الخبر .. رسالة من بريد الجمعة عام 1991
بعد عشرين عامًا من الزواج
الذي أثمر حفنة من الأبناء أحس أني لم أشعر يومًا بالراحة في بيتي ولم أعرف مذاقها
فإذا سألتني ولماذا صبرت كل هذه السنين ؟ أجيبك أني كنت أتعلق بخيط واهٍ من الأمل
في أن ينصلح حال زوجتي أو أن تتنزل من السماء صاعقة فتريحني منها أو تريحها مني،
ثم لأني في فترة المسكنة من جانبها في بداية الزواج قد سلّمت لها كل ما أملك،
وأصبحت لا أملك إلا مرتبي، وأتنقل بين عملي الأساسي وعملي الإضافي لأواجه أعباء
الحياة المرعبة، ثم أعود إلى بيتي محطمًا فأجد زوجة متسلطة مستنزفة ازدادت مع
السنين حماقة ورغبة في الاستحواذ على كل شيء واندفاعًا في إيذائي بالكلام الجارح
الذي أصمت إزاءه لأني مكتوف اليدين خالي الوفاض، وقد ازدادت الأمور سوءًا منذ فترة
قصيرة حين ورثتُ إرثًا متواضعًا يحق لرجل في الخمسينات مثلي أن يأمل في أن يحتمي
به من الزمن، فأعلنت عليّ الحرب الضارية للاستيلاء عليه واستأثرت بأبنائي وحرضتهم
عليّ وأشعلت فيهم الرغبات المادية، وراحت تنهال عليّ كل يوم بشتائمها فلا أرد
عليها حتى لا يعرف الجيران لمن توجهها وتستنزفني بشراء ما لا أوافق على شرائه من
مطالب البيت اليومية بالدين ثم مواجهتي بالأمر لكي أسدد ثمنه وتشمت في خسائري
وتقلل من شأني بالرغم من ثقافتي بالمقارنة بشهادتها المتواضعة، ثم بلغتُ الذروة
منذ أيام حين أرسلت إليّ أحد أبنائي ليزفَّ إليّ خبرًا سعيدًا فهل تعرف ما هو هذا
الخبر ؟
لقد قال على لسانها وبكل
تبجح أن أمي تبلغك أن هناك من يرغب في الزواج منها إذا أنت طلقتها، وإن ذلك الراغب
يملك نقودًا كثيرة تلبي مطالب الأبناء وتجعل من بيتنا "جنة" فانظر ماذا
ترى !
هذا والله يا سيدي ما بعثت
به ابني ليقوله لي ولا داعي لذكر موقفي بعد أن سمعت هذا الكلام الذي لا أعرف هل هو
صحيح أم أنه حلقة جديدة من الحرب النفسية، ولست أكتب لك لأطلب منك أن تنصحها فهي
مريضة ولن تستجيب لأي نصيحة .. وأقاربها متبلدون وأقاربي متباعدون وليس لي مهرب
أفر إليه كلما ازدادت البذاءة، ولا أصدقاء أشكو لهم وكل ما أريده هو أنيس وجليس
أشكو إليه ولديه غرفة أو سكن صغير أنجو فيه وأقيم به إقامة مؤقتة أو متقطعة كلما
عجزت عن مواصلة الاحتمال أو سيدة مقاربة لي في السن تقبلني زوجًا لها على أن أقيم
معها في أي مكان فإني أريد أن أتنفس هواءً سليمًا .. وأتحدث في أمور جادة وأعطي
بعض خبرتي وقراءاتي أحس أني مع آدميين ولستُ مع مَرَدة أو شياطين .. وأرجو أن
تنجدني سريعًا فأنا مهزّأ في بيتي .. ومحترم جدًا خارجه .. وهذه هي الكارثة ..
وشكرًا .
ولكاتب هذه الرسالة أقول :
يا إلهي لماذا تنهال عليّ
"العجائب" هذه الأيام بكثرة ؟ أتبعث إليك زوجتك بابنها ليقول لك إن هناك
من هو على استعداد لأن يتزوج أمه إذا طلقتها أنت ؟ وأنه – بشرى للصابرين – أغنى
منك وسوف يلبي كل مطالبهم ويحيل حياتهم المتقشفة معك إلى جنة بعد خروجك منها بإذن
الله ؟
أهي من علامات الساعة يا
سيدي أم ماذا جرى للدنيا ؟
إن من حق زوجتك أن تطلب منك
الطلاق إذا شاءت .. لكنه ليس من حقها أن تنزل بعلاقة الأبناء بأبيهم إلى هذا
الحضيض ولا أن تفسد عليهم قيمهم فتقنعهم جَدًّا أم هزلاً بأن هناك من هو أفضل من
أبيهم لأنه يملك نقودًا ولن يبخل عليهم بشيء حتى ولو كنت مقترًا عليهم أو غير مصيب
في حجب ميراثك المتواضع عن الإسهام في تخفيف صعوبات حياتهم .. لأنه لا يجوز لأم
تعرف معنى الأمومة أن تقنع الأبناء بأن هناك من هو أفضل من أبيهم بالنسبة لهم مهما
كانت المبررات أو الدوافع ولا يجوز لها أن تطلق لسانها فيه أمام الأبناء . ولست
أفهم كيف تتحمل كل هذه البذاءات والإهانات صامتًا لكيلا يعرف الجيران أنك المقصود
بها .. فاللعنة على كل الأشياء إذا أُمتُهنت كرامة الأب عمدًا أمام أبنائه أو
كرامة الأم أمام أبنائها ، وهناك دائمًا دوائر للاتفاق والاختلاف في الحياة
الزوجية لكن كل خلافاتها لا يجوز أن تمس دائرة كرامة الأبوين أو تهز صورتهما في
مخيلة الأبناء ، وهذه مسئولية مشتركة بين الطرفين.
فراجع نفسك أولاً يا سيدي لترى هل أنت محق في
ادخار الإرث كله للمستقبل أم أن حياتكم بالفعل تحتاج إلى جزء منه لمواجهة مطالب
الحياة المتزايدة .. وحاول أن تجتذب أبناءك إليك بعطفك وتفهمك لاحتياجاتهم وأن
تقنعهم بمنطقك بغير الإساءة لأمهم وحكّم بينك وبينها العقلاء من أهلها وأهلك فإذا
حكموا لك كان بها وإن حكموا لها فلا معنى للسماح لإرث متواضع بهدم أسرة لها حفنة
أبناء وقبل التحكيم وبعده لابد أن تُلزمها بالكف عن بذاءاتها وإساءاتها لك
وبمواجهة ذلك الأمر بحزم فإن استمرت في غيّها جاز لك أن تفعل ما تريد .. وعندها
يبدأ التفكير في الحل الأخير . أما "الخبر" الذي زفته إليك زوجتك فهو
بالطبع هُراء رخيص .. إذ أين هو ذلك المعتوه الذي يرحّب بزوجة سليطة اللسان من
خلفها عصبة من الأبناء بعضهم في سن الشباب ولهم ينتظرون دخول جنة الدنيا بأمواله ؟
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر