اللوحة الجميلة .. رسالة من بريد الجمعة عام 2003
لقد روي الروائي الفرنسي لاكلو في رواية علاقات خطرة على لسان كونت عابث
يركز سحره على سيدة فاضلة لإغوائها:
نعم يلذ لي أن أرى هذه المرأة المتدينة تتورط دون أن
تشعر في طريق لا رجعة منه تقودها فيه منحدراته وتضطرها لأن تتبعني وحين تتبين حجم
الخطر الذي يتهددها تتوقف برهة وتنظر حولها فلا تجد سبيلا للرجوع إلى الخلف..
وكل ما تستطيع أن تفعله هو أن تتباطأ في خطواتها ثم تواصل الهبوط مغمضة العينين,
وكلما حاولت إيقاف تدهورها ورجعت للخلف ركضا وجدت ما يشبه القدرة السحرية تشدها
إلى نقطة أبعد مما كانت عليه حين حاولت الرجوع للخلف!
وهي كلمة معبرة بحق عن الموقف الذي تجد فيه كل زوجة
نفسها إذا بدأت طريق التنازلات وخطت خطوتها الأولى على هذا المنحدر.
عبد الوهاب مطاوع
أكتب إليك بعد
حيرة وتردد فأنا سيدة أبلغ من العمر خمسين سنة, لكن كل من يراني لا يعطيني أكثر من ثلاثين سنة, فقد منحني الله
قدرا كبيرا من الجمال وحسن
المظهر, وقصتي تبدأ حين أتيت إلى القاهرة وعمري تسعة عشر عاما متزوجة من رجل طيب القلب يكبرني بعشرة
أعوام, ويطيعني في كل شئ ويسعد بي ويتباهى ويتفاخر وينفذ لي كل طلباتي, خاصة بعد أن أنجبت له بنتين في غاية
الجمال وتشبهانني إلى حد
كبير, فسخر نفسه لخدمتنا حتى أنه كان يقوم بكل أعمال البيت وخدمتنا ليلا ونهارا, وشراء الطلبات من
الخارج, وما أنا إلا لوحة جميلة يحرص عليها وينظر إليها في حب وحنان برغم ثورتي الدائمة عليه دون أي سبب,
لأني كنت دائما أنظر حولي
واستكثر نفسي عليه رغم أنني لا أملك سوى شكلي فقط, ومنذ بداية زواجنا لفت نظري جار لنا في الجوار متزوج من
امرأة جميلة جدا وأنيقة جدا وهادئة, وكلما مرت أمامي لتأخذ سيارتها تبتسم لي في هدوء ورقة بالغة, أما
زوجها فمن ورائها يبتسم لي
ويشير, ثم تطور الأمر إلى أنه بدأ يسير ورائي حين أخرج ويطاردني معبرا لي عن
إعجابه بي
وبأنه مصر على أن يقيم معي أية علاقة اختارها, المهم أن أتكلم معه, ودفعني الفضول إلى مبادلته الحديث,
وكنت أسأله لماذا وزوجتك لا ينقصها شئ بل على العكس كل من يراها ينبهر بجمالها وهدوئها ورقتها حتى زوجي كان يبدي
رأيه فيها حين اسأله, فيقول
أنه لم ير مثلها؟! وكان جاري يقول إنه لم يشعر بأي حب تجاهها ولا يغار عليها, وظل على هذا الحال بضع
سنوات يلاحقني وحين يعود هو وزوجته من الخارج يتعلل بأنه يركن سيارته ويقف أمام شرفتي أو يظل يجوب الشارع
ذهابا وإيابا, ولا أنكر
أنني كنت أشعر بسعادة وانتصار على من تفوقني جمالا وثقافة وكل شئ, إلى أن علمت يوما أنها مريضة وسافرت للخارج
لإجراء جراحة حرجة جدا, وظل هو كما هو برغم مرض زوجته وانتظرت إلى حين عودتها, وتحينت الفرصة واتصلت
لكي اسأل عنها وعرفتها بي,
وفوجئت بها في منتهى الذوق والأخلاق وتشكرني وتدعو لي وتصر على زيارتي لها, وذهبت إليها فوجدتها أجمل وأروع
مما أراها عليه وهي في الشارع, فكانت ترقد في سريرها كالملاك ووجدتها تهتم بي وتنصحني بأجمل النصائح,
وكررت زيارتي لها وكان هو
ينتظرني على الباب ويفتح لي ويضغط على يدي ويظل يتردد على حجرتها مدعيا الاهتمام بها, ثم يسرق نظرة لي
لا تفهمها هي ولكن مثيلاتي يفهمنها, ثم فجأة وجدتها تخرج في صمت خطابا من حقيبتها وكلها ألم وتطلعني عليه,
فإذا به بخط زوجها وملئ
بالحب والغرام ولا يكتبه سوى مراهق صغير, فقرأته في لهفة وسرعة, وإذا به لزميلة له في العمل, وعلمت من
جارتي المسكينة أنه على علاقة بتلك الزميلة منذ أربع سنوات وغيرها وغيرها, وفتحت عيني على مفاجأة فكنت
أتصور أنه يهيم بي ولاحظت هي
أنني انصرفت بسرعة, كما لاحظت التغيير المفاجئ علي وقررت مقاطعتها إلا أنها سألت عني وظلت ترسل لي الهدايا
وأشياء كثيرة, لأني كنت قد شكوت لها من بخل زوجي كذبا فأرسلت لي أشياء وأشياء وعدت لزيارتها, وإذا به يدخل
علينا ويحاول أن يشير لي
من خلفها, فتجاهلته وما أن خرج حتى وجدتني أخبرها بكل شئ عن محاولاته معي ولن أنسى وجهها الجميل الطيب ودموع
عينيها التي سالت كالنبع أمامي, وتركتها وانصرفت ولا أدري ماذا حدث بينها وبين زوجها, فقد حاول هو الاتصال
بي وأغلقت في وجهه التليفون
ومازال يتحين الفرص ويسير ورائي, كما ألقى في شرفتي ورقة يعاتبني فيها ويقول إن زوجته معتادة على ذلك ـ
فهل تتخيل أن يكون هناك رجل بهذه الأخلاق وقد منحه الله كل شئ من زوجة جميلة إلى منزل رائع إلى بنت وولد
غاية في الأخلاق والجمال
وزوجته محبوبة من كل من يعرفها, أما هو فقد علمت عنه الكثير والكثير عن سوء خلقه في نواح كثيرة أخرى غير
متابعة النساء.
إن ضميري يعذبني بل ويقتلني لأني
ظلمت زوجي أولا وظلمت إنسانة لا ذنب لها سوى قدرها الذي أوقعها مع هذا الرجل, وأريد أن أكفر عما فعلته وأريد
أن أوجه لها كلمة أو توجه
أنت لها كلمة فهي من قرائك, وأن تنصح الرجال والنساء أمثالي أنا وزوجها لأن هذا الموضوع منتشر وأنا على يقين
أنها سوف تسامحني لأن قلبها كبير جدا ولكني أتعجب لماذا تستمر مع هذا الإنسان رغم أن الله قد منحها كل شئ وهي
تتفوق عليه في كل شئ؟!.
ولكاتبة هذه الرسالة أقول:
قد أفسد اللوحة الجميلة تساهلك
المخجل مع هذا الرجل العابث وقبولك لتبادل الحديث معه وأنت تعلمين جيدا منذ البداية حقيقة نياته تجاهك وما يسعى
إليه معك ـ ولا يقلل من حجم
الخطأ أبدا أنه كان محدودا أو غير محدود, فالإثم مؤكد في كل الأحوال, ولقد قلنا مرارا إن مجرد قبول الزوجة
المحصنة للحديث مع رجل أجنبي تعرف عن يقين أنه يغازلها ويتطلع لإقامة علاقة آثمة معها هو بداية التنازل حتى
ولو كان حديثها إليه انتهارا
له أو لوما على سلوكه معها أو حتى لمحاولة إصلاحه وإقناعه بالإخلاص لزوجته والاكتفاء بها, ذلك أن مجرد
تواصل الحديث بينهما هو خطوة خطيرة على الطريق المنحدر الذي تقود كل خطوة جديدة عليه إلى موقع آخر أكثر
انحدارا.
ولقد روي الروائي الفرنسي لاكلو في
رواية علاقات خطرة على لسان كونت عابث يركز سحره على سيدة فاضلة لإغوائها:
نعم يلذ لي أن أرى هذه المرأة
المتدينة تتورط دون أن تشعر في طريق لا رجعة منه تقودها فيه منحدراته وتضطرها لأن تتبعني وحين تتبين حجم الخطر الذي
يتهددها تتوقف برهة وتنظر
حولها فلا تجد سبيلا للرجوع إلى الخلف.. وكل ما تستطيع أن تفعله هو أن تتباطأ في خطواتها ثم تواصل
الهبوط مغمضة العينين, وكلما حاولت إيقاف تدهورها ورجعت للخلف ركضا وجدت ما يشبه القدرة السحرية تشدها إلى نقطة
أبعد مما كانت عليه حين
حاولت الرجوع للخلف!
وهي كلمة معبرة بحق عن الموقف الذي
تجد فيه كل زوجة نفسها إذا بدأت طريق التنازلات وخطت خطوتها الأولى على هذا المنحدر, ولاشك في أنك قد فعلت
الكثير والكثير مما تحتاجين
إلى التكفير عنه والندم الصادق عليه واستغفار ربك آناء الليل وأطراف النهار لكي يغفر لك, ومن عجب
أن إحساسك بالذنب تجاه زوجة هذا الرجل العابث أكبر من إحساسك به تجاه زوجك الذي تقولين عنه إنه يكرس حياته
لرعايتك ويستجيب لكل مطالبك
ويقوم عنك بكل الأعباء معتبرا إياك لوحة جميلة يعتز بوجودها في عالمه.. مع أن جرمك في حقه أكبر وأبلغ من
جرمك في حق زوجة ذلك الرجل العابث.. وفي حق أبنائك ونفسك كذلك, كما أنك لم تتوقفي عما كنت تفعلين
انتصارا لنفسك أو كرامة لزوجك
وإنما غضبا من هذا الرجل الذي تعتزين بملاحقته لك, ثم اكتشفت في النهاية أنه رجل عابث متعدد العلاقات
النسائية.. وسؤالي إليك هو, وماذا كنت تنتظرين ممن يطارد زوجة محصنة لرجل يقيم إلى جواره؟ هل كنت تتوقعين
منه الإخلاص والوفاء والتبتل
في الإعجاب بك وحدك كما يفعل زوجك المغدور به؟.
يا سيدتي أفيقي من عبثك وتعلمي درس
التجربة واقصري طرفك على زوجك المخلص المحب وأبنائك, ولا تتبطري على النعمة فتندمين حيث لا يفيد الندم.. أما
زوجة ذلك الرجل فهي ليست في
حاجة إلى اعتذار منك, ولا تجددي صلتك بها لكي تتجنبي كل المظان التي قد تجمع
بينك
وبين زوجها من جديد
ذلك إذا كنت حقا قد ندمت ندما صادقا علي ما كان من أمرك.. ورغبت في أن تبدئي صفحة جديدة مبرأة من الآثام من حياتك.
· نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 2003
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر