دموع الزفاف .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2001

دموع الزفاف .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2001 

دموع الزفاف .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2001

إن الأهل قد يختلفون وقد يتنافرون بل وقد يتصارعون أيضا لكنه تبقي دائما رابطة الدم التي لا تنفصم تذكرهم بصلة الرحم وتعيدهم إلى جادة الاعتدال في الخصومة وتفتح الأبواب للصفح والغفران والتجاوز عن الخطايا والأخطاء‏..‏ وقديما قال البحتري في أسرة اصطرع بعض أفرادها لفترة من الزمن
إذا احتربت يوما ففاضت دماؤها
تذكرت القربى ففاضت دموعها
وبالمثابرة والصبر يصبح ورق التوت حريرا، كما تقول لنا الحكمة القديمة‏.‏
عبد الوهاب مطاوع
 

قرأت رسالة "النظرات الطويلة" للسيدة الشابة التي أحبت زميلا لها في الكلية ورفضه والدها بإصرار أكثر من مرة لظروفه المادية حتى يئس من فتاته‏,‏ وتركها‏,‏ وسلمت هي بأقدارها وتزوجت رجلا تتوافر فيه المواصفات المطلوبة من حيث الثراء‏,‏ والأسرة الكبيرة فعانت الويلات من بخله وتقتيره الشديد عليها‏,‏ كما تخلى عن أبيها في أزمته المالية الطارئة وطلقت منه‏,‏ والتقى والدها بعد ذلك بالشاب الذي رفضه مرتين وعيره بفقره فإذا به مدير فرع البنك الذي ذهب إليه باحثا عن حل لأزمته المالية‏..‏ وإذا بالرجل يقف إلى جواره بشهامة ويخدمه‏,‏ ويعلم منه أنه قد تزوج وأنجب ثم ماتت زوجته‏,‏ وبعد حين تطالبه ابنته المطلقة بأن يعرضها عليه إذا كان مازال راغبا فيها ويفعل الأب فيرحب الرجل ويتزوج حبيبته التي حرم منها‏ 15 عاما ..  وتجد معه السعادة التي افتقدتها في زواجها الأول .

 

وأريد أن أروي لك قصتي وأطلب منك مشورتك فيها فأنا شابة نشأت في أسرة متوسطة بين أبوين وأخوين وأختين‏,‏ وكان أبي يسافر للعمل في الخارج بصفة شبه دائمة‏,‏ فيعمل في إحدى الدول العربية بضع سنوات‏,‏ ثم يرجع ليستقر بيننا عاما ويرجع للسفر مرة أخرى‏,‏ ولهذا كانت أمي بالنسبة لنا بمثابة الأب والأم في معظم الأحيان‏,‏ وكافحت لتربيتنا أفضل تربية ولكن لأنها كانت غالبا هي المسئولة وحدها عن الأسرة فقد كانت دائما جافة المشاعر ولا تحسن التعبير عنها بالكلمات‏,‏ لكن ذلك لم ينل من حبنا لها‏..‏ ونشأنا على طاعتها ومحاولة استرضائها دائما حتى ولو لم نكن مقتنعين ببعض مواقفها‏,‏ وكنت أنا بالذات أكثر أخوتي طاعة لها وامتثالا لأوامرها‏..‏ كما كنت أيضا أكثرهم تفوقا في الدراسة حتى التحقت بإحدى الكليات في حين حصل أخواي على دبلومات متوسطة‏,‏ وكان يقيم معنا في الدور الأخير من العمارة التي نقطنها فتى يعيش وحيدا مع جدته لانفصال أبويه قبل أن يولد‏,‏ فارتبطت به عاطفيا واستمرت علاقتنا 7 سنوات لا يعلم بها أحد سوى أهله‏,‏ ثم اكتشف شقيقي الأكبر الأمر بالمصادفة وأبلغ أمي فهبت العاصفة على حياتنا الهادئة وراحت بكل الوسائل تحاول إرغامي على ترك هذا الفتي بدعوى أنه أقل منا اجتماعيا وحاصل على شهادة متوسطة‏,‏ مع أن ظروفنا المادية والاجتماعية مقاربة جدا لظروفه‏,‏ وحاولت إقناعها بكل الحيل بألا تقف في طريقنا‏,‏ بالحوار‏,‏ وبالرجاء‏,‏ وبالامتناع عن الطعام والشراب ذات مرة لمدة‏ 4 أيام‏..‏ ومرة أخرى لمدة 10 أيام حتى كدت أهلك‏,‏ دون أن يرق قلبها أو يلين.

 

 وطلبها فتاي ليحاول إقناعها بنفسه فسبته بأفظع الشتائم ولم يرد عليها سوى بكلمة شكرا‏,‏ وأخيرا خيرتني بين أن أبقى مع أسرتي وأبتعد عنه‏,‏ أو أذهب إليه وأبتعد عن أسرتي‏,‏ فاخترت أهلي وتجرعت المرارة والقهر وتركت فتاي وأنا أحبه وهو يحبني وخلال فترة الانفصال التي لم تطل عمليا لفترة كبيرة لم تكف أمي عن سب هذا الفتي وسب أهله بصوت عال في العمارة‏..‏ دون أن يرد عليها هو أو أهله‏,‏ ولم تكتف بذلك وإنما راحت تذيع عنه بين الأقارب كل ما يؤدي إلى الإساءة لسمعته وصورته‏,‏ وكان كل ذنبه أنه كغيره من الشباب كانت له بعض الهنات قبل أن يرتبط بي ويلتزم بي‏,‏ ثم رجع أبي من البلد العربي بعد انتهاء عمله هناك ليقيم بيننا بصفة نهائية وكانت مكافأة نهاية الخدمة صغيرة ومعاشه أصغر فاشتعلت المشاكل بينه وبين أمي بصفة مستمرة بسبب قلة النقود‏,‏ ولم يكن أبي حتى هذا الوقت يعرف بقصتي‏,‏ لكن شابا آخر لا تختلف ظروفه كثيرا عن ظروف فتاي تقدم لي وصممت أمي على قبوله لكي أنسى به الآخر‏,‏ وصممت أنا علي الرفض‏,‏ فعرف أبي القصة‏,‏ ونجح في إقناع أمي بعدم إرغامي على قبولي ذلك الشاب‏,‏ ورضخت أمي في النهاية لكنها حرمتني من الخروج وأغلقت كل نوافذ الشقة وحجبت عنا الشمس والهواء حتى أصبت ببقع جلدية تشبه الحروق وشخصها الطبيب بأنها ارتكاريا‏,‏ ومع استمرار شكواها مني لجيراننا اقترحت عليها أن تقابل فتاي وتختبره وتتفق معه على الشروط التي ترضيها للزواج وتعطيه مهلة لتنفيذها فإذا حقق ذلك‏,‏ فإنه يكون قد أثبت لها جدارته وإن فشل  فلا لوم عليها في رفضه‏.

 

وقبلت ذلك بعد إلحاح شديد وجاء بالفعل وطالبته بشقة تمليك وأن يؤثثها بكل الأثاث والأجهزة لأنها كما قالت لن تشتري لي شيئا على أن يتم كل ذلك خلال شهرين‏,‏ فرجاها أن تكون المهلة لمدة سنة فوافقت بشرط ألا يكون هناك أي اتصال بيننا خلال هذه الفترة وكانت الشروط قاسية بالفعل‏..‏ وحاولت استمالة أبي إلى تأييدي والتعاطف معي بدلا من الوقوف ضدي كما كان يفعل فرجوته أن يقابل هذا الفتي ويحكم عليه بعد اللقاء وتقابلنا معه ومعنا أختي الصغرى‏,‏ فشعر أبي بالارتياح له وذهب إلى أبيه في بيته وتعرف به وبأهله وفرحت بحب أبي لفتاي‏,‏ ورجوته أن يوافق على أن نغير شرط الشقة التمليك إلى شقة بالإيجار فوافق واتفق مع والد فتاي على أنه سيكون مستعدا لتزويجي لابنه حين يحصل على الشقة‏,‏ في حين توعدتني أمي بأنها لن توافق على زواجنا حتى ولو حصل علي الشقة التمليك‏.‏

فلما لمست منها هذه النية المبيتة لم أجد مفرا من عقد قراني عليه‏,‏ وبالفعل تم القران ولم يعلم به سوى أبي وأهل زوجي‏,‏ وكان زوجي قد حصل على شقة إيجار بالقانون الجديد فشعرت أمي بأن شيئا ما يجري في الخفاء فاستدعت بعض الأهل ليتدخلوا في الأمر وقالت لهم إنه خطفني وجاءوا وعرفوا بعقد قراننا‏..‏ وباركوا زواجنا‏..‏ وخوفا من الحرب التي تنتظرني مع أمي فقد غادرت بيت أسرتي لكي نعلن الزواج‏,‏ وأقام لي زوجي فرحا صغيرا وكان لابد أن نخرج من شقة جدته في نفس العمارة بملابس الزفاف لنركب سيارة الفرح الحزينة إلى الشقة  الجديدة‏,‏ وارتديت فستان الزفاف في شقة جدة زوجي بدلا من شقتي وبدلا من أن أكون بين أفراد أسرتي وفي أحضان أمي‏,‏ ونزلت السلم مع زوجي ونحن نسمع اللعنات والسباب وأقذع الشتائم‏..‏ وقبل أن ندخل السيارة انهمرت فوقنا خيرات القمامة من أعلى فتناثرت فوقنا وفوق السيارة‏..‏ فلم أستطع أن أحبس دموعي وصعبت نفسي علي كثيرا‏..‏ وآلمني إصرار أمي على أن تنكد علي حتى في يوم فرحتي التي انتظرتها سبع سنوات‏..‏ وحاولت الاستجابة لمحاولات زوجي لإضحاكي واعتبار الموقف مثيرا للضحك بدلا من الدموع وذهبنا إلى الشقة الجديدة وعشنا فيها بضعة أشهر‏,‏ لم تتوقف أمي خلالها عن سب زوجي وأهله على مسمع من جدته أو من يزورها من أهله أو تسبه هو حين يرجع للاطمئنان على جدته‏..‏ ولسوء الحظ فقد ارتفع إيجار الشقة بحيث أصبح زوجي لا يقدر على الوفاء به فاضطررنا إلى تركها والعودة للإقامة مع جدة زوجي في نفس العمارة.

 

 واتصلت بأمي عشرات المرات لكي تصفح عني فكانت تسبني في كل مرة وتغلق التليفون في وجهي‏..‏ وظلت على إصرارها على عدم الصفح عني ومصالحتي بالرغم من أنها قد عرفت أن زوجي إنسان طيب ويتقي الله في ويحبني وتحبني كل أسرته وتقدرني وتتمنى أن يجيء اليوم الذي تعفو فيه أمي وترضي عني‏.‏
ومازالت أمي حتى الآن مصرة على هذا الموقف القاسي مني ومن زوجي ومازالت تسبني وتسب زوجي وأهله لدى الأهل والجيران وتبصق على الأرض إذا رأته أو  رأت أحدا من أهله في الشارع أو في مدخل العمارة وتغلق باب شقتها في وجهه إذا تصادف مروره أمامها صاعدا أو نازلا‏,‏ وذات مرة كنت أقف مع زوجي داخل العمارة فسقط علينا كيس من القمامة وعرفنا على الفور من أين هبطت علينا هذه الهدية‏,‏ وبالرغم من ذلك فإن زوجي لا يرد على أمي أو أخوتي الذين يجارونها في الإساءة إليه ما عدا أختي التي تصغرني‏,‏ ومازال زوجي يتحكم في أعصابه لكني أخشى أن ينفد صبره ذات يوم ويرد على أخوتي ويقع شجار بينهم‏..‏ وتتعقد المشكلة أكثر فماذا أفعل يا سيدي لكي أنال رضاء أمي عني؟


إنني والله العظيم أحبها ولا يمكن مهما فعلت أن أكرهها‏..‏ كما أحب إخوتي وعائلتي ولا أستطيع الاستغناء عنهم‏..‏ لكنهم لا يعطوننا الفرصة لكي يرونا‏..‏ ويعرفوا إذا كنا نستحق قبولهم لنا أم لا‏,‏ فما هو المطلوب منا أو مني لكي تصفح الأم وترضي؟ هل المطلوب أن يضيع من العمر‏14‏ أو‏15‏ عاما مثلما حدث مع كاتبة رسالة النظرات الطويلة قبل أن تسعد بحياتها؟
أم المطلوب هو أن انفصل عن زوجي ويذهب كل منا إلى طريق ويتزوج من طرف آخر ويفشل في حياته معه وينفصل بعد عدة سنوات بعد أن يكون قد أنجب أطفالا ثم يبحث كل منا عن الآخر‏,‏ وهنا فقط يرضي الأهل بارتباطنا ويباركون حياتنا؟
لقد أشعرني زوجي بعد الزواج بأنه أكثر طيبة مما كنت أظنه وجعلني أكمل تعليمي ويعاملني معاملة جيدة‏,‏ وأنا سعيدة به ومعه فماذا تريد أمي لكي تقبل الصلح معي؟


ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:‏ 

بالمثابرة والصبر يصبح ورق التوت حريرا‏,‏ كما تقول لنا الحكمة القديمة‏.‏ فواصلي محاولاتك لاسترضاء والدتك واستعادة ودها المفقود ولو تحملت في سبيل ذلك المزيد من الأذى‏..‏ واستعيني عليها بالأهل والأقارب وذوي الرحم وكل من يقدرون على الحديث معها والتخفيف من غضبها عليك‏,‏ ليس فقط إبراء لذمتك من شبهة قطع رحمها وإنما أيضا تكفيرا عن خطأ كبير ارتكبته بالفعل في حقها حتى ولو كان موقفها منك ومن زوجك الآن متعسفا ولا يقره شرع ولا دين‏,‏ فلقد عقدت قرانك يا سيدتي خارج نطاق أسرتك وبغير رضا والدتك وإخوتك وفي غيبة أبيك‏,‏ وليس يجدي في التخفيف من هذا الجرم القول بأن والدك قد علم به‏..‏ لأن ذلك لا يفيد سوي أنه لم يكن طرفا فيه وإنما علم به بعد وقوعه‏..‏ فإذا كان قد تجاوز عن الموقف تفهما منه لدوافعك وظروفك‏,‏ فإن ذلك لا يغير من حقيقة انك قد أقدمت على عقد قرانك بعيدا عن أسرتك وبغير موافقتها وقبولها كما لا يغير من الأمر في شيء أيضا تبريرك لذلك بأنك قد علمت بعزم والدتك على رفض فتاك حتى ولو نجح في تنفيذ شروطها الصعبة للقبول به‏,‏ لأن ذلك رجم بالغيب‏..‏ وتعجل للخروج على طاعتها دون انتظار لاختبار موقفها الحقيقي من مشروع الارتباط حين يجيء فتاك ليطلب الزواج منك‏.‏ ولو أنك كنت قد صبرت على نداء الخروج علي الطاعة‏..‏ وجاء فتاك ليطلبك منها فرفضته بإصرار لحق لك في ذلك الحين أن تعتمدي علي تأييد والدك الضمني لك وتقدمي  علي عقد القران بإذن من والدك‏,‏ حتى ولو لم يشأ أن يكون طرفا فيه تجنبا لنيران غضب زوجته‏.‏

أما أن تقدمي على هذه الخطوة اعتمادا على إدراكك لنية والدتك في الرفض فإنه يحولك من ضحية لتعسف الأم إلى مجترئة علي حقها وخارجة على طاعة الأهل‏.‏ وأهمية الاقتناع أولا بخطأ ذلك هو أن يعينك على إدراك ما فعلت وفهم بعض دوافعها لهذا الموقف المتصلب منك ومن زوجك ويساعدك على الصبر على رفضها لك إلى أن تطيب نفسها‏..‏ وتسلم بما جرى ‏..‏ وتتقبل حقيقة زواجك ممن ترفضه‏..‏ وتتذكر القربى فيرق قلبها لابنتها وتعفو عنها‏.‏
كما أن الاقتناع بذلك يعين زوجك كذلك على الاعتصام بالصبر علي ما يلقاه هو وأهله منها‏..‏ فلا ينفد حلمه عليها وعلى إخوتك ولا يستجيب للاستفزاز الذي يستهدفه لكيلا يعمق الصدع ويصعب من احتمالات رأبه‏.‏

وليس في ذلك أبدا ما ينقص من قدره‏..‏ أو ينال من رجولته‏..‏ بل لعله على العكس يزيد من فضله ويؤكد حكمته ويرشحه لإصلاح الأحوال ذات يوم قريب‏..‏ فالتزامه بعدم الرد على الإساءة إنما يجيء من فضل وتعال عن الصغائر وليس عن ضعف ولا تفريط وقديما قال بعض البلغاء‏:‏ ما ذب عن الأعراض ـ بفتح الهمزة فوق الألف ـ مثل الصفح والإعراض‏,‏ بكسر الهمزة ـ وبقدر الخطأ يكون التكفير‏.‏
وتكفيرك أنت وزوجك عن تعجلكما عقد القران بغير رضا والدتك وفي غيبة أهلك جميعا هو الصبر علي أذاها وعدم اليأس من الأمل في استرضائها ونيل عفوها ذات يوم‏.‏

أما هي فلقد جاوزت في موقفها منك ومن زوجك كل حد‏..‏ فلقد كان الأحرى بها منذ البداية أن تتفهم جيدا صدق رغبتك في هذا الفتي وعمق ارتباطك به فتسقط بعض تحفظاتها عليه وتأمل ـ كما تفعل الأمهات والآباء من ذوي القلوب الحكيمة‏,‏ أن تكذب الأيام ظنونها فيه وتقف إلى جوارك ترشدك إلى الطريق وتنزع منه أشواكه لا أن تتخذ منه موقف الرفض الأعمى‏,‏ والعداء المطلق له ولأهله‏,‏ وكأنما قد احتكرت وحدها الحكمة واختصت بالاطلاع دون البشر على الغيب‏,‏ وعرفت عن يقين أنه لن يحمل لك سوى الشقاء‏.‏
كما كان الأحرى بها أيضا حتى بعد أن عرفت بخروجك على طاعتها وعقد قرانك عليه‏,‏ أن تسلم بالأمر الواقع‏,‏ وألا تحرمك من قبولها له حتى ولو كرهته‏,‏ لكيلا تبدئي حياتك الجديدة بالأمل في السعادة وليس بإلقاء القاذورات عليك وعلى زوجك وأنت بملابس الزفاف ـ غفر الله لها ـ إن الأهل قد يختلفون وقد يتنافرون بل وقد يتصارعون أيضا لكنه تبقي دائما رابطة الدم التي لا تنفصم تذكرهم بصلة الرحم وتعيدهم إلى جادة الاعتدال في الخصومة وتفتح الأبواب للصفح والغفران والتجاوز عن الخطايا والأخطاء‏..‏ وقديما قال البحتري في أسرة اصطرع بعض أفرادها لفترة من الزمن
إذا احتربت يوما ففاضت دماؤها
تذكرت القربى ففاضت دموعها

فمتى تتذكر والدتك القربى ـ وأي قربى تلك التي تجمع بين أم وابنتها ـ لكي تفيض عينها بالدمع وتفتح صدرها لك وتعفو عما جرى؟
إن أحدا لا يطالبها بأن تكافئك على خروجك عن طاعتها بأن ترفعك فوق الرؤوس وتتيه به فخرا واختيالا‏..‏ كما لا يطالبها أحد أيضا بأن تجعل زوجك قرة عين لها‏,‏ وإنما تطالبها الحكمة فقط بألا توصد أبواب الرحمة في وجه ابنتها وزوجها‏..‏ وألا تتمسك بهذا الموقف العدائي الناصح منها إلي ما لا نهاية‏..‏ فهل يتعذر عليها ذلك حقا؟

لقد أخطأت‏,‏ ليس في ذلك من شك‏,‏ لكنك تكفرين عن خطئك الآن بالصبر على مجافاة والدتك لك والسعي بدأب لنيل رضاها وأخطأت والدتك في موقفها المتعسف منك ومن زوجك‏,‏ لا جدال في ذلك أيضا لكنها لا تصلح خطأها ولا تبدي أي مرونة في هذا الشأن ومن يخطيء ثم لا يصلح خطأه فقد ارتكب خطأ ثانيا كما يقول الحكيم الصيني كونفوشيوس‏,‏ فكيف ترضي لنفسها بأوكس النصيبين على حد قول أحد الأعراب وهو ينصح الخليفة العباسي المنصور بألا ينتقم ممن خرجوا على طاعته ويعفو عنهم بعد أن استتب الأمر به وألا من دور يقوم له والدك في هذا الشأن أو يقوم بعض الأهل من ذوي البصائر والضمائر؟
رابط رسالة النظرات الطويلة

·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 2001

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

 


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات