ابن الأصول .. رسالة من بريد الجمعة عام 1984
ترددت كثيراّ في
أن أكتب إليك هذه الرسالة وسوف تعرف السبب بعد قراءة سطورها, فالحق أنه من الصعب
جدا أن يكتب الإنسان عن عيب جوهري في شخصه, وقد استجمعت شجاعتي لكي أكتب لك عن
مرضي العضال لأني لم أعد راضيا عن نفسي بسببه وقد تتصور أنني مريض بمرض عضوي, لكن
الحقيقة غير ذلك فأنا والحمد لله سليم الجسم وقد أكون سليم النفس أيضا لكني مريض
بشئ عجيب جدا هو "قلة الأدب". وقلة الذوق أيضا!
وأرجو ألاّ تسخر
مني فأنا جاد فيما أقول .. ولا أستطيع أن استشير أحدا في هذه المشكلة, وقد لاحظت
أن كثيرين قد أصبحوا يعانون من نفس مرضي.. وأن مرضاه قد امتدوا إلى ما نسميه بطبقة
المثقفين, فأنا أعمل في مركز مرموق وأنا جامعي مثقف ولم يواجهني أحد من الذين حولي
من قبل بحقيقة عيبي لكني ألاحظ دهشة وذهول من حولي حين يسمعون هذه الألفاظ النابية
الجارحة تصدر عن هذا الشاب المثقف ابن الأصول كما يقولون!
والمشكلة هي أنني
لا أستطيع السيطرة على نفسي فتندفع من فمي أقذع ألفاظ السباب مع العلم أني نشأت في
بيئة صالحة. وكنت إلي عهد قريب إنسانا مهذبا أو على الأقل إنسانا طبيعيا. ثم
انقلبت فجأة إلي هذا الشاب البذئ وأعترف أني وجدت متعة بالغة في استعمال تلك
الألفاظ النابية. ثم أصبحت هذه الكلمات وهذه الألفاظ هي طابع شخصيتي الآن. ولن
أطيل عليك.. لكني أسأل هل أجد لديك علاجا لهذا الداء.
ولكاتب هذه الرسالة أقول:
أثارت هذه الرسالة
دهشتي وعجبي في نفس الوقت فهي المرة الأولي التي أتلقي فيها رسالة من مريض بقلة
الأدب كما يقول.. والمريض هنا كما يقول هو شاب مثقف خريج إحدى الكليات وليس هذا
وجه العجب وحده فالسوقية, والكلمات النابية قد أصبحت "فولكلورا" شعبيا
في قاموسنا بكل أسف مع هبوط الذوق العام وانحسار القيم في أوساط عديدة لكن ما أثار
عجبي بحق هو قوله عن نفسه إنه كان حتى فترة قريبة شخصاّ مهذباّ أو طبيعيا ثم انقلب
فجأة إلى مريض بقلة الأدب يجد متعة غريبة في استخدام ألفاظ الشتائم والكلمات
النابية! ولا معني لذلك يا صديقي في تقديري سوي أنك قد وجدت نفسك فجأة في وسط
يستخدم فيه بعض زملائك ألفاظ السباب الفاحش كروتين يومي, فترددت أولا في مجاراتهم
ثم أصابتك العدوى, وتفاقمت حالتك لأنك تستخدم هذه الألفاظ غالبا مع من لا يستطيع
أن يردها إليك بأحسن منها, وأغراك ذلك بالاستمرار وهنا خطورة عامل البيئة التي
تعمل فيها, فالإنسان هو ابن بيئته ووسطه وهنا أيضا خطورة استمرار واستمراء الخطأ
لأنك تواجه بهذه الهواية من لا يردعك عنها, وهذه مصيبة كثيرين ممن يملكون السلطة
على البسطاء, أظنني عرفت ماذا تعني يا صديقي رغم أنك حاولت التمويه عليّ بقولك إنك
جامعي فأنت جامعي فعلا تحمل الشهادة العالية التي تحملها لكنك جاهل بالتأكيد في
حسن معاملة الناس, وفي احترام الآخرين فإذا كنت تستمتع بإيلام الآخرين فأنت ولا شك
مريض النفس, وإذا كنت ترغب في العلاج فليس لدي علاج لك سوي أن تتذكر دائما هذه
الكلمة إذا دعتك قدرتك علي سب الآخرين فتذكر قدرة الله عليك.
إنني في النهاية
أحيي فيك صدقك مع نفسك بكتابتك هذه الرسالة وطلبك لعلاج هذا الداء.. لكن دواءك
لابد أن ينبع من نفسك أنت أولا فإذا كنت راغبا فيه فسوف تتخلص من هذا المرض العجيب
وإذا لم تكن راغبا رغبة صادقة في ذلك فلن تشفى منه وليس ذلك بغريب فقديما قيل: لكل
داء دواء يستطب به.. إلا الحماقة أعيت من يداويها.
· نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1984

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر