الشروط القاسية .. رسالة من بريد الجمعة عام 2003
قرأت رسالة السلاح
السري التي يشكو فيها القارئ من ظلم مطلقته له وتشويشها لأفكار طفلته بعد طلاقها
بالخلع والذي سماه قضية العصر!!
وقصتي تكاد تكون
مشابهة لقصته فأنا شاب في مقتبل الأربعينيات وتزوجت زواجا تقليديا منذ نحو 3
سنوات من طبيبة هي أصغر أخوتها ووالدتها تعمل في وظيفة قيادية بإحدى الهيئات
التعليمية, ووالدها محال إلى المعاش, ويقوم بشراء جميع احتياجات المنزل وتنظيف
البيت وتجهيز الطعام حتى تجد زوجته كل شئ جاهزا عند عودتها من العمل, كما أنه
يقوم أيضا بغسل الملابس ونشرها بالشرفة.
وهو شديد التعلق
بابنته (زوجتي) حيث أن له ولدين يعملان بالقاهرة وهما مقلان في الاتصال
بوالديهما ولا يزورانهما إلا في الأعياد, أما الوالد فلقد قاطع أهله جميعا
تنفيذا لأوامر زوجته لأنها مشغولة بعملها ولا وقت لديها لاستضافة أحد من أهله,
ولما كان الوالد ضعيفا فلقد قام بتنفيذ الأوامر حرفيا وامتنع عن زيارة أهله, أو
الاتصال تليفونيا بهم.
وكان الوالد يزورنا
باستمرار وبصفة شبه يومية ويغادرنا قبل موعد عودة زوجته من العمل لكي يستطيع إعداد
الطعام, وإلا فالويل والثبور وعظائم الأمور, وقد أكرمنا الله عز وجل بطفلة
جميلة ـ وهي قرة عيني ـ وبلغت والدة زوجتي سن المعاش, فامتنع والد زوجتي عن
زيارتنا, وأصبحت زوجتي تذهب إليهما وتقضي معهما عدة أيام كل أسبوع بحجج واهية,
فتارة بحجة مذاكرتها للدراسات العليا, ومرة بحجة أن الدنيا برد ولا تستطيع الخروج بالطفلة مساء والعودة إلى
المنزل.. الخ.
وما أن لمست زوجتي تعلقي بالطفلة وتعلقها بي حتى أرسلتها لوالدتها لعدة أيام لكيلا
يزداد تعلق الطفلة بي.
وفي أحد الأيام
اصطحبت طفلتي لزيارة أهلي وخرجت زوجتي مع والدتها لشراء بعض الملابس وعند عودتي
نامت الطفلة مما دعاني إلى قيادة سيارتي ببطء لكيلا أوقظها, فوصلت إلى المنزل
متأخرا بعض الشئ فإذا بزوجتي ترفع راية الحرب ـ كما تفعل والدتها مع والدها ـ
وتعلن أنه يجب ألا أذهب بالطفلة إلى أهلي مرة أخرى .. واشتد الخلاف بيننا فطلبت
مني الطلاق.
وبعد نحو ساعتين
حضر أبواها ومعهما حقيبة كبيرة وقامت الأم ومعها زوجها بجمع كل ملابس زوجتي وطفلتي
وجميع المجوهرات والأحذية والأوراق ووضعها في تلك الحقيبة الضخمة, وقالت لي
والدة زوجتي ذات الصوت الجهوري إن الخلع قانون عظيم جعل المرأة تتخذ قرارها وتحدد
مصيرها.. وإذا كنت ترغب في رؤية الطفلة فعليك بالمحاكم وكان في صوتها رنة تحد
وغطرسة.. كل ذلك وزوجها يحمل الحقيبة وينتظر أمرها, ثم حملت الطفلة وسحبت
زوجتي من يدها وخرجوا.
إنني لا أرغب في
رؤية طفلتي عن طريق المحاكم لأن أماكن الرؤية غير صحية من الناحية النفسية
والاجتماعية ولأن طريق المحاكم لا يليق بي, خاصة أنني أعمل بوظيفة مرموقة ومرشح
لوظيفة مهمة بالسلك الدبلوماسي بإحدى سفاراتنا بالخارج.
ولقد تسلمت إنذارا
بالخلع وكذلك إنذار بتحديد جلسة جنحة تبديد للأثاث وإنذار بجلسة نفقة خلال 3
أيام فقط من مغادرتها للمنزل, مما يوحي بأنها جميعا تم الإعداد لها من قبل!!
وتدخل أحد الزملاء
للتوفيق فسمع من والدتها ما لا يتفق مع وظيفتها وسنها ولا مع تقاليد الأديان السماوية.. فقد وضعت شروطا
قاسية لعودة زوجتي ومنها عدم زيارتي لأهلي, وعدم زيارتهم لي, وأن أترك زوجتي
عند أهلها يومين كل أسبوع, وفي باقي الأيام أذهب لإرجاعها من منزلهم بعد الساعة
8 مساء, ولا أدري لماذا الثامنة مساء بالذات.. وما إلى ذلك من شروط لا يقبلها
رجل, وكل ذلك ووالد زوجتي لا يتحدث ولا يعترض.
إنني أحتسب عند ربي
ما فعلته بي أم زوجتي وإنني على يقين أنها ستجد من زوجتي من العنت والصد أكثر مما
وجدت أنا منها.. ولكن
المشكلة هي الطفلة البريئة!
أأتركها لهم وأوافق
على الخلع حفاظا على كرامتي فتضيع الطفلة ؟ أم أقبل الشروط المجحفة وأضيع أنا
وتضيع كرامتي؟؟
ولكاتب هذه الرسالة أقول:
إذا استنوق الجمل فسدت الطبيعة!والواضح هو أن الخيار الوحيد المتاح أمامك لكي تسترجع حياتك الزوجية وطفلتك هو أن ترضخ لكل ما تريد زوجتك ووالدتها فرضه عليك, مهما كان ذلك مجافيا للحق والعدل.. والمنطق, ولأن الأمر كذلك فإنني لا أرى أملا كبيرا في مثل هذه الحياة الزوجية.. والأفضل هو أن تستجيب بالفعل لمطالب الزوجة وأهلها في الانفصال السلمي بلا منازعات ولا قضايا, وان تدع زوجتك لنفسها وطفلتها لفترة من الزمن تتحمل فيها مسئولية رعاية الطفلة وحدها وتواجه فيها حياتها كسيدة مطلقة وحيدة.. فقد تعلمها التجربة ما لم تكن تعلم.. وقد تتحرك فيها نوازع الأمومة فتدرك حقيقة ما فعلت بابنتها التي حرمتها من أبيها بلا دوافع جدية وبلا أي مبرر سوى الرغبة في استنساخ صورة جديدة من أبيها في خضوعه المطلق لوالدتها, ولقد يدفعها كل ذلك بعد استيعاب درس الانفصال إلى إعادة النظر في مفاهيمها الخاطئة عن الحياة الزوجية.. وإبداء استعداد أفضل لاستئناف الحياة معك وفقا لأسس سليمة ذات يوم غير بعيد, أما الآن فلا مفر من الانفصال المؤقت وإلا كررت أنت مثال صهرك في الخنوع والمذلة.. وكان الله في عون طفلتك التي فرضوا عليها التمزق بين أبويها بلا أية ضرورة.
· نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 2003
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر