الوجه الحزين .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2000
وقر المسئولية كثيرا مايخلق الانسان خلقا
جديدا.. لأنها كالنار التي تصهر المعدن فتخلصه من شوائبه.. وتجلو جوهره الأصيل.
عبد الوهاب مطاوع
أبدأ رسالتي إليك بتحية
الصديق لصديقه ذلك أنني أعتبر نفسي صديقًا لك بالرغم من أني لم ألتق بك من قبل ولم
تتعد علاقتي بك سوى متابعتي لبابك الجميل منذ سنوات عديدة, فكم شعرت في مواقف
سابقة بالرغبة في الكتابة إليك وكم عدلت عن ذلك في اللحظة الأخيرة.. إلى أن جاءت
اللحظة المناسبة ورأيت أن أكتب لك بتجربتي عسى أن يستفيد بها قراؤك خاصة من الشباب
.. ولأبدأ فأقول لك إنني شاب ابلغ من العمر 39 عاما, كنت أعيش في كنف أبي, وأمثل بالنسبة
له خيبة الأمل الكبرى في حياته رحمه الله, فلقد كنت أكبر أخوتي وهم ثلاث شقيقات
وأخ واحد, وكان أبي موظفا كبيرا بإحدى الهيئات العامة ورجلا طيبا وتقيا ويضع كل
آماله في وفي إخوتي, ويركز جهده الأكبر علي بالذات لإيمانه بأن الابن الأكبر إذا
حسنت تربيته واستقام أمره فإن إخوته الأصغر منه سوف يقتدون به ويمضون على طريقه..
ولهذا اشتد علي أبي بعض الشئ لكي أتفوق دراسيا وأصبح مثلا أعلى لإخوتي, كما اشتد
علي في تقويمي ومراقبتي ليضمن حسن سلوكي, فاستجبت لما طلبه مني في بعض الأحيان..
وسخطت عليه في أحيان أخرى, إلى أن بلغت مرحلة الثانوية العامة وبذل معي أبي كل ما
يملك من جهد لكي أتفوق وأحصل على مجموع يؤهلني للالتحاق بإحدى كليات القمة, لكني
خيبت أمله للأسف, وتمردت على القيود التي فرضها علي .. واختلست نقود الدروس
الخصوصية التي ائتمنني عليها لتسليمها للمدرس.. وأنفقتها في شراء السجائر والملابس
واللهو مع الأصدقاء, وانفضح أمري حين شكا له المدرس ذات يوم من إنقطاعي عن الدرس,
وواجهني أبي بما عرفه.. ولم يقل لي سوى إنه حزين لأن يكون هذا هو سلوكي وأنا الأخ
الأكبر لأخوتي الذي سيرعاهم من بعده.. فكيف يطمئن قلبه إلى مصيرهم والراعي المنتظر
فاسد علي هذا النحو!
وشعرت بالخجل من نفسي بعض
الوقت.. لكني لم أعدل عن سلوكي بالرغم من ذلك وأهدرت الوقت الثمين في العبث واللهو
وتدخين السجائر ومطاردة الفتيات .. وكانت النتيجة أن نجحت بمجموع ضعيف لم يؤهلني إلا
للالتحاق منتسبا بكلية نظرية .. واستسلم أبي للحزن وقتا طويلا واعتزلني لفترة لم
يوجه إلي خلالها حديثا ولا كلاما, وراح يردد أمامي كلما رآني: حسبي الله ونعم
الوكيل, وبدلا من أن أشعر بعمق أحزانه وخيبة أمله في..اعتبرت ذلك تعريضا بي..
وازددت سخطا وتمردا واستهتارا ورسبت في السنة الأولى بكليتي النظرية بالرغم من
تفرغي الكامل للدراسة, ولم يعد يؤثر في وجه أبي الحزين دموعه وهو يصلي ويحتسب
واستسلمت تماما لنداء السخط.. وأصبحت عبئا على أمي وأبي في مصاريفي, فأنا في حاجة
دائمة للنقود لشراء السجائر والسهر مع الأصدقاء ومطاردة الفتيات وتناول المحرمات
وشراء الملابس التي لا تحتملها ميزانية أبي, فإذا لم أجد مع أمي ما أريد ثرت
وهددت.. فتقترض لي وتعطيني وإن فشلت طلبت من إخوتي قروشهم القليلة بدعوى اقتراضها
منهم .. ثم لا أسددها بالطبع.
وعلى ذلك فقد استمروا في
الاستجابة لي وحرموا أنفسهم من معظم مصروفهم من أجلي طلبا للسلام معي وخوفا من
الفضائح, وفي عامي الجامعي الثاني سعي أبي في إيجاد عمل لي بالثانوية العامة
وألحقني بوظيفة مؤقتة في أحد فروع الهيئة التي يعمل بها .. قائلا لأمي إن كثيرين
من الطلبة المنتسبين يعملون دون أن يؤثر ذلك على تفوقهم.. ورحبت بالعمل لكي أجد
موردا إضافيا لي.. لكن سلوكي في العمل لم يكن أفضل منه في الدراسة.. فلقد واصلت
الاستهتار والغياب وافتعال الأعذار المرضية والتأخر عن موعد العمل في الصباح
بتأثير السهر إلى الفجر, حتى هددني رئيسي المباشر بالفصل أكثر من مرة وتعجب لبعد
الشقة بيني وبين أبي الرجل الطيب الملتزم الكفء في عمله, فكنت أواظب بعض الفترات
وأرجع للتمارض والادعاء في فترات أخرى, ولولا تقدير رئيسي لظروف أبي أو لمصيبته في
على حد تعبيره لما أبقاني في العمل يوما واحدا.
وعلى هذا الحال مضت بي
الأيام ونجحت في الصف الأول الجامعي من السنة الثانية ورسبت في الصف الثاني مرة
أخرى ونجحت في العام التالي, في حين واصل أخوتي دراستهم بنجاح.. وفي الصف الثالث
الجامعي رجع أبي من عمله مرهقا وحزينا كعادته في الفترة السابقة, فصلى العصر وصلى
ركعتين بعده..
ثم صعدت روحه إلى السماء
رحمه الله وهو جالس على السجادة يسبح ربه ويشكو إليه همه بأكبر أبنائه, وتزلزلت حياة الأسرة زلزالا عنيفا.. وتزلزل كياني كله وشعرت بأن سكينا حادة قد مزقت
أحشائي.. ووقفت في السرادق أتلقى العزاء في أبي وأنا غائب الذهن عن الجميع وصورة
وجهه الحزين تلاحقني.. وتقتلني بالندم والأسف والحزن.. وسط زحام المعزين كنت أسأل
نفسي وأنا أكاد أنفطر من الأسى: لماذا لم أسعد أيامه في السنوات الأخيرة؟ وماذا
جناه لكي يلقى مني السخط والتمرد وهو الرجل الطيب المكافح الذي كان يحرم نفسه
ليعطي أبناءه؟ ولماذا لم أعتذر له وأقبل يده وقدمه وأرجو صفحه وعفوه.. ولماذا ..
ولماذا.. ولماذا.. حتى كاد رأسي ينفجر .. وانتهت أيام العزاء وخلا البيت علي وعلى
أمي وإخوتي .. وسألتني أمي ماذا سنفعل في حملنا الثقيل ولم يعد لنا سوى معاش أبيك,
وقد انقطع رزقه من العمل الخارجي بعد الظهر؟ فانفجرت في البكاء طويلا وحين تمالكت
نفسي قلت لها إنني قد أحزنته كثيرا يرحمه الله.. وإن في عنقي دينا له واجب
السداد.. ولسوف أسدده برعايتك ورعاية إخوتي ولسوف أعمل ليل نهار لتوفير متطلباتكم
بعد أن انقضى عهد الاستهتار, وكل ما أرجوه هو أن يسامحني ويصفح عني وأن تسامحوني
جميعا وتصفحوا عني. وبكت أمي وكل إخوتي .. وتعاهدنا جميعا على أن نضع أيدينا في
أيدي بعضنا البعض لاستكمال رسالة أبي وإسعاده وهو في العالم الآخر.
وبالرغم من تشكك أمي الصامت
في إمكان التزامي بما وعدت, فلقد أدركت تماما أنني لن أخذلها ولن أخذل أخوتي
الصغار بعد الآن, وبدأت مرحلة جديدة من حياتي بمقاطعة شلة العبث والاستهتار والجري
وراء الفتيات والسهر حتى الفجر, وامتنعت نهائيا عن تناول المحرمات وشراء علب
السجائر المستوردة.. وإذا كنت قد عجزت عن التوقف دفعة واحدة عن التدخين.. فلقد
خفضت استهلاكي منها إلى الثلث. ومع ذلك كان يراودني الإحساس بالندم وأنا أدخنها
وأشعر بأن إخوتي أحق بثمنها مني, والتزمت في عملي بمواعيد الحضور والانصراف وأصبحت
أكثر جدية وإنتاجا فيه, فبدأ رئيسي المباشر يعطيني الحوافز لأول مرة منذ عملي
معه.. بل وأصبح يفتعل الأسباب لكي يعطيني ساعات عمل إضافية أتلقى عنها أجرا
مناسبا. وأهم من كل ذلك أنني أصبحت أحرص على العودة إلى البيت في الظهر كل يوم وهو
ما لم أكن أفعله من قبل.. ولا يهدأ لي جانب إلا إذا اطمأننت على عودة كل إخوتي من
مدارسهم .. ليتناولوا معي ومع أمي طعام الغداء.. ويبدأوا مذاكرتهم في أمان .. وقد
اهتزت مشاعري ذات يوم حين جاءت إلي أختي التي تليني في السن وكانت وقتها طالبة
بالسنة الثانية الثانوية لتستأذنني في الخروج لمدة ساعة للذهاب إلى بيت إحدى
صديقاتها لإحضار شيء من عندها, وعلمت منها أنها استأذنت أمها فطلبت منها أن تأخذ
إذنها مني ابتداء من الآن لأنني قد أصبحت رجل البيت, المسئول عن الأسرة..
فخفق قلبي.. وكاد الدمع
يطفر من عيني, وقبلت أختي في جبينها وقلت لها: اذهبي مصحوبة بالسلامة.
ورنت عبارة رجل البيت رنينا
قويا في سمعي حتى شعرت بالخوف والرهبة والمسئولية واستدعيت صورة أبي في مخيلتي..
وقلت له في خيالي: هل سأنجح في تحمل مسئوليتك
بعدك يا أبي؟
ولم تكتف أمي بذلك وإنما
وضعت بين يدي في أول الشهر معاش أبي وطلبت مني الإنفاق على الأسرة, فجلست معها لتدبير
شئون البيت وأضفت إلى المبلغ مرتبي البسيط دون أن أخصم منه إلا أجر المواصلات
وثلاثة جنيهات فقط لي كمصروف شخصي.. واستدعيت أخوتي وأعطيت كلا منهم مصروفه وأعطيت
أمي مصروف المطبخ.. وسددت إيجار الشقة.. وفاتورة الكهرباء. وشعرت بحجم العبء
الكبير الذي كان يتحمله أبي صامتا ودون شكوى طوال حياتنا.
وعلى هذا النحو مضت حياتنا
في العام الأول من رحيل أبي.. ومن عجب أنني وسط هذه المسئوليات والمشاغل قد وجدت
الوقت الكافي لاستذكار دروسي ونجحت في امتحان الصف الثالث الجامعي من أول مرة..
وسعدت كثيرا بنجاح كل إخوتي في صفوفهم الدراسية.. كما أصبحت أقضي معظم وقتي في
البيت ما لم يكن عندي عمل مسائي وأتابع دراسة إخوتي وأتحدث معهم.. وأحل مشاكلهم..
وألبي طلباتهم وعرفت لأول مرة عبء دخول المدارس وطلبات الأخوة من الملابس والأحذية
والحقائب والكراريس.. وعبء العلاج إذا مرض أحدهم.. وعبء الديون للبقال والجزار
إلخ, وأمضيت شهورا أروح إلى عملي وأجيء منه وليس في جيبي سوى قروش المواصلات..
وبعد فترة أصبحت ملابسي قديمة.. ومع ذلك فقد رفضت شراء الجديد منها لكي استطيع
المحافظة على مظهر إخوتي .. وأصبح حذائي باليا دون أن أفكر في شراء غيره ومع ذلك
فأنا راض عن نفسي وأسير مرتاح الضمير وهو إحساس لم أكن أشعر به وأنا أضع في جيب
قميصي الفاخر علبة السجائر الأمريكية والولاعة وأرتدي بنطلونا وقميصا غاليين وأجلس
مع أصدقاء زمان في أحد الأماكن الراقية أو أذهب إلى موعد مع فتاة.
وتخرجت في كليتي بتقدير جيد.. وقبل أن أطلب ذلك
كان رئيسي المباشر قد قام بكتابة طلب لتعييني بشهادتي في الهيئة ورفع مرتبي بعد أن
أصبحت ذراعه اليمنى في العمل وأحب موظفيه إليه.. وتم التعيين ولم تكن فرحتي به
أكبر من فرحتي بالتحاق أختي بالكلية التي رغبت في الالتحاق بها ولا من فرحتي بتقدم
بقية الإخوة في دراستهم بنجاح كبير. والعجيب هو أنني وأنا من كنت أكره الدراسة
وأضيق بإلحاح أبي علي للاستذكار والتفوق قد وجدت نفسي أكرر مع إخوتي نفس كلماته
دون أن أدري.. وتدمع عيني حين أتذكره وهو يكاد يقبل يدي لكي استذكر دروسي لمصلحتي
الشخصية وليس لمصلحة أحد غيري..
ولقد هاجمتني صورته وهو
يستجديني الاستذكار وأنا أصلي العصر ذات يوم فقرأت الفاتحة على روحه, وإذا بي تلمع
في ذهني فكرة جديدة هي.. ولماذا
لا أحقق له أمله الخائب في بعد رحيله عن الحياة؟
ونهضت من جلستي وقد عقدت
العزم على الالتحاق بالدراسات العليا في كليتي ونفذت ذلك بالفعل ونجحت في السنة
التمهيدية بلا مشاكل. ثم شغلت بإعداد رسالة الماجستير فاستغرقت في ذلك بضع سنوات
بسبب انشغالي بعملي وأسرتي والعمل الإضافي لتحقيق مزيد من الدخل.. ثم أيضا بخطبة
أختي لأحد خريجي كليتها.. ومع ذلك فلقد انتهيت من الرسالة آخر الأمر وطبعتها وصدرت
أولى صفحاتها بهذا الإهداء:
إلى الرجل الذي لولا فضله
علي حيا وميتا لما نجحت في إنهاء هذه الرسالة..
إلى أبي العظيم الأستاذ
فلان الفلاني رحمه الله وأحسن جزاءه
وكان يوم مناقشة الرسالة
يوما مشهودا في حياتي وحياة أسرتي, وزغردت أمي لأول مرة بعد رحيل أبي في قاعة
المحاضرات وهي تسمع قرار لجنة المناقشة بمنحي درجة الماجستير بدرجة الامتياز مع
مرتبة الشرف, ولست أريد أن أطيل عليك أكثر من ذلك.. لكني سأقول لك فقط أنني خلال
18 عاما من رحيل أبي عن الحياة قد وفقني الله العلي القدير في رد بعض دينه لي
واستكمال رسالته فتخرج كل إخوتي وعملوا حتى الصغير الذي كان عمره يوم وفاة أبي
أربعة أعوام قد تخرج وتزوجت شقيقاتي الثلاث زيجات سعيدة وأصبح لي ثلاثة إخوة جدد
هم أزواجهن.. وقد أعانني ربي على سترهن جميعا.. بجمعيات الادخار من مرتباتهن
ومرتبي ودخلي الإضافي, ومن عائد عمل عامين في الخارج انتدبت خلالهما في أحد مكاتب
الهيئة الخارجية التي أعمل بها ولولا المسئولية العائلية التي أتحملها لما رشحني
رؤسائي لهذا الانتداب, كما عمل آخر العنقود أخي الأصغر الحبيب الذي أشعر بأنه ابني
وليس أخي في احدي الدول العربية عن طريق أحد المعارف منذ حوالي العام وفوجئت به
يرسل إلي بعد بضعة شهور من سفره مبلغا بالآلاف لكي استعين به كما قال على إنهاء رسالتي
للدكتوراه لأنني قد حصلت على إجازة دراسية لإنهائها وقل دخلي, فاقتطعت لنفسي ربع
المبلغ الذي أرسله وأودعت الباقي باسمه في البنك ونبهت عليه بحزم بألا يرسل نقودا
أخرى لأنه أحق بها ويحتاج إلى شقة وتكاليف للزواج حين يجيء الأوان.
ولقد أصبح بيتنا الآن يموج بأخواتي البنات
وأطفالهن الرضع والصغار وأزواجهن يوم الجمعة كل أسبوع.. وتتصدر الجلسة أمي الحبيبة
المكافحة. وأشعر أنا بأن هذا اليوم هو أسعد أيام الأسبوع, وأما الدافع الذي دفعني لكتابة هذه الرسالة إليك فهو خبران سعيدان
والحمد لله..
الأول هو أن الله قد وفقني
إلى الارتباط بفتاة ممتازة تصغرني بعشر سنوات بعد أن ظلت أمي تلح علي في الزواج قبل
أن يسرقني العمر, فجاء النصيب مع هذه الفتاة الطيبة المتدينة وهي زميلة لي في نفس
الهيئة وتم عقد قراني عليها.. وسيتم الزفاف في نوفمبر المقبل بإذن الله..
وأما الخبر الثاني فهو أنه
قد تحددت جلسة لمناقشة رسالتي للدكتوراه في أكتوبر المقبل وأستاذي المشرف على الرسالة
يثني على جهدي فيها ويبشرني بالفوز القريب, وقد اتصل بي ابني أو أخي الأصغر, مؤكدا
لي انه سيكون في القاهرة قبل الموعد لكي يحضر مناقشة الرسالة.. ولقد أهديتها لأبي
أيضا وأضفت إليه هذه المرة أمي العظيمة وإخوتي الأحباء وخطيبتي الفاضلة وأزواج
الشقيقات وأبناءهم.. وقلت في الإهداء أنهم الأقمار التي تضيء حياتي. ولقد فكرت أن
انتظر إلى ما بعد مناقشة الرسالة والحصول على الدرجة لكي أكتب لك قصة تحولي من شاب
مستهتر وطالب فاشل.. إلى رجل ملتزم ثم أرجوك أن تكتب كلمة للشباب المستهتر العابث
ألا يضيقوا بحرص آبائهم عليهم.. ومطالبتهم بالالتزام والنجاح لأنهم لا يستهدفون من
ذلك إلا مصلحة هؤلاء الأبناء أنفسهم, لكن جد شيء في الفترة السابقة دفعني لأن أعجل
بالكتابة لك.. ذلك أن صورة وجه أبي الحزين كثيرا ما كانت ترد في ذهني في مناسبات
عديدة حتى أنه لم يكن يمضي يوم طوال السنوات الثمانية عشرة الأخيرة دون أن أرى
بعين الخيال وجهه وملامحه المتعبة الحزينة.
وحين أبلغني أستاذي قبل أسبوع بتحديد جلسة
مناقشة الرسالة رجعت إلى البيت سعيدا وأبلغت أمي الخبر فأشرق وجهها بالفرحة فإذا
بي أستعيد صورة أبي في مخيلتي فيخيل إلي أن وجهه تشيع فيه هذه المرة ابتسامة
حيية.. وأنه ليس حزينا كما كنت أراه دائما في مخيلتي.. فهل يعني ذلك أنه راض عني
الآن يا سيدي؟ وهل تكتب للشباب ما أردت أن أقوله لهم بسردي قصتي هذه عليك؟
ولكاتب هذه الرسالة أقول:
لا عجب فيما ترويه عن تحولك
من شاب عابث مستهتر متعثر دراسيا إلى إنسان جاد وملتزم وموفق في حياتك العملية
والعائلية عقب رحيل أبيك عن الحياة وتحملك لمسئولية الأسرة من بعده, ذلك أن وقر المسئولية كثيرا ما يخلق الإنسان خلقا
جديدا.. لأنها كالنار التي تصهر المعدن فتخلصه من شوائبه.. وتجلو جوهره الأصيل, وكذلك فعلت بك المسئولية حين تحملتها راضيا وراغبا
في التكفير عما أضعت من قبل في اللهو والعبث, وآملا في أن تطهرك هذه المسئولية
الثقيلة من وخز الإحساس بالذنب تجاه أبيك الراحل وقد أشفقت علي نفسك من شعورك
المؤلم بأنك قد كنت سببا أساسيا لأحزانه وفي سنواته الأخيرة, فتفاعل لديك الإحساس
بالمسئولية الإنسانية والمعنوية عن الإخوة الضعفاء والأم الحائرة بعد رحيل الأب مع
الإحساس بالذنب تجاهه.. مع الضمير الحي الذي لم يقتله فيك اللهو والعبث كما كان
الظن, فأثمر كل ذلك هذه الشخصية الايجابية الفاضلة, وقدت سفينة الأسرة إلي مرفأ
الأمان .
فأما تحولك من العبث والاستهتار
إلى الالتزام والجدية, فليس من المستغرب, فنحن حين نركب سيارة يقودها غيرنا فإنه
يتحمل مسئولية أماننا وسلامتنا خلال الرحلة وقد لا نولي نحن انتباها كبيرا للطريق
اعتمادا على قيامه هو بهذه المسئولية عنا وقد ينصرف ذهننا خلال الرحلة عن الطريق
إلى أشياء أخرى, فإذا افقنا من سرحاننا فجأة على اهتزاز عنيف واكتشفنا توقف
السيارة لأن قائدها قد أصيب بنوبة عارضة.. وجدنا أنفسنا مطالبين بأن نقود نحن
السيارة وبأن نولي كل اهتمامنا وانتباهنا للطريق بدلا منه وبعد أن كنا ننصرف
بذهننا عنه إلى التفكير بأشياء أخرى لم يعد مقبولا منا أن نفعل ذلك وإلا هلكنا
وهلك الجميع معنا وكذلك فعلت أنت يا صديقي حين غاب قائد الأسرة .. وأصبح من واجبك أن
تتقدم أنت إلى مقعد القيادة.. وتحمي إخوتك ووالدتك من أخطار الحياة.
ولقد توقفت وأنا اقرأ
رسالتك الجميلة أمام ما رويته عن أنك كنت ترتدي قبل رحيل أبيك فاخر الثياب وتدخن
السجائر الأمريكية وتثور إذا لم تجد ما تحتاج إليه من نقود لدي أمك أو إخوتك,
فأصبحت بعد أن صهرتك نار المسئولية العائلية تكتفي باجر المواصلات وتضن على نفسك
بالجديد من الثياب لكي تحافظ علي مظهر إخوتك, وتذكرت ما رواه المسعودي في مروج الذهب عن خامس الخلفاء الراشدين عمر
بن عبد العزيز من أنه كان قبل أن يلي الخلافة يحيا بالرغم من صلاحه ونزوعه إلى
العدل حياة الأمراء المترفة وكيف كان, وكان من أكثر الناس اهتماما بملبسه حتى كان
يشتري الحلة بألف دينار فإذا لبسها استخشنها ويشتري القميص بأربعمائة دينار فإذا
لمسه بيده قال: ما أخشنه وأغلظه, ويهتم بعطره وعطر ثيابه حتى قيل عنه انه أعطر
قريش, فلما ولي الخلافة ورد المظالم بدأ بنفسه فتنازل عن كل ما كان له لبيت المال,
واكتفى من المال والمتاع بما يسد احتياجاته الضرورية كحاكم عادل وأصبح ثمن حلته
عشرة دراهم ومع ذلك كان إذا لبسها استلانها كما روي المسعودي.
فماذا جد عليه وقد كان
التقي الورع قبل الإمارة وبعدها؟
لقد جد عليه همه بالمسئولية
عن الآخرين.. ولم يكن من قبل مسئولا إلا عن نفسه ودنياه الصغيرة.. وصادفت هذه
المسئولية ضميرا حيا فكان ما كان من أمره. فالمسئولية هي أن ينشغل الإنسان بأمر
الآخرين كما ينشغل بأمر نفسه, وجوهر المسئولية الأبوية والأمومية هو الإيثار أي
إيثار من يتحمل المرء المسئولية عنهم علي نفسه.. بالرعاية والحماية والعطاء.. ولو
تعارض كل ذلك مع اعتباراته الشخصية.
ومن أجمل ما قرأت في تصوير
هذه المسئولية الأبوية ما رواه الرواة عن المحدث اللغوي الفقيه الذي عاش في القرن
الثالث الهجري إبراهيم بن اسحق الحربي من انه كان لا يشكو إلى أمه وبناته وزوجته
الحمى إذا أصابته وإنما يتحملها صامتا لكيلا يزعجهن بأمره.. وانه قد كان به صداع
بأحد جانبي رأسه فتحمله صابرا 45 عاما لم يخبر به أحدا وانه عاش عشر سنوات من عمره
بفرد عين بعد ان انطفأ نور الأخرى لم يخبر بذلك أحدا من أهله ! وكان يقول في تفسير
ذلك إن الرجل الحق هو الذي يدخل غمه علي نفسه ولا يغم عياله .
والرأي عندي هو أن جوهرك
كان سليما من الأصل لكنه اعتوره ما قد يعتور المرء إذا استنام إلى أن هناك مظلة
تحميه من صواعق السماء مهما أخطأ أو فعل.. فلما زالت عنك هذه المظلة برحيل والدك
عن الحياة استنفرت إرادتك ونفضت عنك العبث والأنانية واللهو وشعرت بأن مرحلة
الاستهتار قد انتهت من حياتك إلى غير رجعة فنهضت لتحمل المسئولية التي كان يقوم
بها والدك دون شكوى, ووجدت نفسك تردد لإخوتك من حيث لا تدري نفس عبارات أبيك عن
الجدية والالتزام والتفوق التي كنت تضيق بها من قبل.. وأدركت ثقل المسئولية
وتبعاتها وعرفت نوعا من مشاعر الأم أو الأب الذي يحترق لكي يضيء حياة أعزائه..
ويحرم نفسه لكي يعطيهم.. ويكرس حياته لهم ناسيا خلال ذلك نفسه أو يكاد, ثم شعرت
بالرغبة في الاعتذار لأبيك بأثر رجعي عن كل ما خيبت أمله فيه وسببته له من أحزان..
فكان قرارك باستكمال دراستك الجامعية بنجاح ومواصلة دراستك العالية والحصول علي
الماجستير ثم الدكتوراه بإذن الله. لقد أحسنت الاعتذار يا صديقي لأبيك عن تخلفك
الدراسي وانصرافك إلى بعض لهو الشباب وعبثهم خلال حياته, وكانت رعايتك لأخوتك
ووالدتك ونفسك وطموحك الدراسي هو خير اعتذار عن فكرة العبث القصيرة, والحمد لله في
حياتك الجادة الفاضلة.
فأية غرابة إذن في أن يزورك
طيف والدك الطيب باسما وراضيا عنك بعد أن كان لا يجيئك من قبل إلا عاتبا وحزينا؟!
لقد نلت سعادة الدارين بإذن
الله ببرك بأمك وأخوتك واعتزازك بذكري أبيك واتخاذك له مثلا أعلى.. فهنيئا لك مقدما درجة الدكتوراه مع مرتبة الشرف الأولى
بإذن الله.. وهنيئا لك سعادتك المقبلة
مع شريكة حياتك إن شاء الله
وهنيئا قبل كل ذلك وبعده ما
سوف تمطرك به السماء من جوائز السعادة والتوفيق والأمان وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
صدق الله العظيم.
أما كلمتك إلى الشباب فإن
رسالتها واضحة لكل ذي عقل.. وشكرا لك على رسالتك القيمة.
· نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 2000

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر