بطاقة زيارة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1984
أكثر ما يؤلم
النفس أن يحاسب المرء على شئ لم تجنه يداه .. ولم يختره لنفسه بإرادته .. تذكرت
هذه الحقيقة وأنا أقرأ رسالة هذا الشاب لقد كتب إليً يقول :
ترددت كثيرا قبل
أن أكتب إليك لكني لم أجد في النهاية وسيلة أزيح بها عن صدري همومي سوى أن أكتب
إليك, لعلي أجد عندك جوابا عن سؤال يحيرني.. أما السؤال فسوف أوجهه إليك في نهاية
رسالتي, وأما قصتي فقد بدأت وأنا في سن العاشرة حين داهمني مرض لعين هو الحمى
الشوكية, فصارعني وصارعته ثم نجوت منه لكنه ترك لدي بطاقة زيارة دائمة رافقتني بعد
ذلك طوال حياتي هي ضعف السمع.
وشكرت الله كثيرا
لنجاتي من هذا المرض, ورضيت بقضائه, ولم تضعف معنوياتي بسبب آثار هذا الزائر
اللعين, وكرست حياتي للدراسة وبذلت جهودا مضنية لأعوض نقصي في الدراسة.. ووفقني
الله في إنهاء دراستي والحصول على بكالوريوس التجارة بتقدير جيد مرتفع, ولا تتخيل
فرحتي أو فرحة أسرتي بنجاحي.. فلقد أثبت لنفسي أني لا أختلف عن الآخرين.. وأقبلت
على الحياة بتفاؤل وأمل لكني لم ألبث أن ووجهت بما تصورت أني قد اجتزت حاجزه.
فقد بدأت أطالع إعلانات الوظائف في الصحف وأتقدم
للشركات التي تطلب خريجي التجارة.. أقدم أوراقي للممتحنين فألاحظ ارتياحهم لدرجاتي
في البكالوريوس ولتقديري, ثم أجدهم يتوقفون دائما أمام ورقة لعينة من بين أوراقي
تفيد أني حاصل على إعفاء من التجنيد, فيسألني الممتحن ببراءة لماذا حصلت على إعفاء
من التجنيد؟.. فأجيب الإجابة الصادقة لأني مرضت بالحمى الشوكية في طفولتي فتركت
آثارا في سمعي أعاني بسببها من ضعف بسيط في السمع.. أعالجه بسماعه طبية دقيقة لا
تكاد ترى .. وها أنذا أتحدث إليك وأسمعك وأجيب عن أسئلتك, فألاحظ على الفور تغير
ملامح أعضاء لجنة الامتحان.. إن بعض الناس لا يعرفون كيف يخفون مشاعرهم فتنطبع على
الفور علي وجوههم وتنعكس على نظراتهم.. أصبحت أحفظ هذه النظرات جيدا.. إنها مزيج
مؤلم من الإشفاق والتعجب لتقدمي لهذه الوظيفة, ثم يكون الجواب التقليدي.. سنكتب لك
على عنوانك ثم لا يكتب إليً أحد.
واجهت هذا الموقف مرات عديدة, وحفظت كل مشاهده
من مشهد البداية حتى مشهد النهاية.. ولن تصدقني إذا قلت لك إني في الاختبار الخامس
أو السادس لا أذكر على وجه التحديد حين ووجهت بنفس السؤال المعتاد نهضت واقفا ثم
أجبته قائلا.. لأن هذه هي إرادة الله يا سيدي.. من فضلك أعد إلي أوراقي ولا تكلف
نفسك عناء الوعد بالكتابة إليً, لأنك لن تكتب إليً, ثم انصرفت حاملاَ أوراقي مشيعا
بنظرات الدهشة والاستغراب, إنني لا أكتب لك لأطلب عملا.. فأنا الآن أعمل عاملا
بمترو الأنفاق أؤدي عملا عضليا مرهقا, لا يمت بصلة لدراستي. معظم زملائي فيه من
غير حملة الشهادات وأكثرهم يحملون شهادات محو الأمية.. لكنهم شباب مكافحون طيبون
يحرصون على مشاعري "بذوق" أولاد البلد الفطري.. الذي يملي عليهم مثلا
عدم الإشارة أبدا في أحاديثهم معي إلى سماعتي الطبية أو إلى ضعف سمعي.. لكني أكتب
إليك لأسألك هل كنت مخطئا حين أصررت على مواصلة تعليمي الجامعي وحين أصررت على
النجاح والتفوق رغم مشكلتي؟.
ولكاتب هذه الرسالة أقول:
وجوابي عن سؤاله
المؤلم في كلمات مختصرة هو, لا يا صديقي لم تخطئ ولم ترتكب إثما بمواصلة دراستك,
فلقد أديت واجبك تجاه نفسك وغالبت ظروفا أقوى منك فكافأك الله بالنجاح والتفوق,
لكن المجتمع هو الذي لم يؤد واجبه تجاهك بعد.. وهو الذي أخطأ في حقك.. ولم تخطئ
أنت في حقه, والمجتمع في النهاية هو البشر الذين نعيش معهم وبينهم, ومصيبة بعض
مسئولي الشركات عندنا أنهم يتعاملون مع طلاب الوظائف بصفة عامة بمنطق الحسابات
الصارمة التي لا تدع مجالا للاعتبارات الإنسانية, وقد تعلمنا هذه الإشتراطات
الصارمة بكل أسف من الشركات الأوروبية والأمريكية, لكننا لم نتعلم منها أيضا أن
هذه الشركات تخصص بعض مواردها لخدمة المجتمع الذي تعمل فيه, ولبعض الأنشطة غير
التجارية التي تخدم المجتمع.. ولم نتعلم منها أنها تعين في هذه الأنشطة الفرعية
بعض أصحاب الحالات المشابهة لحالتك للاستفادة بقدراتهم وهي قدرات طبيعية بكل
المقاييس.
إنني لا أريد أن
أطيل في هذا الموضوع فلقد كتبت فيه مرارا وأثبتت تجربتي معه أكثر من مرة أن في
بلادنا رجالا أفاضل عديدين يقدمون الاعتبارات الإنسانية والاجتماعية على الشروط
الجامدة للتعيين في الوظائف, فاتصل بي يا صديقي فلعل الله يهيئ لي ولك من هذه
الأزمة فرجا.. والله المستعان على ما يصفون!
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر