القصاصة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1990

القصاصة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1990 

القصاصة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1990

النكد كلدغة الحية الرقطاء ليس لها دواء .. و الزوجة التي تختلق أسباب النكد لزوجها تحفر بيدها قبر زواجها وسعادتها الزوجية، ولا تستريح  قبل مواراتهما التراب .
عبد الوهاب مطاوع

أنا فى حيرة من أمري .. لا أعرف هل سأسرد لك قصة مكررة .. أم سأطلب منك نصيحة قد تكون ثقيلة على ضميرك .. إنني مهندس شاب نشأت على العادات والتقاليد المألوفة وقد أكرمني ربى بأن نشأت في أسرة و فرت لي ما يحتاجه الابن للزواج الكريم وأنعم الله علي بدخل شهري ليس بالقليل، ثم تعرفت عن طريق الأسرة بفتاة جامعية أعجبت بها لهدوئها وجمالها وزاد إعجابي بها لما سمعته عن أسرتها وأصالتها وتقدمت لخطبتها وقبلت، و لكن بمجرد إعلان الخطبة بدأ العناد والتكبر بل والتجبر من جانبها وزادت العصبية والتفوه بالألفاظ .. ثم لا تمضي لحظات حتى تندم وتعتذر ولحبي لها كنت أسامح .

 

 وتم الزواج للأسف وأقول للأسف لأنه معه تضاعفت معاناتي مع عنادها وأصبحت إذا قلت يمينا سارت يسارا ثم بدأ التطاول في لحظات الخلاف يصل إلى حد السباب والتشابك وكثرت الخلافات إلى درجة أن عمر زواجنا لم يزد على 8 شهور فقط ومع ذلك فان مجموع ما قضيته زوجتي في بيت أسرتها غضبى مني وهاجرة لبيت الزوجية 5 شهور على فترات متقطعة، ومع كل ذلك فالخلاف مصطنع وما أسهل تفاديه وكل ما في الأمر أني كرجل شرقي لا اسمح بالبنطلون اللاصق ولا بالفستان عاري الأكتاف ولا بالتدخين بالصورة المبالغ فيها، و لا أجد منها في هذا وذاك إلا العناد وأحيانا أغادر البيت إلى عملي صباحا ونحن على خير حال وأعود من العمل خالي البال فأجد البيت صامتا خاليا منها .. وأجد على مائدة السفرة بدلا من الغداء المعد والزوجة المستبشرة المنتظرة لزوجها قصاصة ورق صغيرة تقول لي فيها بكلمات متجهمة أنها غضبى مني ومن حياتنا الزوجية و أنها سوف تقيم عند أهلها !

 

 و هكذا مضت معظم شهور الحياة الزوجية إلى أن جاء يوم منذ فترة قصيرة وحدث خلاف جديد من خلافتنا العديدة وتصاعد سريعا فإذا بها ترفع يدها لتصفعني فلم أشعر بنفسي إلا وقد تحولت إلى شخص آخر يضرب في كل مكان وكل اتجاه، و أنا من لم يضرب أحدا في حياته وما تصورت يوما أن أمد يدي على أحد فما بالك بزوجتي، والغريب أنها بعد هذه العلقة لم تغضب ولم تترك بيت الزوجية كما حدث مرارا في مناسبات أقل من ذلك بكثير، لكنها حولت حياتنا إلى نكد مستمر ولم اعد احتمل هذا النكد .. وها أنا أقرر الطلاق فهل تنصحني به .. وإذا كنت لا تراه لي مناسبا وتنصحني بالصبر فما الحل لو رزقنا بطفل ؟

 

 

ولكاتب هذه الرسالة أقول : 

النكد كلدغة الحية الرقطاء ليس لها دواء .. و الزوجة التي تختلق أسباب النكد لزوجها تحفر بيدها قبر زواجها وسعادتها الزوجية، ولا تستريح  قبل مواراتهما التراب .. ونفس الحال بالنسبة للزوج إذا كان ممن يتفننون في اختلاق  أسبابه، وزوجتك فيما فهمت من رسالتك مدللة وقليلة الخبرة ولم تعتد بعد على التنازل عن إرادتها بسهولة استجابة لدواعي الحرص على استمرار الحياة الزوجية، وهذا التنازل ليس مطلوبا من الزوجة وحدها وإنما من كلا الزوجين فكل منهما مطالب بالتنازل عن إرادته في بعض الأحيان وإلا تحولت الحياة الزوجية إلى صراع إرادات و تشابك مستمرين، وزوجتك فيما أتصور لم تفهم تسامحك معها خلال فترة الخطبة على وجهه الصحيح .. وتصورت أن " الكرامة " هي أن تفرض إرادتها في كل ما تريد .. وهذا خطا كبير لأن التفاهم واستعداد كل طرف للتنازل عن بعض إرادته هما ضمان استمرار أي حياة زوجية، و لا يمكن أن تنجح حياة قائمة على قهر إرادة الطرف الآخر لأن الحياة الزوجية ليست عقد إذعان من طرف وإنما عقد مشاركة يتحمل فيه كل طرف مسئولياته وعلاقة تراحم و تعاطف متبادلين .

 

وأنت محق يا صديقي فى مطالبك منها وحتى لو لم تكن كذلك فلقد كان من الحكمة أن تستجيب لك فيما تطلب حفاظا على حياتكما المشتركة إذا أدركت انك لن تتنازل عنه ولن تسعد بغيره .. لكنها فيما يبدو لي لم تواجه إرادة أقوى من إرادتها عليها الالتزام بما لا تريده وحرصك عليها طوال فترة الخطبة واستعدادك الدائم للتسامح معها قد زادها اقتناعا بذلك، لهذا فقد صعقت حين فوجئت برد الفعل الطبيعي الذي كان عليها أن تتوقعه حين همت بصفعك وبدأت فيما يبدو تتعرف على حقائق جديدة عن الحياة مع هذه العلقة الساخنة بدليل أنها لم تسارع بمغادرة البيت وترك قصاصة جديدة، فانتظر قليلا إلى أن تتضح آثار هذا الدرس الجديد عليها – فإن وعت حقائق الحياة جيدا وعرفت أنه قد آن لها أن تعرف متى تتنازل عن عنادها حرصا على حياتها الزوجية فلا بأس من الاستمرار أما إذا عادت إلى طبيعتها سريعا واستسلمت مرة أخرى لشياطين العناد والتكبر والنكد .. فلا مفر من الانفصال في أول مرة تترك لك فيها قصاصة جديدة بلا أي سبب جاد يدعو إلى ذلك وفى كل الأحوال أنصحك بتأجيل الإنجاب عامين إلى أن تستقر " الأحوال الجوية " في بيتك .. وتتأكد تماما من أن فترة العواصف والزوابع الترابية وصراع الإرادات المألوف في بداية الحياة الزوجية قد انتهت إلى ما تريد ويطمئنك على مستقبل أيامك معها .

 ·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" أكتوبر عام 1990

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات