الحائط .. رسالة من بريد الجمعة عام 1986
أكتب لك لأزيح
عن صدري ما يتفاعل داخله من هموم.. وسأبدأ بلا مقدمات فأقول لك: إنني شاب في
التاسعة والعشرين من عمري مات أبي عقب ولادتي بعامين، وكان عاملا حكوميا بسيطا..
فمضى إلى العالم الآخر دون أن يترك لي حتى صورة له استرجعها في خيالي.. وكافحت أمي
لتعليمي وأدخلتني المدرسة الابتدائية.. واستعانت على تربيتی بمعاش ضئيل لا يتجاوز
جنيهات.. وبالعمل كلما سنحت لها فرصة عمل مؤقت في أي مكان، وحين شببت عن الطوق دخلت
معها معركة الحياة فعملت صبيا لميكانيكي.. وصبيا لكهربائي.. وصبيا بمحل طعمية ..
إلخ، ولأسباب مفهومه لم يكن في طفولتي أي طفولة.. فمنذ وعيت وأنا أحس بأنی مسئول
عن نفسي وعن أمي .. وساعد على ذلك إحساس مبکر بالرجولة.. ثم لسبب آخر سوف تكتشف
تأثيره على حياتی فيما بعد، وهو أنني نموت جسمانیا نموا سريعا .. مما أقنعني بأني
"رجل" ولم أكن في الحقيقة سوى غلام يشقى في أعمال مضنية
كل يوم، ليوفر لنفسه لقمة العيش، وليخفف عن أمه بعض مئونته.
المهم أنهيت سنوات المدرسة الابتدائية بنجاح..
ودخلت المدرسة الإعدادية أمضيت سنواتها بنجاح أيضا يبشر بمستقبل طيب في التعليم..
وسعدت أمي بنجاحی سعادة کبری وتاهت فخرا بي على نساء البيت القديم الذي
نسكن إحدى غرفه، وشجعتني بإصرار على الالتحاق بالمدرسة الثانوية، رغم نصيحة
الجيران الطيبين لها بإدخالي المدرسة الصناعية أو التجارية لأعمل بعد 3 سنوات عملا
دائما .. ودخلت المدرسة فعلا وانتقلت بنجاح من السنة الأولى إلى السنة الثانية..
ثم فجأة رحلت عني أمي ذات صباح حزين.. وبلا تفاصيل مؤلمة .
سأقول لك فقط
إنني صحوت ذات يوم فوجدتها على غير العادة لم تستيقظ قبلي، فحاولت إيقاظها فكانت
المفاجأة الأليمة.. وعندما صرخت وجاء الجيران على صوتي .. فهموا الموقف سريعا
فاصطحبوني إلى الخارج وأجلسوني في غرفة أحدهم.. وتعاونوا وهم الفقراء فيما بينهم
على القيام بكل الإجراءات والنفقات.. ولم تمض ساعات حتى كنت أعود إلى الغرفة
الخالية لأواجه مصيري وحيدا تماما.. بلا أب .. ولا أم.. ولا أقارب وبعد أيام كان
كل شيء قد عاد إلى مجراه في الحارة.. فالحياة تجرف كل شيء في طريقها يا صديقي.. ومن
كان مثلي بلا أهل عليه أن يخرج سريعا من دائرة الحزن، وإلا واجه ما هو أشد قسوة
منه.. فحزمت أمري سريعا وبمشورة بعض الجيران الطيبين تركت الدراسة وتطوعت للالتحاق
بإحدى المدارس العسكرية بشهادة الإعدادية فأمنت لنفسي الرزق، وبعد شهور عاودني
الحنين إلى تحقيق حلم أمي وحلمي أيضا في التعليم، فعدت لاستذکار مواد المرحلة
الثانوية وتقدمت بعد عامين لامتحان الثانوية العامة وحصلت عليها والتحقت بإحدى كليات الآداب منتسبا.. واخترت أن أدرس الفلسفة
لأسباب غير واضحة في ذهني حتى الآن.. لكنك ستعرف بعد قليل "دلالة " هذا
الاختيار.
وطوال سنوات الدراسة الجامعية كان يومي يبدأ بالاستيقاظ في الخامسة صباحا،
والذهاب إلى العمل على مشارف طريق السويس ثم ركوب المواصلات الصعبة للذهاب إلى
الجامعة لإحضار المحاضرات والكتب، وسماع بعض المحاضرات المسائية ثم العودة إلى
غرفتي في التاسعة مساء، لأجهز طعامي وأغسل ملابسي وأذاكر دروسی. وساعدني على تحمل
هذه المشاق صلابة جسمي فأنا متين البنيان كأنی "ابن عز" يرعى صحته وجسمه
ويغذيه باللحوم والبروتينات، وواقع الأمر. كما تعرف لكنها، حظوظ، كما يقولون، ولقد
أنهيت سنوات الدراسة بالجامعة بنجاح وتخرجت بتقدير "جيد" في الفلسفة،
وكان هذا غاية جهدي لأن معظم وقتی كان يضيع في المواصلات وفي كظم غیظی من الزحام،
وتجنب المشاحنات مع الركاب. وتحمل العبارات من نوع "ما تحاسب" "هي
فتونة".. "وإلا أنت مستعفی نفسك".. إلخ، ولم تكن في الحقيقة
"فتونة يا صديقي ولا أنا مستعفی نفسي" لكن لعنة الله على المظاهر. فأنا
إنسان غلبان وطول حياتي لم أتشاجر
مع أحد ولم
أخطئ مع أحد.. لكن ماذا أصنع في جسمي الذي يحتل مساحة كبيرة في زحام أي أتوبيس،
ويثير ضيق الآخرين مني.. المهم مرة أخرى ظهرت النتيجة ونجحت وقلت لنفسي إنه قد آن
الأوان لأن أستريح ولأن أعمل عملا يتناسب مع مؤهلي ونوع دراستي، فقدمت استقالتي من
القوات المسلحة، وقبلت بعدها بعد شهور ولم يكن لدي أي أمل في وظيفة عن طريق قریب
لأنه لا أقارب، ولا معارف لى أساسا. إذن لابد من انتظار القوى العاملة لأعمل مدرسا
للفلسفة كما تمنيت.
وفي فترة
الانتظار قلت لنفسي إن علي أن أنسی سقراط وأرسطو وسبينوزا مؤقتا وأتقدم لأي عمل
فإذا جاءني تعيين القوى العاملة مدرسا ترکت عملی غیر آسف عليه .. فتقدمت لكل إعلان
قرأت عنه في الصحف.. فكنت أواجه بالعبارة الشهيرة وماذا نصنع بالفلسفة؟
ومضت شهور
طويلة بلا عمل ثم تقدمت لأحد الفنادق الكبرى كان يطلب موظفين يعرفون الإنجليزية،
وأجريت المقابلة وقبلني الفندق موظفا به تحت الاختبار.. ولكن بشرط واحد هو أن أقبل
نوع العمل المعروض علي.. أما نوعه فهو كما قال المدير المساعد بالحرف الواحد أن
تعمل "حائطا"!
تطلب مزيدا من
الشرح؟ لا مانع لقد قال المدير المساعد إننا نحتاج إلى "حائط" مثلك يقف
في الكازينو الليلي للفندق يبتسم للرواد وعند الحاجة إليك تتدخل بسرعة لفض الشجار
بين الرواد بقوة وكياسة في نفس الوقت ثم تصطحب المعتدي إلى الخارج بهدوء.
سمعت حديث
المدير مشدوها وفهمت سريعا ما يريد ثم قلت له: یعني "بلطجي" فقال
بصراحة، بالضبط؟ فقلت له حائرا وخجلا.. لكنني لا أصلح لهذا العمل يا سيدی.. وأفضل
أن أعمل عامل نظافة؟
فأجاب بحزم
نستطيع أن نجد كل يوم عامل نظافة.. لكننا لا نجد كل يوم من يصلح لهذا العمل! لأنه
يتطلب مؤهلات جسمانية معينة وهي متوافرة فيك، فطلبت منه مهلة للتفكير وغادرته حزينا..
وأمضيت أيامي بعدها أتقدم للمسابقات.. وأقرأ الإعلانات بلا فائدة.. وذات صباح وجدت
قدمی تقودانني إلى الفندق وقبلت العمل "ضابط أمن" بالكازينو الليلي كما
تقول الأوراق، أما في الواقع فلا شيء سوى "بلطجي" ولم أعمل على الفور..
بل تلقيت أولا تدريبا نظريا سريعا تم خلاله تفصيل بدلة فاخرة خلال 48 ساعة فقط لي
ثم ارتديت ملابس العمل.. ودخلت الكازينو لأول مرة مع زميل قديم، وتعلمت أسرار
العمل سريعا.. واستمعت لنصائح المجربين من زملائي، وكانت أولى النصائح ثمينة بحق..
"احذر" أن تقول لأحد إنك خريج فلسفة لكي لا تجعل من ذلك مادة للسخرية
والتنكيت من جانب الرواد "المبسوطين" فيستفزك أحدهم فتفلت أعصابك معه
وتهشم له رأسه" فتضيع!
وعملت
بالنصيحة.. فلم أتفلسف على أحد.. ولا مع أحد .. "كن مبتسما دائما حتى وأنت
"تخلع" كتف الزبون الرزل لإبعاده عمن يضايقهم! "وفعلت کما قالوا
فعلا.. بغير خلع لأني مسالم أصلا.. ولا أحمل حقدا لأحد.. "تعلم فن
الضرب" الكتیمی " الذي لا تحاسب عليه عند التخليص بين المتشاجرين..
واضرب وأنت تبتسم.. واضرب وأنت تقول يا سعادة الباشا حقك على أنا، يا سعادة الباشا
أنا خادمك بس اتفضل معايا.. إلخ؟
وللحقيقة فلقد
تصورت أننا سندخل كل ليلة معركة.. فاكتشفت أن الصورة ليست كذلك، وأن ليالي عديدة
تمر بهدوء لكن لابد من الاحتياط ولابد من وجود اثنين مثلي كل ليلة في الكازينو
للطوارئ، ثم علمت بعد ذلك أن مجرد وجودنا يسهم كثيرا في تهدئة بعض الأعصاب
المفلوتة، وخلال شهر عملته لم تكن هناك ضرورة لتدخلنا سوى مرتين فقط، أما باقي
الأيام فنقضى الليل نبتسم للرواد ونتبادل التحية معهم..
لقد مضى علي الآن أكثر من
شهر وأنا أمارس هذا "العمل".. وأعود إلى غرفتي في الصباح الباكر فأتعجب
مما آل إليه حالي .. وبعد انقضاء الشهر الأول تسلمت راتبي كموظف تحت الاختبار..
وتجربتی کما يقول لى زملائی ناجحة.. و"مستقبلي" فيها "مبشر "
إن شاء الله
يعني سوف أجتاز فترة الاختبار بنجاح، لكنني غير سعید یا صدیقی وکلما نظرت إلى كتبي
الفلسفية التي درستها و أمضيت الليالي ساهرا أفهمها وأتلذذ بقراءتها وأتنقل بين
مدارسها المختلفة.. وأدرس اختلافاتها والفروق بينها.. أحس بأني قد خنت نفسي وخنت
أحلام أمي في أن أصبح ذات يوم موظفا محترما أعلم النشء وتفخر بي على جيرانها من
البسطاء فهل أخطأت؟ وهل أستمر في هذا العمل؟ وألا يؤثر ذلك على مستقبلي فيما بعد،
حين أعمل مدرسا ذات يوم ويعرف عنی أني کنت بلطجيا في أحد الملاهي؟
ولكاتب هذه الرسالة أقول :
إن رسالتك قد
أسرتني في نصفها الأول وهي تروى عن حياتك وأنت غلام يتيم مع أمك الراحلة.. وتحكي
عن كفاحك ورجولتك ووقوفك وحيدا في الدنيا بلا سند إلى أن تعلمت ودرست الفلسفة و
تخرجت، ثم أذهلتني في نصفها الثاني بهذه النهاية غير المتوقعة لرحلة الكفاح
البطولية هذه وبإهدارك لها عندما قبلت العمل "حائطا بشريا" في ملهى
ليلى! فذكرني ذلك بطائر السمان الذي يعبر البحر في رحلة بطولة خيالية ثم يتهاوى
على الشاطئ ويسقط بلا أدنى مقاومة في أول شباك تصادفه على الرمال الناعمة ! ففيم
كانت البطولة إذن وفيم كان الكفاح والشقاء إذا كان هذا هو المصير المحتوم؟
نعم أخطأت يا
صديقي لأنك أهدرت هذه الرحلة البطولية كلها بقبولك "عملا" لم يكن يحتاج
إلى الكفاح في أشق الظروف للتعليم ولا إلى دراسة الفلسفة ومدارسها المختلفة، وإنما
يحتاج فقط إلى بنيان متين وعضلات مفتولة.. ويستوي فيه من درس الفلسفة اليونانية مع
من لم يسمع بها قط. وهذه هي الكارثة!
ثم إنك لم
تصمد يا صديقي.. وسقطت في أول معركة للبحث عن عمل، وأنت لم يمض على تخرجك سوى شهور
فقط.. وكان حريا بك أن تواصل الصمود إلى أن تجد العمل اللائق الذي يحقق أمالك..
وتعبر فيه عن نفسك.. وكان الأفضل لو احتفظت بعملك السابق إلى أن تصل إلى شاطئ
الأمان، لكنك تسرعت.. ويبدو أنك لم تطق صبرا أكثر من ذلك. ولا أريد أن ألومك كثيرا
لأن كل إنسان أدرى بظروفه .. ولا يعرف الشوق إلا من كابده كما يقولون.. وأنت قد
کابدت الكثير ولا يجوز لمثلى أن يقسو عليك، لكني أقول لك باختصار إن هذا
"العمل" الذي تمارسه لا يليق بك.. ولا ينبغي أن يكون هو
"جائزة" رحلة كفاحك البطولية ثم إنه عمل مؤقت بكل معنی الكلمة لأنه
مرتبط باستمرار "متانة جسمك" وسلامة بنيانك.. ولا يعلم الغيب إلا الله،
وكما أنه بالتأكيد عمل يسيء إليك كخريج يرى أن مستقبله الطبيعي هو في العمل
بالتدريس وتربية النشء، فإذا كنت تعد نفسك حقا هذا العمل فسارع بإنقاذ نفسك منه
قبل أن تعتاد الجو الصاخب "اللذيذ" وتفقد روحك فيه.. وتصبح بعده غير
صالح لأي عمل جدي من الأعمال الحقيقية في الحياة، وتفضل بزيارتي لعلى أستطيع
معاونتك على الإفلات من الشباك " هذه الحياة.
· نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1986
برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر