رسالة من أب .. رسالة من بريد الجمعة عام 1984
أعرف تماما أن لكل
قاعدة استثناء, وأن حالة مرضية واحدة لا تصلح للحكم على الأشياء ولا لاستخلاص
أحكام عامة, ولا للحكم على المجموع, ومع ذلك فإنني أستجيب لرغبة كاتب الرسالة
"المفزعة" في نشرها لأنها تنبه إلي مشكلة خطيرة, ولأني أحس بصدق كاتب
هذه الرسالة في كل ما كتب, وأحس أيضا بصدق رغبته في أن يستفيد الآخرون من تجربته
المؤلمة بأن يتفادوا الوقوع في مشكلة شبيهة بها.. فأنبل الآلام ما يدفع الإنسان
إلي محاولة تجنيب غيره معاناتها أو مكابدتها!
إني أنشر هذه
الرسالة وقلبي واجف لأني أعلم أنها ستثير فزع الكثيرين .. وغضب الذين قد يفهمونها
على أنها مساس بأصحاب أنبل المهن وهي مهنة التعليم والتربية.. ولهؤلاء فإني أقول
مقدما إنكم أول من يرفض مثل هذا الانحراف .. وأن الحالة المرضية لا تمس الأغلبية
الشريفة.. وأقول لهم أيضاً إن كاتب هذه الرسالة كما سنقرأ بعد قليل هو أيضاً من
رجال التربية.. وأكتفي بهذه المقدمة لأني لن أعلق على هذه الرسالة.. التي لا تحتاج
إلى تعليق.. وإنما تحتاج إلى التفكير وإلى استخلاص العبرة والتجربة منها.. فالحياة
تجارب.
وتجارب الآخرين قد تعلمنا أحيانا أكثر مما نتعلم من تجاربنا الشخصية.
وهذه هي الرسالة بعد حذف بعض عباراتها حرصا على المشاعر والأعراف :
اسمح لي أولا أن
أقدم نفسي دون توقيع اسمي لظروف سوف تدركها من خلال قراءة هذه المشكلة, إنني أشغل
وظيفة علمية كبيرة " بالإضافة إلى العمل في المجال التربوي" وهذا هو
الذي دفعني أن أعرض ما أتعرض له للقراء "كأب" يخشى أن يتعرض الآخرون لما
تعرضت له, والقضية أن لي بنتا صغيرة في المرحلة الابتدائية, وكنتيجة لما نعانيه من
المشكلات الدراسية, أحضرت لابنتي مدرسا دخل بيتي في أدب ويخرج وعيناه في الأرض
خجلا ومضت السنوات.. وبالأمس القريب "وابنتي لم تصل إلى سن العاشرة بعد"
تكلمت مع أمها وبطريقة المصادفة عن أن هذا المدرس يضع يده في ملابسها رغم أن باب
الحجرة التي يقوم بالتدريس بها يكون مفتوحا باستمرار "ولم يحدث ولو مرة واحدة
أن أغلق رغم ثقتنا العمياء به" إلا أنه بأسلوبه كان يقرب الطفلة منه, وكانت
تقاوم باستمرار, ولا ندري ماذا يفعل, بل إنها كانت تعتقد بأن ذلك نوع من التشجيع.
أقول هذا للذين يثقون بالآخرين مهما كانوا ورغم
أنني وزوجتي فتحنا ذراعينا وبيتنا للرجل, فإنه خان العهد ولولا لطف الله ورحمته
لربما انساق في أكثر من ذلك "أقول ذلك وأنا وزوجتي كنا في أشد الحرص"
إلا أن هذا استطاع أن يحقق بعض مآربه " مع العلم بأنه متزوج وله
أولاد وساعدناه كثيرا" ويعلم الله ذلك.
وأخيرا لا تسألني
ماذا ستفعل .. فأحمد الله أنني وزوجتي استطعنا أن نمر وطفلتنا بأمان من هذه
المأساة لما لنا من خبرة .. ولم نندفع ولم نرتكب عملا يؤثر على سمعتنا وحالة
طفلتنا النفسية.
أرجو ألاّ نترك أبناءنا مع الكبار مهما كانت أوضاعهم أو مراكزهم, وليس هذا شكا في الجميع بل عملاً بمبدأ السلامة والوقاية خير من العلاج.
الإمضاء: "أب"
رابط رسالة مولع بالسفر تعقيبا على هذه الرسالة
· نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" يناير عام 1984

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر