
النظرات الطويلة .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2001
أنا سيدة في
التاسعة والثلاثين من عمري حين كنت طالبة جامعية لفتت زميلاتي بالكلية نظري إلى
طالب هادئ وسيم قلن لي عنه أنه يتابعني دائما بنظراته ويحبني في صمت .. فبدأت
أشعر بوجوده لأول مرة.. ولاحظت إنه لم يحاول أبدا التعرف علي أو الاقتراب مني
كما يفعل بقية زملائه، كما لاحظت أيضا أنه يبدو دائما حزينا ومهموما بأمره .. وشيئا فشيئا بدأت أفكر فيه وأنشغل به، وترقبت اللحظة التي سيفتعل فيها أي سبب
للحديث معي، فلم تأت هذه اللحظة أبدا .. وسألت إحدى صديقاتي عنه ,وحاولت أن
أعرف منها سبب إحجامه عن الاقتراب مني ففهمت أنه يشعر بأنه لا أمل له في نيل
اهتمامي لجمالي الذي يغرى بي من هم أفضل منه .. ولثراء أبي في حين يكافح هو
لكي يستكمل تعليمه ويعمل في الصيف لتوفير نفقات الدراسة .. واهتممت بأن أعرف ظروفه
.. وعلمت أنه من أسرة طيبة أحنى عليها الدهر وفقدت معظم ثروتها بسبب ديون
الضرائب التي استهلكت تركة أبيه وأن أسرته معروفة بحسن السمعة والمنبت الطيب لكنها
لا تملك من حطام الدنيا سوى بيت قديم في إحدى مدن الأقاليم تقيم فيه وتؤجر بقية
شققه، وتستعين على حياتها إلى جانب ذلك بمعاش بسيط من التأمينات الاجتماعية من
والده الذي كان تاجرا للموبيليات، ووجدتني أشعر بالحب تجاهه وأبادله النظرات
الطويلة .
ومضي عامنا
الجامعي الثالث ونحن نتراسل عن طريق هذه النظرات دون أية خطوة أخرى، وفي عامنا
الأخير انقطع عن الحضور إلى كليتنا لمدة أسبوع كامل كدت أفقد خلاله صوابي ..
وأبحث عن عنوانه لأسأل عنه ثم رجع هزيلا كالشبح وقد ازدادت مسحة الحزن في وجهه
ووجدتني حين رأيته أسأله بلهفة كأني أعرفه منذ زمن طويل عما شغله عن دراسته خلال
الأسبوع الماضي .. فنظر إلي ذاهلا ثم تمتم قائلا : إن والدته قد رحلت عن
الحياة .. ودمعت عيناه وهو يقول لي : إنه لم يعد له في الدنيا بعدها أحد سوى
شقيقة متزوجة في القاهرة، فلم أستطع أن أحبس دموعي .. وطفر الدمع من عيني ففضح
كل ما حاولت كتمانه واعتبر كل منا ذلك اعترافا صريحا بالحب .. لكنه صدمني
بتساؤله : وكيف يكون لي أمل فيك وأنت من يرشحك جمالك وثراؤك للارتباط بأفضل
الشباب؟ فلم أتردد في أن أؤكد له إنني سأدافع عن اختياري له مهما كانت العقبات، واستمرت النظرات الطويلة تجمع بيننا طوال العام الجامعي الأخير.. ورحنا نتبادل
الأحاديث التليفونية كل ليلة وتخرجنا في كليتنا.. وطالبته بأن يخطو الخطوة الأولى
في طريق الارتباط بيننا ويزور أبي للتعرف عليه والتمهيد لطلب يدي منه .. وجاء
مترددا وخائفا.. واستقبله أبي بطريقة طبيعية في البداية وحين عرف منه بكل ظروفه
المادية والاجتماعية رفضه بحزم وطالبه بعدم التفكير نهائيا في هذا الموضوع .. ولم
ينس أبي أن يذكره في نهاية الحديث بأنه قد رحم الله امرأ عرف قدر نفسه !
وغادر زميلي بيتنا كسير الخاطر وجريح الكرامة .. وقال لي في المساء في التليفون
: إنه قد شعر بمهانة الدنيا كلها ووالدي يرفضه لفقره وأنه سوف يدعني لحالي لأنه
لا فائدة من نطح الصخر.
وأقمت الدنيا وأقعدتها في أسرتي من أجله لكن أبي لم يتزحزح عن موقفه قيد أنملة، وزاد على ذلك أن أكد لي أن عريسا جاهزا ينتظرني وتتوافر فيه كل المواصفات المطلوبة
من الثراء الكبير والإمكانات المغرية وأنني معه سأقضي الصيف في أوروبا
والشتاء في الأقصر ولن أحمل هم مطالب الحياة.. في حين سأتحول إذا اتبعت
هواي بعد قليل إلى زوجة بائسة أكافح لتدبير مصروف البيت والأولاد وسيتبخر الحب
سريعا تحت وطأة المشاكل والمعاناة .. ولم أقتنع بكل ذلك وطلبت من فتاي أن يعيد
المحاولة فجاء بعد تردد وكبت مشاعره وتحمل جفاء أبي معه .. وأبلغه أنه سيعرض البيت
الذي ورثه للبيع وستساعده شقيقته بجزء من نصيبها فيه على إتمام الزواج، لكن أبي
استهزأ بالفكرة وأكد له استحالة أن يجد مشتريا لبيت قديم لا يدر سوى جنيهات
معدودة .. وحتى لو وجده فإن نصيبه من ثمنه لن يكفي لتكاليف الزواج وإيجاد شقة أخرى
لائقة الخ ... وودعه بنفس الإشارة الجارحة لضرورة أن يعرف قدر نفسه !
وبعد شهور من محاولات إقناع أبي وأهلي دون جدوى عرضت على فتاي أن أذهب إليه في
شقته بالبيت القديم وأن يستدعي المأذون لعقد قراننا بحضور أهله .. وارجع إلى
بيتي وأسرتي إلى أن يسلم أبي بالأمر الواقع , لكن زميلي رفض ذلك بإصرار وقال لي
إنه إذا كان فقيرا فإنه أيضا ابن أناس طيبين ولا يقبل لي أن أتزوج رغما عن إرادة
أبي أو أن ألوي ذراعه على هذا النحو.. واختتم حديثه بأنه سيقطع علاقته بي من هذه
اللحظة لكي يعينني على تقبل الأمر الواقع .. والارتباط بمن يليق بي .
ونفذ
كلمته بالفعل واختفى من حياتي نهائيا، كأنما قد هاجر من المدينة .. وفشلت كل
محاولاتي للاتصال به أو رؤيته مرة ثانية ، واستسلمت لضغط أسرتي وتزوجت العريس
الذي تتوافر فيه كل المواصفات .. ومضى عامي الأول في الزواج فلم أجد الجنة التي
وعدني بها أبي ولا الترف الذي أراده لي، بل لاحظت منذ البداية أنه وبالرغم من
ثراء زوجي وامتلاكه للأرض الزراعية والعقارات ودخله الكبير من عمله، فإنه بخيل
للغاية ولا ينفق قرشا إلا لضرورة قصوى .. وقد بدأ حياته معي بمحاضرة عن أهمية
الادخار وتوفير المال لكي يشتري أرضا مجاورة لأرضه ويحلم بامتلاكها منذ الصغر، ووجدتني أعيش معه في مستوى لا يختلف إن لم يقل عن المستوى الذي كنت سأحيا فيه مع
فتي القلب الحسير.
وشكوت لأبي من
بخله المعيب فهون علي الأمر وأكد لي أنه سيتغير بعد الإنجاب .. وبدأ يعطيني
مصروفي الشهري الذي كنت أحصل عليه وأنا فتاة، وأنجبت طفلي الأول في مستشفى حكومي
لأن زوجي الثري استهول تكاليف الولادة في مستشفى خاص ورفض بعد الولادة أن يدفع
تكاليف المتابعة الشهرية للمولود لدى طبيب الأطفال وهي لا تزيد عن ستين جنيها كل
شهر ودفعها أبي .. وبدلا من أن يتغير إلى الأفضل ازداد بخلا وتقتيرا، فلا
هدايا ولا نزهات ولا أسفار ولا ملابس جديدة لي أو للمولود ولا مليم زيادة لأي
نفقات طارئة سوى مصروف البيت الذي لا يكفي لشراء الطعام وحده وكلما شكوت لأبي شعر
بالخجل وحاول تعويضي بشراء الملابس والأحذية التي يرفض زوجي شراءها..
ونصحتني أمي بإنجاب طفل آخر لكي يصبح شقيقا لابني، فإذا بزوجي يرفض خوفا من
زيادة النفقات .. وشعرت بطعنة غادرة في كرامتي وقلبي .. وحين اكتشف حملي الثاني
ثار ثورة عارمة وهدد بأنه لن ينفق على رعايتي خلال الحمل ولا على ولادتي !
وصارحت أبي بما حدث وطلبت منه أن يساعدني في الحصول على الطلاق من الزوج الذي
أجبرني عليه .. فدمعت عيناه من التأثر وطالبني بالصبر ووضعت طفلتي الجميلة وتحمل
أبي كل التكاليف..
ومضت السنوات وزوجي يزداد ثراء .. ويزداد بخلا وتقتيرا، حتى أنه رفض إلحاق
الطفلين بمدرسة خاصة راقية بسبب التكاليف .. ولم يشعر بأي خجل حين أصررت على
إلحاقهما بها على أن يدفع أبي نفقاتهما والرسوم المدرسية لهما. وكلما اشتد بي
الكرب استعدت صورة فتى القلب القديم في مخيلتي وقارنت بين عفة نفسه واعتزازه
بكرامته، وبين تفريط زوجي مقابل إعفائه من دفع أي تكاليف ينبغي له دفعها.
وبعد 15عاما من الزواج كنت قد تحولت إلى إنسان آلي يتحرك في البيت بلا مشاعر..
أتعامل مع زوج لا أحبه .. ولا أكرهه بالرغم من كل ما فعل بي .. وأجد راحتي في
استرجاع أيام الحب والكرامة مع فتى القلب في ذاكرتي .
وبسبب بعض العثرات التجارية ارتبكت أحوال أبي المادية.. وازدادت وطأة أقساط ديون
البنك عليه حتى اعتذر لي آسفا عن عدم قدرته على الاستمرار في مساعدتي إلى أن ينهض
من كبوته، وعانيت من شظف العيش الحقيقي مع زوجي وبدأت أفقد أعصابي معه وأطالبه
بالإنفاق على بيته وأسرته بما يتفق مع ثرائه ودخله فبدأت الخلافات العاصفة بيننا
وبدأ يتطاول علي لأول مرة ويعيرني بتعثر أحوال أبي المادية ناسيا أن إنفاقه على بيتي وأولادي ودفعه لرسومهما المدرسية الباهظة كانا من أسباب هذا التعثر!
وتشاجر معي ذات يوم حين جاءته فاتورة التليفون بمائتي جنيه ! وهددني بقطع
الحرارة عن
التليفون وكان الكيل قد طفح بي فتبادلت معه الشجار وسبني وسب أبي وأمي فهجرت بيتي
عائدة إلى أسرتي وأنا مصممة على طلب الطلاق .. ورفضت العودة إليه وجاء يسترضيني
ليعيدني إلى بيته حاملا معه أول هدية يشتريها لي من ماله الخاص بعد 15 عاما من
الزواج ولم تكن سوى خاتم ذهبي ثمنه 170 جنيها .. فرفضت الهدية ورفضت العودة
وطالبت أبي بأن يحررني من أسره الذي كبلني به.
لكن أبي تردد وسعى للإصلاح بيننا وعرفت خلال ذلك أن زوجي يعرض على أبي إقراضه
مبلغا كافيا لإخراجه من عثرته مقابل شيكات شهرية وبفائدة كفائدة البنك ويعتبر ذلك
تنازلا كبيرا منه !
وشعرت بحيرة أبي بين قبول العرض وبين رغبتي في الانفصال عن زوجي فقررت العودة
لزوجي لكي أساعد أبي على اجتياز ظروفه .. ورجعت بالفعل ـ فإذا بي أعرف أن زوجي قد
تراجع عن فكرة إقراض أبي وطالبه بتأجيل ذلك لمدة عام بحجة عدم توافر السيولة المادية
لديه.. فأصبحت لا أطيق رؤية وجهه أو سماع صوته .. وأشعر بالغثيان كلما اقترب
مني، ولم أطق الحياة معه أكثر من ذلك.. وعدت إلى بيت أسرتي وطلبت الطلاق
وفوجئت بزوجي العزيز لا يتحدث عن مستقبل الطفلين وإنما عن حقوقي الشرعية ويطلب
تنازلي عنها كشرط للطلاق وعن نفقة الطفلين طوال الحياة مقابل تركهما لي .. ولم
أتردد في الموافقة .. وفي هذه الأثناء نصح البعض أبي بالاقتراض من فرع جديد لأحد
البنوك لأن مديره متعاون ويتفهم ظروف التجارة وذهب لمقابلته فاستقبله رجل في
الأربعين من عمره سمح الطبع والوجه.. وتعامل معه بأدب واحترام ووعده بدراسة
مطلبه وتقديم كل المساعدة الممكنة له، وخلال أقل من شهر كان الرجل قد وفى بوعده
وانهى كل الإجراءات اللازمة وقدم لأبي تسهيلات كبيرة، وبعد توقيع العقد فوجئ
بهذا المدير يقول له في خجل: ألا تعرفني يا فلان بك ؟ فأجابه أبي بالنفي فإذا به
يقول له أنه ذلك الشاب الذي
تقدم لابنتك قبل 17 عاما مرتين ولم تسمح ظروفه وقتها بقبول طلبه !
وارتبك أبي .. وتذكر كل شيء وشعر بالخجل لكن الرجل لم يعطه الفرصة للاستحياء وروى
له أنه يلتمس له العذر في رفضه السابق له لأن ظروفه المادية كانت سيئة للغاية ..
ويؤكد له أنه لا يشعر تجاهه بأي ضغينة لأنه مؤمن تماما بأن كل شيء نصيب .. وكل ما
يرجوه هو أن تكون الآنسة المهذبة ابنته قد ارتبطت بمن يستحقها وسعدت بحياتها معه
!
وعرفت من أمي كل ما جرى .. وعرفت منها أيضا أن أبي قد صارحها بالندم على إحراج
هذا الشاب ورفضه وإرغامي على الزواج من زوجي السابق الذي لم أر من ثرائه شيئا..
وعرفت من أمي أيضا أن فتاي السابق قد رجع إلى المدينة منذ شهور بعد ترمله ووفاة
زوجته التي افترسها المرض وأنه يعيش في سكن خاص بمدير البنك فوق الفرع الجديد مع
طفليه ويستعين بسيدة عجوز على رعايتهما .. وأنه قد عمل 11 عاما في فرع لهذا
البنك في دولة عربية ورجع منه مديرا لفرع مدينتنا الجديد.
ولن تتخيل ماذا صنعت بي هذه المعلومات حين عرفتها .. فلقد بعثت الأمل القديم في
قلبي، وارتجفت بشدة حين تساءلت أمي كالمتعجبة ! أليس من المحتمل أن يكون الله
سبحانه وتعالى قد هدى أباك للذهاب لهذا البنك ليلتقي بهذا الشاب.. ويتجدد اللقاء
بينكما بعد 17 عاما ؟
فما أن سمعت منها هذه العبارة حتى انخرطت في بكاء مرير يعبر عن كل ما في قلبي من
أحزان وأشواق وآمال .. وإذا بي بعد أن أتمالك نفسي أرفض نصيحة أمي لي بافتعال سبب
يدعوني للذهاب إلى البنك ومقابلة مديره بالصدفة لكي أجدد صلتي به ويعرف ظروفي
الجديدة .. ووجدت في نفسي جرأة غريبة على أن أقول لأمي إنني لن أفعل ذلك .. وإن
من حقي على أبي الذي كان اختياره لي خاطئا وسببا في تعاستي أن يصحح هذا الخطأ
ويذهب لفتاي القديم ويعرضني عليه دون خجل فإذا رفضني فلا لوم عليه وقد سبق لأبي أن
رفضه وإذا قبلني فلقد حقق الله لي السعادة بعد طول الانتظار وتمسكت بهذا الرأي
.. واستجاب لي أبي وهو يقول إنه سيريح ضميره من ناحيتي بأن يفعل ذلك.. وذهب
لمقابلة مدير البنك.. وبعد حديث قصير معه فاتحه بما جاء إليه من أجله .. وقال
له إنه يترك له الوقت الكافي للتفكير فيما يعرضه عليه ثم نهض لينصرف ففوجئ بالرجل يقول
له : انتظر يا فلان بك.. ما هو الوقت المناسب لزيارتكم في البيت ؟
وجاء فتاي القديم لزيارتنا في مساء نفس اليوم فما أن وقعت عليه عيناي حتى حييته
بالدمع السخين .. ورأيته أكثر شبابا ووسامة ورجولة وفتوة مما كان عليه قبل 17
عاما.. وكانت ليلة سعيدة لكل أفراد أسرتي الذين تقاطروا ليشهدوا فتى القلب
القديم وقد جاء ليجدد طلبه بالارتباط بي بعد 17 عاما من رفضه وبعد أن أنجب طفلين
وأنجبت مثلهما وهم سعداء ويتعجبون مما تفعله بنا الأيام .
وبعد ثلاثة شهور من هذه الزيارة تزوجنا في احتفال عائلي صغير وقال لي الجميع إن
دماء العافية قد سرت في وجهي واستعدت جمالي السابق .
ونحن الآن نعيش معا كأسرة يرفرف الحب عليها وتضم4 4أبناء , وقد عرفت الآن فقط
معنى السعادة وحرارة العواطف .. والحياة المريحة بمعني الكلمة إذ شتان ما بين
كرم زوجي وأريحتيه بالرغم من أنه لا يملك سوى مرتبه وبعض المدخرات القليلة وبين
تقتير والد الطفلين بالرغم من ثرائه .. وشتان ما بين بهجة الحياة مع من أحبه
ويحبني وبين جفافها وفتورها وجفائها في الحياة السابقة.
ولقد تزوج زوجي السابق من ابنة خولي أرضه
الزراعية وهي فتاة صغيرة تعرف القراءة والكتابة وتقيم في العزبة وأرجو أن يسعد
معها كما أرجو أن يسعد كل إنسان بحياته
.
ولقد احتفلنا منذ ثلاثة أسابيع بعيد زواجنا الأول وعاهدت نفسي أن أروي لك قصتنا
لكي يعرف الجميع أن السعادة لا تقاس بالإمكانات المادية وحدها .. وإنما بالحب
والوفاق وائتلاف الأرواح.. وبالتعاون بين الزوجين على إنجاح الحياة الزوجية وحسن
المعاشرة.
ولقد استراح ضمير أبي من ناحيتي أخيرا وأصبح لا ينظر إلي آسفا وحزينا كما كان يفعل
من قبل، كما تحسنت أحواله التجارية كثيرا وانتظم في سداد أقساط البنك وعلى وشك
الانتهاء من سداده كله خلال شهور وهو يقول لي دائما إنه مدين لزوجي بإنقاذه من
الانهيار والإفلاس .. ويلوم نفسه كثيرا على رفضه له وإساءة معاملته من قبل .
أما زوجي فهو سعيد
بي وبحياتنا معا وبأولادنا الأربعة ويقول لي إنني تعويض الحياة له عن أحزانه
السابقة ويتمه ووحدته ويتم طفليه والحمد لله حمدا كثيرا طيبا وأرجو أن تكتب لكل
الآباء والأمهات ألا يجروا وراء المال وحده، وألا يتسرعوا في رفض شبان صالحين
لمجرد ضعف إمكاناتهم في البداية.
أما أنا وزوجي فمازلنا نتبادل النظرات الطويلة كلما رأى احدنا الآخر.. حتى
الآن.. ونتفاهم بالنظرة قبل الكلام .. ومازالت الحرارة تسري في جسدي كلما أمسك
يدي ! والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ولكاتبة هذه الرسالة أقول :
لهذا فقد وجد
والدك ـ الذي أشفق عليك من مكابدة جفاف الحياة إذا تزوجت فتاك القديم نفسه ـ مضطرا
للإنفاق عليك وأنت زوجة لرجل ثري لكي يعوض نقصه ويلبي احتياجاتك واحتياجات طفليك
الأساسية.
فأي مفارقة بين
رغد العيش الذي أراده لك والدك مع زوجك الأول فتكشف لك عن حرمان.. ومعاناة..
واحتياج دائم إلى والدك , وبين جفاف الحياة الذي أشفق عليك منه مع فتاك القديم
فتكشف لك الآن عن عيش كريم وحياة مطمئنة وسماحة في النفس والطبع .. ناهيك عن
سعادة القلب وسكونه إلى من يحب..
ولا يكون غريبا إذا استعدنا في هذا المجال هدي الرسول الكريم صلوات الله وسلامه
عليه حين أمرنا أن نرحب بمن نرضي دينه وخلقه فان لم نفعل ذلك تكن فتنة في الأرض
وفساد كبير؟
أم هل نتذكر في هذا الشأن أيضا ما روي عن الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه
حين قيل له : أي مال نتخذ يا رسول الله؟
فقال: لسانا ذاكرا وقلبا خاشعا وزوجة تعين أحدكم على دينه.
واستطرادا للمعنى يمكن أن يقال كذلك وزوجا يعين إحداكن علي دينها.
وأن نتذكر الحكمة القديمة التي تقول انه بالمثابرة والصبر يصبح ورق التوت
حريرا.. وأننا لابد أن نقبل بصعوبات البداية لكي نصل في النهاية إلى شاطئ
الأمان !
أما المفارقة الكبرى حقا فهي أن ذلك الشاب المكافح الذي جرحت كرامته وحرم من تحقيق
حلمه في السعادة وهو في بواكير الشباب لغير سبب سوى بساطة حاله.. هو نفسه الرجل
الذي اختارته الأقدار لكي يقيل والدك الثري من عثرته التجارية ويعينه على أمره
وينقذه من الانهيار والإفلاس. في حين تخلى عنه الآخر الذي لم يرجح كفته لديه سوى
ثرائه وماله وقدرته.. ولقد كان يستطيع نجدته بالفعل بغير أن يخسر شيئا وقد قبل
على نفسه أن يحصل من صهره على فائدة لما يفرضه له من مال.. لكن متى كانت الشهامة
خلقا لمن عرف بالبخل المعيب والتقتير الشديد على النفس وعلي من يعول حتى ليرفض
تحمل نفقات المتابعة الصحية لطفله الوليد.. أو تحمل رسوم مدارس فلذات أكباده؟
أما آخر ما قد تفكرت فيه وأنا أقرأ رسالتك هذه فهو آن بعض البشر قد تترفق بهم
أقدارهم فتأذن لهم ببلوغ شاطئ السعادة بعد أن تكون سفينة الحياة قد جنحت بهم لفترة
من الزمن بعيدا عنه.. فإن كان ثمة ما يقال لك في ذلك, فهو أن الحياة قد صححت
أخطاءها بالنسبة لك.. فعقبى للصابرين والمنتظرين, وأنه من حسن الطالع أن تخبطك
في بحر الشقاء لم يطل أكثر من ذلك, وأنك قد رسوت في النهاية في المرفأ الصحيح
بالنسبة لك منذ البداية وأنت مازلت في سن الشباب وقادرة على الاستمتاع بالحياة وفي
العمر بقية بإذن الله لبلوغ الأهداف وتحقيق الآمال.
أما والدك فلقد أراد لك السعادة في البداية وفي النهاية.. لكنه اخطأ التقدير في
رفضه لفتاك القديم وإغلاقه لباب الأمل في وجهه بصراحة, غير أن بعض عذره في ذلك أنه قد رغب في ضمان الحياة الكريمة لك وأنه
قد اعتمد في ذلك على اعتبار الثراء وحده طريقا ميسورا للكرامة والأمان. كما اخطأ
التقدير أيضا في قبوله لزوجك السابق دون أن يستقصى جيدا كل طباعه وأحواله خاصة وأن
آفة التقتير الشديد لا يمكن التخفي بها عن الآخرين ولابد غالبا من ذيوعها عمن مبتلى
بها.
لكنه يحسب لوالدك على الناحية الأخرى عطفه الكبير عليك وحبه لك وهمه بأمرك..
وقبوله لأن يعوض سوء اختياره لك بالذهاب إلى زوجك الحالي وعرضك عليه دون حرج وبغير
أن يجد في ذلك ما يمس كرامته أو ينتقص من قدره.. ولاشك في أنه ليس هناك بالفعل
ما ينتقص من قدره كأب حريص على سعادة ابنته فيما فعل.. فقديما قد عرض العادل
العظيم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ابنته حفصة على أبي بكر وعثمان فلم يرحبا
بها.. وروي ما فعل للرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه متألما.. فواسى صاحبه
وبشره برغبته فيها وتزوجها.
وشكرا لك علي رسالتك الجميلة.
رابط رسالة دموع الزفاف تعقيبا على هذه الرسالة
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي
برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر