أريد حلاً .. رسالة من بريد الجمعة عام 1984

 أريد حلاً .. رسالة من بريد الجمعة عام 1984

أريد حلاً .. رسالة من بريد الجمعة عام 1984

تلقيت في بريدي هذا الأسبوع هذه الرسالة الغريبة :

أرجو ألا تفقد صبرك وأنت تقرأ رسالتي هذه فإن ما أشعر به جاثم فوق صدري يدفعني دفعاّ لأن أطيل الحديث معك, هذا أو الجنون فاسمعني أرجوك لأني أريد حلاّ, هل تذكر هذا الفيلم الذي يحكي قصة زوجة معذبة تريد الطلاق من زوجها وتلطعت في المحاكم للحصول عليه بلا فائدة, إني أريد حلاّ مثلها تماما مع اختلاف بسيط هو أني الرجل لا المرأة وهذه هي المشكلة:

فأنا يا سيدي محاسب عمري الآن 43 سنة وأحصل علي راتب قدره 200 جنية, وقد وصلت إليه بعد رحلة كفاح طويلة فقد بدأت حياتي العملية موظفا بمؤهل ثانوي صناعي وكنت طموحا فذاكرت للحصول علي الثانوية العامة. وبدأت من السنة الأولي الثانوية وذاكرت لمدة ثلاث سنوات حتى حصلت علي شهادة إتمام الدراسة الثانوية بمجموع بسيط, فالتحقت بمعهد لإعداد الفنيين التجاريين أملا في الحصول علي تقدير جيد جدا في أول سنة فيصبح من حقي التحويل إلى كلية التجارة, لكني لم أستطع الحصول إلا علي تقدير جيد فقط, ولم أيأس رغم ذلك وإنما قمت بإعادة الثانوية العامة وبذلت جهدا مضاعفا ووفقني الله في الحصول عليها بمجموع يؤهلني للالتحاق بكلية التجارة فالتحقت بها واطمأننت إلى أني قد وضعت قدمي علي بداية الطريق إلي تحقيق طموحي ومرت السنوات الأربع بعد ذلك سريعة, وحصلت علي بكالوريوس التجارة بسهولة, وكافحت في عملي حتى انتقلت منه إلى عمل يلائم تخصصي ومؤهلي الجامعي وأصبحت محاسبا كفءّ في عملي والحمد لله.

وخلال هذه الرحلة الشاقة كنت في حاجة لرفيق لكفاحي فتزوجت وعمري 34 سنة, من مدرسة ابتدائي عقب حصولي علي دبلوم إعداد الفنيين, وعشت معها بإخلاص وتفان وصدق في كل شئ عشنا معا في الحلوة والمرة وتقاسمنا لقمة العيش بحب وإخلاص وكانت تقول لي: أنت أبي وأخي وكل شئ في حياتي وسأعوضك عن تضحياتك من أجلي, وكانت تضحياتي التي تقصدها تضحيات تافهة في نظري فقد أجهضت مرتين فكنت أرعاها خلال مرضها بكل إخلاص وأهون عليها حزنها لضياع الحمل وأقول لها حين يشاء الله سوف نرزق بالولد فلا داعي للحزن والاعتراض علي مشيئة الله, ثم نجح حملها في المرة الثالثة وأنجبت ابنتنا الوحيدة ولا أعرف ماذا حدث لها بعد الإنجاب "تغيرت الزوجة الطيبة وأصبحت زوجة متسلطة آمرة تريد أن تفرض عليّ إرادتها في كل شئ ولم تعد الزوجة الراضية المشجعة لي, كانت أزماتنا الصغيرة تمضي بسلام وتنتهي عادة بتنازلي عن موقفي إرضاء لها, وإكراما لعيون وليدنا الصغير ثم بعد الإنجاب بشهور ذهبت زوجتي إلى بيت أسرتها لحضور زفاف شقيقها الأصغر, وذهبت معها لحضور الفرح, وفي نهايته طلبت من زوجتي أن ننصرف للعودة إلي بيتنا فقالت لي أمها دعها تبت معي الليلة وستلحق بك غدا, فوافقت بسرور وعدت إلي بيتي أما هي فلم تلحق بي في اليوم التالي ولم تعد إلي بيتها منذ ذلك الحين منذ 6 سنوات هل تصدق؟...

ذهبت إلي بيت أسرتها لأسأل عنها فقيل لي كلام كثير وشروط كثيرة مؤداها ألا أصبح رجلا في بيتي, وألا تكون لي فيه كلمة .. هذا أو تبقي في بيت أمها التي تعيش وحدها فتتحمل هي نفقات البيت ويخف العبء عن الأبناء المتزوجين وتقوم حماتي بتربيه ابني بعيداّ عني.

فعلت المستحيل لمدة 9 شهور لأعيدها إلي بيتها بلا فائدة فلجأت مضطرا إلي القضاء وأنذرت زوجتي بالطاعة فاعترضت علي ذلك بأسباب وهمية من اختراع وترتيب أشقاء شياطين من خريجي كلية الحقوق, وكنت أقف أمامهم في ساحات القضاء والحق معي أترافع ضد ألاعيبهم فنصرني الله عليهم ورفض القضاء اعتراضهم في الدرجتين الأولي والثانية ولم تنفذ زوجتي حكم الطاعة فحصلت علي حكم بإسقاط نفقتها لنشوزها .. كنت حتى ذلك الحين قد أمضيت 6 سنوات في التلطم أمام المحاكم, أقامت زوجتي بمساعدة الشياطين 15 دعوي قضائية ضدي للاعتراض علي الطاعة خسرتها جميعا. كل ذلك يا سيدي بلا سبب من ناحيتي, وفي كل مرحلة من هذه المراحل أعرض الصلح والعودة فأقابل بالجحود والعناد, وكل ذلك وابني الوحيد يعيش يتيماّ محروما من أبيه بلا سبب ولا أستطيع أن أراه رغم حصولي علي حكم رؤية لأن زوجتي ترفض تنفيذ هذا الحكم أيضا.

وكل ذلك وأنا أعيش منذ 6 سنوات أعزب رغم زواجي علي الورق, ولا أستطيع أن أطلقها لأتزوج غيرها تسألني لماذا؟ إنني أعرف ما يدور في ذهنك وقرأت تعليقاتك علي حالات مشابهة تقول للزوج المعذب فيها إن الدنيا كلها لا تساوي هذا العذاب فأترك العمل الذي يجمعك بزوجتك السابقة أو أترك الزوجة الناشز وأبدأ حياة جديدة وأنا أحترم آراءك إنك تصدر فيها عن حب لقرائك وعن تقدير لعذابهم.

ولكن يا صديقي العزيز سأبوح لك بسر قد لا يعرفه كثيرون وبالذات لا يعرفه العباقرة الذين صاغوا قانون "الأهوال" الشخصية الجديد وأدعوهم لأن يعرفوه لكن يعرفوا ماذا جنت أيديهم نفاقا للبعض.

إنني أكافح منذ 6 سنوات لاسترداد زوجتي وابنتي بلا فائدة ورغم ذلك لا أستطيع طلاقها لكي أبدأ حياة جديدة مع غيرها لأن طلاقي لها معناه حصولها علي شقتي التي لا أملك من حطام الدنيا غيرها والتي لا مأوي لي غيرها, ولا أمل في أي مأوي غيرها, وشقتي ثمنها الآن 30 ألف جنية وهو كل ما تريده زوجتي من وراء هذا العذاب وهذا المرار الذي أتجرعه كل يوم.

فقل لي بربك أو أسأل لي عباقرة الزمان الذين تبنوا هذا القانون كيف أطلقها وأتنازل لها عن الشقة التي لا أملك غيرها, ثم أجد نفسي مشردا بلا مأوى, أو كيف أطلقها وأقبل وجودها معي في الشقة بلا زواج ثم كيف أتزوج وأقيم مع مطلقتي في نفس الشقة وأين هي الزوجة التي تقبل هذا الوضع؟ إنني أتقدم لفتيات كثيرات كشاب متدين يرفض الدنية في دينه ويرغب في الحياة السوية ولا يريد أن يغضب ربه, فما إن يعرفن أنني زوج لناشز ولي منها ابن حتى يسرعن بالفرار فكيف يكون لو طلقت زوجتي وأصبحت بلا شقة.

فمن تقبل الزواج مني في هذه الحالة؟ إنني أريد حلا.. فهل أجده لديك؟

 

ولكاتب هذه الرسالة أقول:

لا يا صديقي ليس لديّ الحل الذي تنشده ولا أظن أن أحدا لديه مثل هذا الحل, لكني أنشر رسالتك هذه لألقي الضوء علي هذه المشكلة الاجتماعية الجديدة وليطلع المختصون عن هذه الآثار التي لم تكن فيما أتصور واضحة أمام من صاغوا هذا القانون وأدعو مشرعينا وأهل الاجتهاد منا ليبحثوا لأمثال هذا الزوج المعلق في الهواء عن حل عادل لمشكلته ومشاكل أمثاله العديدين, ولا أظن أن ما أقدمه لك في هذا المجال كثير فهذا هو أضعف الإيمان ولست من أهل الفتوى لأفيدك برأي يريحك في مشكلتك, والرأي الذي أراه لن تقدر علي تنفيذه فهو أن تترك كل شئ وتبيع كل شئ من أجل سعادتك وحياتك وهو أن تتحرر من كل قيود الماضي, وتبدأ من جديد وأنت رجل صلب بدأت من الصفر وكافحت كفاح الأبطال لتبني حياتك العملية ومثلك لن يعجز إذا حطم القيود عن يديه عن أن يفعل المستحيل ليبدأ حياة جديدة مع زوجة مناسبة في العمر وفي الظروف الاجتماعية وقد تكون مشكلة السكن لديها ميسرة, فما أراه من حال زوجتك يقطع بأنه لا أمل فلا تنطح الصخر, وأنت علي أية حال معذور في تمسكك بهذا الوضع الغريب وهي لو كانت راغبة في التخلص من حياتها معك فقط ففي إمكانها ببساطة التنازل عن المسكن مقابل الطلاق خصوصاّ وأنها تعيش مع أمها الوحيدة, لكنها لا تريد ذلك فيما يبدو والقانون معها. وكلاكما ضحية لقصور قانون يعطي حق حل مثل هذه المشكلة للأثرياء فقط, ولأصحاب الشقق البديلة, أما غير القادرين من أمثالك فإنه يجبرهم علي تجرع العذاب بلا أمل في الحل, لأن من صاغوا القانون زفوه إلينا علي أنغام موسيقي الجاز, نسوا فيما نسوه معالجة مثل هذه الآثار إني أقرأ في بريدي العجب عما يحدث نتيجة لمثل هذه الأوضاع وما خفي كان أعظم:

فلعل من صاغوا هذا القانون يعجلون بمعالجة آثاره قبل فوات الأوان, ليقدموا لك ولأمثالك الحل العادل لمشاكلهم وآلامهم.

 

·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1984

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي 

 

 


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات