الأخطبوط .. رسالة من بريد الجمعة عام 1991
لا
أريد أن أطيل عليك وأروى لك قصتي أو تعاستي من البداية لكني سأكتفي بأن أتحدث عن
حالي الآن وهو الأهم ولا أريد منك ردا عاقلا فقط وإنما أريد ردا بالعقل والإحساس
معا بعد أن تتغلغل إلى أحاسيسي وشعوري .. فلقد فقدت من ألتمس عنده النصيحة التي
تنفعني لآخرتي .
فأنا
سيدة عمري 25سنة ومتزوجة من 3 سنوات ولا أطيق زوجي بل أكرهه كراهية شديدة ولا
احترمه على الإطلاق وفى أي وقت يمكن أن أتفوه بأي كلام ضده وأرجو ألا تتعجل في
الحكم علي فهو الذي أوصلني إلى هذه الحالة وهو الذي علمني كيف اشتم وكيف يجن جنوني
مثله بل وكيف أكون غير آدمية, فقد كنت مثل أي فتاة أريد لنفسي الزواج والهناء
والراحة لكنه علمني كيف اكره حياتي واكرهه .. فهو يخطئ في حقي مرارا وتكرارا وكلما
ضايقني وجرحني وبهدلني وجن جنوني وغضبت وطلبت الطلاق يتحول إلى إخطبوط يحيط بى من
كل الجهات ويتفانى في رضائي وإذلال نفسه لي حتى أرضى .. وأنا لا أريد أن أذل أحدا
لكني أريده فقط إلا يخطئ في حقي من البداية .. وأقول له دائما إن أهم شئ في الزواج
هو الاحترام وانه إن ضاع ضاع كل شئ .. ولكن هيهات فهو دائم الإهانة والشتائم لي
حتى توصلت إلى أسلوب جديد للتعامل معه هو أن أهينه أنا بصفة مستمرة لكي امنع عن
نفسي شتائمة وإهاناته لأني حين أكون في هذه الحالة الجنونية يتوقف عن اهانتي
وسبابى ثم أتذكر ربى واهدأ فيعود إلى العجرفة وطول اللسان من جديد فماذا أفعل؟
إن الحل الطبيعي هو الانفصال لكنه يرفض أن
يطلقني .. فهل أظل معتصمة ببيت أبي الذي لا يرى فيه شيئا مما أشكو منه لأنه أمام
أسرتي رقيق مهذب أم أظل أعامله بنفس الطريقة لأحجب شتائمه عنى, بالرغم من الحديث
الشريف الذي يقول لا تؤذين امرأة زوجها فى الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين
لا تؤذيه قاتلك الله هو عندك دخيل يوشك أن يفارقك إلينا, أو بالرغم من الحديث
الشريف الذى يقول ما معناه إن الله لا ينظر إلى امرأة لا تشكر لزوجها وهى لا تستغني
عنه, والحديث الذى يقول ما معناه إيما امرأة طلبت من زوجها الطلاق من غير بأس
فحرام عليها رائحة الجنة.
إنني
اقسم لك يا سيدي انه لو كان رضاي بزوجي وطاعتي له حتى في غير حق له هو الطريق
السليم إلى الله لاخترت الرضا به وطاعته لأني أخاف ربى خوفا شديدا ولكنى أريد
الصواب .. فهل الصواب هو أن أعاشر زوجا لا يعرف ماذا يريد ولا توجد عنده كرامة
ويرفض أن يطلقني ويرفض أن يحسن معاملتي ويريحني في حياتي؟ وإلى متى سيظل قانون
الأحوال الشخصية كما هو لا يعطى المرأة حق الطلاق إلا بعد عذاب وهوان مما يتنافى
مع الدين.. هل ينتظرون أن تقتل كل الزوجات المعذبات أزواجهن؟
ولكاتبة هذه الرسالة أقول:
الحق
والواجب متلازمان دائما يا سيدتي ولا ينفصلان وأول حقوق كل طرف من أطراف العلاقة
الزوجية يرتبط بواجب مساو له بالضبط وهو حسن معاشرة كل شريك لشريكه.
ومن
حسن المعاشرة تبادل الزوجين احترام كل منهما للآخر وبعد كل منهما عما يمس شخص
شريكه ومشاعره.. والاقتراب من كل ما يرضيه ويسعده ما لم يتعارض مع نواهي الدين
والأخلاق.
وبعيدا
عما يتفنن كتاب الغرب المعاصرون في الحديث عنه من حقوق للزوجة فان بعض الفقهاء لا
يرون حسن المعاشرة مقصورا فقط على احترام كل طرف للآخر ومحاولته إرضاءه والابتعاد
عما ينفره وتبادل احترام الرأي والعطف والتسامح ولطف الحديث.. بل أنهم يضيفون إلى
هذه الواجبات واجبا آخر هو "إشاعة الأنس" والبهجة فى حياة الآخر والبعد
عن أسباب الشقاق والكآبة!
ولا
يتفق كل ذلك مع ما تردت إليه العلاقة بينك وبين زوجك بغض النظر عمن كان البادئ
بهذا التدهور والانحطاط. ومع ذلك فإن مسئولية الزوج دائما أكبر فى المحافظة على
احترامه فى عيون زوجته.. ولا يتحقق هذا الاحترام بالتطاول على الزوجة واهانتها..
كما أن تصرف الزوجة الصحيح في هذه الحالة لا يكون بمبادلته البذاءات والتجريح كما
انجرفت أنت إليه ولا يكون باعتماد وسيلة "الهجوم خير وسيلة للدفاع" كما في
الحروب وإنما يكون بالكف عن ملاحاته ومجادلته في لحظة حمقه لتفادى الانفجار.. وحتى
لا يتمادى في الحماقة ويقترب من دائرة التجريح والاهانة.. ثم يحق لها بعد أن تهدأ
الأعصاب أن تلومة وتطالبه بعدم العودة إلى هذا السخف مرة أخرى ولها ان تهدده
بمغاضبته بل وبمطالبته بالطلاق إذا عاد إلى ما تكرهه منه. فإذا استمر ولم يفلح
تدخل الأهل في إقناعه بالعدول عن طريقته .. كان لها أن تطلب الطلاق وتتمسك به إذا
اقتنعت صادقة بأن هذا العيب الخلقي أصيل فيه ويتعذر علاجه وإصلاحه .. وإذا وازنت
بين الطلاق وبين الاستمرار مع محاولة الإصلاح وتوصلت إلى استحالة العلاج. أما أن
يتراشق الزوجان بالكلمات النابية.. أو أن يكون احدهما كزوجك منفلت اللسان دائم
التجريح والاهانة فإذا قوبل بمثل ما ينطق به سكن وخنع واسترضى وما أن تمر الأزمة
بسلام حتى يعود إلى طبيعته الأولى بلا تغير ولا استفادة من الدروس.. فلا.. وألف لا
ما لم يترتب على الطلاق ما هو أكثر ضررا من احتمال معاشرة هذا النوع من البشر
واقصد بالطبع مستقبل الأبناء الأبرياء الذين لا ذنب لهم فى حماقة أحد الأبوين
وشكراّ..
· نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" أكتوبر عام 1991

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر