبيعي» لابنها المعذب خلال السنوات الماضية ، إذ لم تقبل به منذ اللحظة الأولى ولم ترض بقـضـاء الله فيه، ولم تتحمل مسئولية رعايته أو العطف عليه واعتبرت ذلك من واجـبـات أمـه وحـدها تجاهـه ، ثم هدمت سقف الأسـرة التي كـان يستظل بها ، ولم تعوضه عنه حـبا ولا عطـفا ولا رعاية طوال سنوات الانفصال . ففيم يحتاج إليك هذا الطفل الآن وأي زوج أمين لأمه يعرف حقوق ربه عليه يستطيع أن يشاركها تحمل مسئوليته الإنسانية ، ويرعاه معها بإخلاص ؟
ولا عجب في ذلك إذا فكرت زوجتك في أمر طفلها بهذا المنطق لأن احتياجاته محدودة للأسف بسبب ظروفه الإنسانية المؤلمة بحدود الاحتياجات الغريزية البدائية كالمأوى والمشرب والمأكل والملبس ، فإذا قدرت ذلك ورجحت على أساسه حقها في أن تطلب سعادتها الشخصية مع غيرك ، مع التضحية بدور الأب الطبيعي الذي لم يقدم له الكثير من قبل ، فلا لوم عليها ولا تثريب ، وحقوق الأبوة في النهاية لا تتعلق فقط بالعوامل البيولوجية وإنما أيضا بنهوض الآباء بمسئولياتهم تجاه أبنائهم وبما يقدمونه إليهم من حب وعطف ورعاية.
لقد اعتمدت يا سيدي في سعيك للعودة إليها على ثقتك في إنها مازالت تحبك لكن كرامتها تأبى عليها الرجوع إليك بعد ما نالها منك من غدر وإنكار ، لكن الأمر لا يبدو لي على نفس هذه الدرجة من الثقة واليقين فلقد غاب عنك في غمار همك بمشكلتك الشخصية بعد انفصالك عن الثانية، أن الحب ليس رصيدا أبديا يصعد إلى ما لا نهاية مهما نال المحب من جفاء المحبوب وجموده وإنكاره له على مر السنين ، وإنما هو رصيد إنساني حي وليس جامدا يقبل الخصم والإضافة ، وينفد على مر السنين إذا تكرر السحب منه بغير إيداع أو إضافة إليه.
والواضح هو أنك قد أسرفت في السحب من هذا الرصيد القديم لديها دون أية محاولة للإضافة إليه فكانت النتيجة أن نفد منذ فترة غير قصيرة ووجدت زوجتك في نفسها القدرة والرغبة في أن تتطلع لغيرك وتبحث عن سعادتها معه، ولهذا لست استطيع مناشدتها قبول عودتك إليها إذا كانت هي الأخرى قد عقدت العزم على الارتباط بغيرك ووجدت لديه ما يعوضها عن تعاستها السابقة معك .
إن تصحيح الأخطاء حين يترتب عليه ارتكاب أخطاء جديدة قد يصبح في بعض الأحيان ضربا من التخبط ومضاعفة الخطايا ، وأنت في محاولتك المتأخرة لإصلاح خطئك الجسيم تجاه زوجتك وطفلك المعاق ، إنما ترتكب خطا لا يقل جسامة عنه في حق طفلتك الصغيرة التي أنجبتها من الثانية ، وربما كانت أكثر احتياجا الآن إليك من الناحية التربوية والعاطفية من طفلك المعذب بأقداره هذا ، لكنك فيما يبدو لي لست مؤهلا لاحتمال ما لا يرضيك طلبا لسعادة أعزائك ، ومازلت تنظر للأمور كلها من زاوية اعتباراتك الشخصية وحـدها بغض النظر عن اعتبارات أبناءك وحقهم في الاسـتـقـرار والأمان ، ولو أنصفت لاعتبرت رفض الأولى عودتك إليها مبررا عادلا لكيلا تظلم هذه الطفلة الصغيرة بعد أن ظلمت طفلك المعاق من قبل ، ولتحملت عناء الحياة مع الثانية التي سعيت إليهـا بأقدامك وقبلت بها .. كعقابك في الدنيا ، كما قبل صاحب الحوت يونس عليه السلام بزوجته كعقوبة له في الدنيا حين سأل ربه إن كان معاقبا له بشيء في الآخرة أن يعجله له في الدنيا ، فقال له ربه سبحانه وتعالى كما روى الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه عن « النكاح » : عـقوبتك فلانة ابنة فلان فتزوجها ، فـتـزوجـها وتحمل أذاها صابرا .
فحاول إصلاح الأمور بينك وبين الثـانية طلبا لمصلحة الطفلة الصغيرة التي انجبتها منها ، ودع الأولى لنفسها وحياتها مادامت قد وجدت طريقها مع غيرك وعقدت النية على المضي فيه للنهاية ، وأقبل بما لا يرضيك من حياتك مع الثانية ولا تضف إلى رصيد أخطائك خطا جديدا .
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر