أوراق زوج سعيد .. "كتاب افتح قلبك"

أوراق زوج سعيد .. بقلم عبد الوهاب مطاوع "كتاب افتح قلبك"

أوراق زوج سعيد 

ربما لا يذكر شباب الجيل الحالي تلك المذكرات التي نشرها المرحوم الأستاذ محمد زكى عبد القادر في جريدة "الأخبار" في بداية الستينيات و كتب لها مقدمة يقول أن له صديقا كان قد "أودعه مذكراته" و طالبه بعدم نشرها إلا بعد رحيله عن الحياة ، و قد أوفى له بالعهد فحفظ هذه  المذكرات حتى بلغه نبأ وفاته فأسف له .. وتحلل من وعده وبدأ ينشرها على حلقات طويلة بأسلوبه الأدبي الرصين ويفصل بين كل جزء منها وآخر بهذه العبارة :  "وقال الرجل الذي أودعني مذكراته" ، ثم ينطلق قلمه برسم لوحات إنسانية تعكس صورا ومشاهد من الحياة أو تمزج بين الواقع والخيال و بين الفن و الحقيقة .

و كان تكرار عبارة "الرجل الذي أودعني مذكراته" كثيرا في هذه المقالات مثار تندرنا كشباب يعمل بالصحافة و يهوى الأدب و يريد أن يتباهى بذكائه و أن يقول للكاتب ، ليس هناك رجل ولا مذكرات وإنما أنت تتخفى وراء هذا الشكل الأدبي المعروف لكي تكتب بحرية متحررا من الحرج الذي يحسه الكاتب تجاه أسرته و معارفه إذا ترك العنان لقلمه ليكتب صفحات صريحة من حياة البشر .

 

و لقد تذكرت هذه القصة حين عثرت منذ أيام في أوراقي على بعض الكتابات القديمة التي كتبتها حين كنت أحاول كتابة القصة القصيرة في أواخر الستينيات ، وكان من عادتي أن أكتب الفكرة أولا في قصاصة منفصلة ثم أصوغها بعد ذلك في قصة قصيرة شديدة الإيجاز ، وحين عثرت عليها مؤخرا رحت أعيد قراءتها فوجدتني قد سجلت أفكارا ولم أترجمها إلى قصص وبدأت في كتابة بعض القصص ثم انصرفت عنها ولم استكملها ، وكتبت أيضا خطرات تشبه الأقوال المأثورة ثم انقطع حبل أفكاري بعدها فلم أواصلها .. بل وكتبت كذلك مشاهد حوارية شديدة الإيجاز بين زوجين أو بين رجل وامرأة تعكس غالبا موقفا متأزما بينهما أو تنتهي بعبارة لاذعة من الزوج ، ولست أعرف لماذا اخترت أن يكون الجواب اللاذع من الرجل وليس من المرأة .. هل لأني تمثلت نفسي ذلك الزوج مع أني لم أكن متزوجا حين كتبتها ؟ أم لأني رجل ومادمت كذلك فلابد بمنطقي وقتها كشاب أن أنتصر للرجل على المرأة في هذه المعارك الصغيرة على الورق ؟

 

والحق أني سعدت بعثوري على هذه الأوراق التي اخترت لها في ذلك الحين عنوانا له دلالة عكسية هو "من أوراق زوج سعيد" وحاولت أن استرجع جو الفترة التي كتبتها فيها وأتنسم عبيره واستعيد أفكاره ووساوسه .. والمؤكد أني تمنيت وقتها أن استكملها وأن تكون أول كتاب يصدر لي ويحمل اسمي وأنا في سن الثامنة والعشرين من عمري تقريبا ، فلم أحقق حلمي في وقته بكل أسف وتأخر صدور أول كتاب لى إلى أن تخطيت الأربعين ثم تتابعت كتبي بعد ذلك يحفزني للدأب على إصدارها إحساس مرير بأني قد أضعت أوقاتا ثمينة من عمري بالانشغال بالعمل الصحفي وحرفية الصحافة وأهملت ذلك الجانب الخفي من اهتماماتي ، فانطلق أكتب واقرأ بلا انقطاع .. ثم أتوقف لاهثا وأتساءل متعجبا : يا إلهي .. كيف كان الدكتور زكي مبارك يكتب كما قال عن نفسه في كتابه الشهير "ليلى المريضة في العراق" ثلاثة مقالات طوال كل يوم ، ويشغل المطابع بإصدار ثلاثة كتب في وقت واحد ؟ وكيف استطاع الآخرون المثابرة على تأليف الكتب وإصدارها بدأب وإصرار حتى ملأت مؤلفاتهم رفوف المكتبات ثم أعود إلى نفسي سريعا فأضعها في حجمها الصحيح وأقول لها : دونك ودون هؤلاء الشوامخ بحار ومحيطات ففيم تتعذبين بما لا تؤهلك قدراتك لمجاراتهم فيه ؟

و أقول لها أيضا أنني من هؤلاء البشر الذين تأتيهم الآمال غالبا متأخرة عن موعدها الطبيعي بكثير فيفقدون القدرة حتى على السعادة بتحقيقها لأن انتظارهم لها قد طال حتى فقدت قيمتها في قلوبهم .. ذلك أن الآمال البطيئة كالعدل البطيء حين يتحقق فلا يرفع ظلما بقدر ما يثير من المرارة في النفوس التي انتظرته طويلا فتتساءل : وأين كان حين كنت في أشد اللهفة والحاجة إليه ؟

 

أيكون هذا الإحساس المهم هو السر في أني أجد نفسي بغير إرادة أرقب بعطف خفي الخطوات الأولى لأي شاب يبدأ حياته في أي مجال متمنيا له حظا أفضل من حظوظ السابقين وأن تطاوعه الآمال فتتحقق له في الوقت المناسب لتجد في نفسه أرضا صالحة للتهلل لها و الاستمتاع بها ؟

أم يكون هو السر في أن عيني تتجاوز دائما الصف الأول في أي احتفال وتستقر على أهل الصفوف الخلفية تحاول أن تستشف مشاعرهم وتتبادل معهم التعاطف في صمت و عن بعد ؟

أم يكون هو السر في أن عيني لا تثبت طويلا على النجم الساطع تحت الأضواء .. وإنما تتسلل لتبحث عن أهل الظل من العازفين المغمورين وتخص عازفي الآلات غير المرموقة كآلات الإيقاع الهامشية مثل الرق والصاجات مثلا بعطف خاص لأن هؤلاء سيظلون دائما على الهامش وبعيدا عن مركز الدائرة ؟

 

أما المرددون وهم دائما مشروعات نجوم للطرب راودتها الآمال طويلا في الشهرة و النجاح ثم أحبطها الزمن ، فلا حد لتعاطفي معهم .. ولا حد لصداقتي على البعد معهم ، ولا عجب في أن يتناسب تعاطفي معهم تناسبا عكسيا مع سنهم ومظهرهم ، فإذا كانوا شبابا خف تعاطفي معهم لأن الأمل في النجاح لم ينقطع نهائيا في قلوبهم ، وإن كانوا كهولا محترمين أو شيوخا وخط الشيب رءوسهم خالط تعاطفي معهم حزن غامض قد يبدو غريبا وسط ضحكات الضاحكين ، لا لشيء إلا لأنهم نماذج متحركة للآمال المتهدمة وللحكم المؤبد بالهامشية والانزواء .

 

 

اذكر أني شاهدت ذات مساء فيلما عن حياة الفنان الهولندي فان جوخ ( 185 _ 1890) الذي تباع لوحاته الآن بالملايين وعاش ومات فقيرا بغير أن يبيع لوحة واحدة وكان يعوله شقيقه الذي يشتغل بعرض اللوحات الفنية للبيع .. ثم مرض جوخ مرض الموت بعد أن أقام شقيقه معرضا أخيرا للوحاته فلم ينجح في بيع لوحة واحدة منها ، وتكاثرت سحب الاكتئاب ونوبات الجنون على جوخ فمات في السابعة و الثلاثين من عمره وهو يقول لشقيقه متحسرا : لو أنك حتى استرددت ثمن الأدوات التي اشتريتها لي ! وأسلم أنفاسه الأخيرة فلم أتمالك مشاعري .. وتسلل الاكتئاب إلى نفسي وفسدت ليلتي .. ثم ما من مرة بعدها شاهدت لوحة للفنان جوخ في متحف اللوفر بباريس محاطة بالسائحين من كل الجوانب أو قرأت خبرا عن بيع لوحة له بعدة ملايين من الدولارات حتى قفز هذا المشهد الدرامي إلى مخيلتي وتساءلت بيني وبين نفسي ، وما قيمة الآمال حين تتحقق بعد رحيل من كان يسعدهم تحقيقها ؟ أو حين تجيئهم كالعدل البطء بعد فوات الأوان ؟

ثم أثوب إلى رشدي سريعا وأردد قول الحق سبحانه وتعالى في سورة القمر : "إنا كل شىء خلقناه بقدر" .. فيخامرني الإحساس بالإثم و أطلب العفو عن تطاولي وأعود لمواصلة المشوار بلا كلل .

 

لقد سرحت بعيدا عن بداية هذا المقال ولابد أني قد تأثرت في ذلك بغير أن أشعر بطريقة الدكتور زكي مبارك في الكتابة لأني استمتع هذه الأيام بإعادة قراءة كتبه .. وقد كان "الدكاترة" زكي مبارك كما كان يفضل أن يطلق على نفسه ، يبدأ مقاله بالفخر بنفسه وشعره ثم يفسر انعدام باب المديح في أشعاره بقوله : وذلك أني ما عرفت شخصا أعظم مني لكي أمدحه بشعري !

ثم يعرج على قريته سنتريس ويتحدث عن بيته الريفي فيها ثم ينتقل إلى التشبيه بليلى المريضة في العراق وليلى المريضة في مصر الجديدة وليلى حي الزمالك وليلى الدمشقية ثم يناوش الدكتور طه حسين في بعض آرائه الأدبية ويعلن أنه يحترمه لكنه لا يهابه ! ثم يداعب العقاد ويقول إنه يعترف بينه وبين نفسه بان زكي مبارك أشهر منه لكنه لا يعلن هذا الرأي للناس من باب العناد والكبرياء ويطالبه بالتخلي عنهما ! ثم يبدي رأيا في مستوى التعليم بالمدارس الأجنبية في مصر ثم يختم المقال بالحديث عن غيرة زوجته عليه من حب " الليلات " المختلفات في الزمالك و مصر الجديدة و الدول العربية !

ويبدو أني قد فعلت شيئا شبيها بذلك في هذا المقال ، فقد تذكرت قصة زكي عبد القادر مع الرجل الذي أودعه مذكراته لأني أردت أن أقول إني في أحلام الشباب قد فكرت في أن يكون كتابي الأول عن العلاقة بين الرجل و المرأة وأن أمهد له بمقدمة أقول فيها شيئا شبيها بما قاله المرحوم زكي عبد القادر فأدعي أن رجلا متزوجا قد أودعني أوراقه وطالبني بنشرها إذا حدث له مكروه ! ثم انشرها بالعنوان الذي اخترته لها لأبرر إصدار شاب أعزب لم يتزوج بعد لكتاب على لسان زوج غير سعيد فهل تريد بعد كل ذلك أن تقرأ بعض أوراق الرجل الذي أودعني مذكراته ؟

لا بأس .. سأختار لك مقطوعتين شديدتي الإيجاز بعد أن طال الحديث وابتعد عن بداياته :

- قالت لي زوجتي صباح اليوم : أف .. مللت ! فلم أرد عليها .. من شدة الملل !

 

-دخلت على زوجتي غرفة الصالون مساء أمس فوجدتني منهمكا في قراءة كتاب باستغراق شديد ، فقالت في دلال ينذر بالمتاعب : ليتني كنت كتابا لأنال منك كل هذا الوقت وهذا الاهتمام ، فتفكرت فيما قالت قليلا وراقتني الفكرة فابتسمت قائلا لها :

فكرة رائعة .. لكن أليس الأفضل أن تكوني " نتيجة ! " فزمت شفتيها محاولة أن تفهم السبب .. وقالت : لماذا ؟

فحاولت أن أخفف من وقع الإجابة وقلت بحذر :

لأن الكتاب قد يبلى من القدم .. أما " النتيجة " فان الإنسان يغيرها كل سنة !

ولم اسمع شيئا بعد ذلك لأني ابتليت بآفة عدم تمييز الأصوات حين تعلو عن الحد المألوف !

 

 

ترى هل أخطأت لأني لم استكمل هذا الكتاب الذي فاتتني فرصة تأليفه وإصداره للأبد بعد أن تزوجت ولم تعد تجدي حكاية "الرجل الذي أودعني مذكرات" في إقناع أحد أو في دفع الشبهات العائلية ؟

أم ترى أني قد خدمت الأدب خدمة جليلة بالتكاسل عن استكماله وإصداره ؟ وبعض ما تصدره المطابع تحس فعلا بعد قراءته بأن أفضل ما يقدمه مؤلفوه للأدب والإنسانية هو الامتناع عن " ارتكاب " مؤلفات مماثلة ؟

إنني أترك الحكم لك قابلا بعدلك .. وراضيا بقضاء الله وقدره !.

 ·       نشرت في كتاب افتح قلبك

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات