رسالة إلى غائب .. رسالة من بريد الجمعة عام 2004
أنا شاب ولكن بالمرحلة
الثانوية وسوف أحكي لك قصتي لو سمحت, فهي رسالة إلى كل أب وأعتذر عن أي خطأ
إملائي.
أنا الولد الكبير لأبي وأمي,
ثم جاءت أختي ونشأت أنا وأختي مع أبي وأمي, وكل شئ نطلبه نجده وكبرنا, وكبرت
أحلامي معي, وكانت أمي تحب أبي كثيرا وتمنع عنه أي شئ يضايقه, ولقد شاهدت هذا
الحب بعيني, كما شاهدت إهانته لها وضربه لها, وبدأت أسمع أنه أحب سكرتيرته
وحاربت أمي ذلك بكل قوة ثم ذهبت هذه السكرتيرة وحمدت الله أنا وأختي, وكل مرة
أسمع من ماما تقول لبابا شوف عايز أرضيك إزاي وأنا حارضيك؟ ودائما كانت تبدأ
بالاعتذار عن أي خطأ, سواء منها أو من أبي.
ثم أحب أبي أخرى, ثم أخرى,
ولا أعلم ماذا يجري إلى أن طردنا من شقتنا
وبدأت أعرف معنى الضياع, وبدأت أمي في الصراخ والانهيار ثم بدأت تلجأ إلى الله
بشكل أكبر, وبدأت تعلمنا أن هذا اختبار من الله, وتركنا أبي وحطم أحلامي ولم
نعد نسمع منه ولا عنه أي شئ سوى إننا سمعنا أنه يرفع على ماما قضايا كثيرة,
وبدأت الحرب علينا لماذا وهو الذي تركنا دون مأوى أو أي شئ نعيش منه؟
لقد أصبحت ماما تبيع أي شئ يمكن أن يباع وهي
تدعو لنا أننا سوف نعوضها حين نكبر وأصبحت تحاول أن تنسى أبي, ولكن أبدا لم تنس
الإساءة منه, والآن بعد سنة لم يتصل بنا خلالها سوى 6 مرات فقط, طلب منا أن
نتصل بجدتي حرصا على صلة الرحم, مع أنني أعلم أنها كانت تكره أمي, ولقد سمعتها
وأنا صغير وهي تدعو علي ووالله أنها تكره نفسها قبل أن تكرهنا, فهل هذا عدل,
هل يريد أبي أن أصل رحمي وهو لا يصل لحمه أنا أخاف أقول له ذلك, لقد أحضر لي
هدية أنا لا أريد هذه الهدية, أنا أريده هو, لقد حرمني حنان الأب مثل أصحابي,
لقد كرهت أصحابي حتى لا يسألوني أين بابا, أيحضر لي هدية ولا يشتري لي ما آكله
أو ألبسه, وكل مرة يقول أمكم تتكلم عني بسوء, وأقسم لك أن ماما برغم كرهها
لبابا تقول أترك حقي لربي وهو الذي سينصفني.
أنا لا أكتب هذه الرسالة
لأني محتاج لشئ, ولكن لكي أقول لكل أب كيف تترك أولادك وتتزوج سكرتيرة ثم تريد
منا أن نحبك, لقد اخترت, فاتركنا نحن أيضا نختار. وأنا أقول إنه إذا أراد
الأب أن يختار حياة أخرى فله أن يختار, ولكن عليه أيضا أن
يترك لنا حرية العيش معه أو لا, ويتركنا نقول للناس إنه مات أحسن من نظرة الناس
لنا.
وماما بتقول خلوا قلبكم
أبيض وهي تأخذ دروسا في الدين وبتقول إنها لكي تصالح نفسها على نفسها, ولكن
عندما طلب بابا أن أكلم جدتي وأهله حرصا على صلة الرحم عرفت يعني إيه ماما عايزة
تصالح نفسها, لماذا تطلب جدتي أن أكلمها ولماذا لا تكلمنا هي؟ هي سعيدة بأن بابا
تزوج فتاة في سن أختي.
أنا باكتب لك لأن بابا يقرأ
بابك دائما وأريده أن يعرف أنه أخطأ في حقي وحق أختي, وأريد منك أن تقول لأمي إن
البكاء لا يعيد ما فات وأتركي ظلمك لربك وأنا أعاهدها أمامك وأمام كل قرائك أنني
سوف أعوضها حين أكبر, ويكفي أنها ترفض أن يصرف علينا أحد وتبيع كل شئ لها.
وزودت رصيد حب الناس لها أكثر, فكانت من قبل محبوبة والآن أصبح الناس أكثر حبا
لها, وتقول إن الله معنا.
نسيت أن أقول لك إن
السكرتيرة التي تزوجها أبي, ماما هي التي اختارتها له بعد أن ترك السكرتيرة
السابقة, ولأن بابا وعدها كعادته أنه سوف يبتعد عن النساء وترك لها الاختيار
فاختارت له من تزوجها وتركنا.. سامحه الله.
ولكاتب هذه الرسالة أقول:
آثرت أن أنشر رسالتك كما هي بتعبيراتها العامية لأنها صادقة, وأني لأرجو أن تحقق هذه الرسالة الأثر المنشود في نفس أبيك, وأن يبر ابنيه وزوجته ويعدل معهم إذا كان عاجزا عن تصحيح الأوضاع والعودة إلى الحياة العائلية الطبيعية, أما أنا فلقد مللت الحديث عن هذه المشكلة ومللت تقريع بعض الأزواج الذين ينساقون وراء أهوائهم ويدمرون حياتهم العائلية ويضيعون أبناءهم طلبا لمتعة لا تدوم, وسعادة وهمية لا تصمد للأيام, ولا يندمون على ما أضاعوه ومن ضيعوهم, إلا بعد فوات الأوان وقد لا يعودون إلى الطريق القويم إلا وهم يتسمعون أنغام الرحيل, فيصدق عليهم قول بعض الصوفية لم يتركوا الذنوب إلا بعد أن تركتهم الذنوب أي إلا بعد أن عجزوا لأسباب تتعلق بالصحة وتأخر العمر عن ارتكاب المزيد منها.. وكل رجائي هو ألا يكون والدك من هؤلاء وألا تطول غيبته عنكم, أما أنت فإن من واجبك بالفعل أن تصل رحم جدتك بغض النظر عما فعل أبوك, ذلك أنها ليست مسئولة عما فعل, ولأن ديننا يقضي لنا بألا تزر وازرة وزر أخرى, فلا تحمل نفسك وزر مقاطعة جدتك وابدأ أنت بصلتها ولسوف ترحب بك وتحرص عليك وتصل رحمك دائما إن شاء الله.· نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 2004
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر