المرحلة الحرجة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1986

 

المرحلة الحرجة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1986

             المرحلة الحرجة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1986

قررت الكتابة إليك بعد أن ضاقت بي الحيل، ويئست من كل شيء .. فنحن یا سيدي أسرة صغيرة متدينة ومتحررة في حدود تقاليدنا الشرقية.. متوسطة الحال سعيدة ومتفاهمة.. زوجي رب أسرة مكافح لا يتوانى عن بذل كل جهد في سبيل إسعاد أسرته.. وأنا أم أعرف ربي وأحب أسرتي وبيتي وأبنائي، وليس لي مطمع في الحياة سوى أن أحمي أولادي وأساعدهم على مواصلة حياتهم بالطريق المستقيم.. وقد أوشكوا على بلوغ نهاية رحلة التعليم.

لكني مأساتي يا سيدي أن أحد أبنائي قد أوشك على الخروج عن الطريق المستقيم، بعد أن كان الجميع يشهدون له بالاستقامة. ومنذ سنة تقريبا تغير ابني وأصبح عصبيا ودائم الشجار معنا، ولا يحب البقاء في البيت، ويرغب دائما في الخروج مع أصدقائه .. نعطيه مصروفا معقولا بالنسبة لسنه، فيريد نقودا أكثر لكي يكون هو الأفضل دائما بين أصدقائه .. فنرفض أن نعطيه أكثر فيثور ويسبني أنا أمه بأقذع السباب، ويحطم كل ما يصل إليه.. بل أكثر من ذلك لم يتورع أكثر من مرة عن أن يمد يده علي، بل بدأ يمد يده على أشياء في البيت ويأخذها.


ورغم كل ذلك فأنا أعامله بحنان أكثر من الأول. وقد اعتبر ذلك ضعفا فتمادی في تصرفاته، وقد حاول والده أن يوقفه عند حده بالنصيحة أولا.. ثم بالشدة ثانيا بعد أن زادت طباعه سوا فوقف أمام والده موقف الند للند، وحاول أن يترك البيت، وقد بدأ يرسب في دراسته وفقد أبوه الأمل فيه.

 أما أنا فأخاف أن أترکه لنفسه فيضيع، إنني أريد منك النصيحة لنا وله بعد أن رفض النصيحة من الجميع، معتقدا أنه الوحيد الذي لا يخطئ، وأننا جميعا متخلفون لكن لا تقل لي: أعطه مزيدا من الحنان لأني أعطيه من الحنان الكثير ولا تقل لي: انصحيه فلقد نصحته حتى بح صوتي، وبحثت عن أصدقائه فوجدتهم جميعا فاسدين، ولا يريد أن يتركهم، وقد أصبحت غير قادرة على السيطرة عليه يا سيدي، وأخشى لو أبلغت أباه ببعض ما أخفيته عنه من تصرفاته أن يطرده من البيت.

لقد فكرت حين بلغ بي اليأس منتهاه أن أنهي حياتي لكن خوفي من ربي يمنعني .. وهو من قرائك.. فانصحه لعل كلامك معه يجدي فيما فشلت فيه أنا وأبوه وشكرا.

 

ولكاتبة هذه الرسالة أقول:

لا أعتقد يا سيدتي أن بضع كلمات مني سوف تغير من شأن ما عجزت حتى الآن عن تغییره.. ليس فقط لأن الكلام قد لا يجدي في مثل هذه الحالة.. وإنما أيضا لأني أغالب إحساسا يمنعني من تدفق الحديث مع مثل هذا الابن الضال..

فالحق أنني لا أستطيع أبدا أن أتواصل مع إنسان أعرف عنه أنه قد سب أمه بأقذع السباب، وأنه لا سامحه الله قد مد يده عليها بالضرب، إذ كيف أستطيع أن أحترم مثل هذا الإنسان وأن أتحاور معه؟!

ومع ذلك فسوف أغالب إحساسي هذا وأقول له: إنني لن أحدثه عن تعاليم دینه، ولا عن القيم الخلقية التي تتمثل في احترام الأبوين ورعايتهما واللطف بهما في كل حين.. لكنني سأحدثه بمنطق التجربة العملية في الحياة وحده فأقول له: إني ما عرفت في حياتي شخصا أذى أبويه وعاش حياته هانئا سعيدا من البداية إلى النهاية، ولا شخصا أهان أبويه إلا وذاق من العذاب بعد حين ما يهون معه متاع الدنيا كلها، فاختر لنفسك ما تشاء.. فأنت الغارم في النهاية. وأنت من سيؤدي هذه الفاتورة فيما بعد لأنها فاتورة واجبة السداد ولا مفر منها.

 

لكنك لو أنصفت نفسك لأفقت من غيك، والتمست الصفح والعفو من أبويك، ولأديت واجبك في الدراسة فتنقذ نفسك من الضياع.. وتسعد قلوب من يخلصون لك الحب والعطاء.. وتبني حياتك ومستقبلك على أسس راسخة من رضا الأهل والسلوك القويم.

أما أنت يا سيدتي فلن أقول لك أعطه حنانا أكثر .. لأنك أسرفت فيما يبدو فيما أعطيته منه.. بل وتسامحت معه بأكثر من اللازم، وإنما سأقول لك أعطه تفهما أفضل لبعض تطلعاته.. وبعض ظروف المرحلة الحرجة من العمر التي يمر بها، فإن مغالاتنا أحيانا في الخوف على أبنائنا من الضياع قد تدفعنا إلى المغالاة في محاولة السيطرة على تحركاتهم اعتقادا أننا بذلك نحميهم، فيخلق ذلك لديهم شعورا معاكسا يدفعهم إلى الانفلات.. والأفضل أن تكون محاولاتنا للإرشاد عن بعد يسمح لهم بالاختيار بغير ما يتصورونه من ضغوط عليهم.

 

ومن الأفضل أيضا أن نحاول دائما التحكم في مخاوفنا تجاههم، بحيث لا تدفعنا إلى تصرفات عصبية معهم بلا داع، وأنت مثلا تقولين إن كل أصدقائه فاسدون.. فما هو مفهوم الفساد في رأيك؟ وهل يكفي الاعتماد على مظهر الأشخاص للحكم على حقيقتهم مثل هذا الحكم القاسي.. وهل يكفي نفورنا من بعض الأشخاص للحكم عليهم بأنهم فاسدون، ونطالب الأبناء بالانضمام إلينا في هذا الحكم؟ وأن من قد نراهم نحن بمقاییسنا فاسدين.. قد یری أبناؤنا بمقاييسهم أنهم أشخاص ممتازون.. فمن يتنازل عن حكمه؟! إنه مجرد مثال لا أقصد به سوى أننا مطالبون بفهم أكبر لتفكير أبنائنا لكي يتحقق التواصل بينا.. فواصلي إذن يا سيدتي الكفاح معه، ولا تفقدي صبرك عليه إلا في حالة واحدة هي أن يتطاول أو أن يمد يده مرة أخرى بالأذى عليك، فإن تكرر ذلك.. قطعت يده .. فلا صبر ولا تسامح.. ولو أدى الأمر إلى مصارحة أبيه بكل شيء وتصعيد الموقف إلى أقصاه.. فذلك أفضل بكثير من أن يستمر في هذا الخطأ.. وأن يتمادى فيه.. وفي النهاية فإنك لا تهدي من أحببت.. لكن الله يهدي من يشاء.

 ·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1986

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات