ينبوع الحنان .. رسالة من بريد الجمعة سنة 1995
لن نجد سعادتنا مع
من نكرهه في أعماقنا ويمثل لنا النقيض في كل شئ وتتنافر طباعه مع طباعنا.. فهذا
الزواج محكوم عليه بالفشل مقدما .
عبد الوهاب مطاوع
أكتب لك هذه
الرسالة بعد أن نامت ابنتي الصغيرة التي تبلغ من العمر 6 سنوات وقصتي يا سيدي
تبدأ منذ 7 سنوات عندما تزوجت من إنسان رائع أحببته من كل قلبي وأحبني وأغرقني في
فيض مشاعره وحبه .. لكن أسرتي عارضت هذا الزواج لأسباب تتعلق بها ولم أتوقف
عندها قليلا أو كثيرا ، وهذه الأسباب هي أن وسطه الاجتماعي أقل قليلا من وسطي
ولأن أسرتي أرادت لي الزواج من شخص آخر كان قد تقدم لأسرتي واقتنعت به لأنه
كما يقولون " مخربش " ويعرف كيف يتعامل مع الحياة والناس ، في حين
أن من أحببته كان يبدو في نظرهم إنسانا منطويا خجولا لا يعرف كيف يتعامل مع
الدنيا ولن ينجح في أن يحميني منها .. لكني رغم ذلك تمسكت به ووجدت فيه ضالتي
.. فهو رقيق المشاعر .. طيب سريع التنازل عن حقه لكيلا يغضب أحد منه حريص على
الناس حتى لو أساءوا إليه .. كنت أحس انه جاء إلى هذه الدنيا خطأ .. فهو لا
يعرف أي شىء عن طبائع البشر، ويصدق كل كلمة تقال له .. ويتعامل مع الناس
دائما بحسن نية ، وأشعر انه حين يعود من عمله إلى البيت كأنه يريد أن يحتمي
بصدري من الفظائع التي يراها في مقر عمله أو في الشارع .. فكنت أضمه إلي حتى
يخلد إلى السكينة .. فينفجر ينبوع الحنان من قلبه وكان ذا قدرة عجيبة
على العطاء والحنان .. وكنت أنظر إلى عينيه فأجدهما تطوفان في المكان
بحثا عني .. ولا تطمئنان إلا حين تستقران علي فأبتسم له .. فيبتسم ويشع سعادة
وحنانا .
وانقطعت عن أسرتي "بكل أسف" بسبب
زواجي منه وأسرتي ليست أمي وأبى فلقد توفيا رحمهما الله .. لكنها مكونة من عمي
وزوجته وقد ربياني و كانا رحيمين بى لكنهما اعترضا على زواجي وقاطعاني بسببه
فاضطررت لذلك راغمة .
ومضت حياتي سعيدة ..
وأنجبت طفلة اكتملت بها سعادتنا .. ولن أنسى ما حييت حنانه وإشفاقه علي خلال
فترة الحمل .. وكان يتصور أن أية حركة أؤديها خلال الحمل ترهقني وتؤذى الجنين
.. فيطلب مني ألا أفعل أي شىء .. فأضحك وأهون عليه الأمر فيزداد عطفا وحبا
.. أما لحظة الولادة فكانت لحظة تاريخية في حياتنا معا .. ولن أنسى ما حييت
رعبه حين جاءت لحظة الولادة فقد أشفقت عليه وهو يرتجف خوفا وهلعا علي ويتمتم
بآيات من القرآن الكريم وهو ينتفض فطلبت من الطبيب أن يخرجه من المستشفى كلها
وطلبت من أحد الأصدقاء أن يصحبه إلى البيت وألا يعيده إلي إلا بعد أن يأذن
الله ، وحدث ذلك بالفعل وجاء زوجي المحبوب ليحمل طفلته ودموعه
تهطل كالمطر حبا وإشفاقا .
وعشنا أياما سعيدة
بعد أن انضمت إلى عش حبنا ابنتي الوحيدة .. ولم يتغير شىء في حياتنا سوى
أن زوجي قد أفرغ فائض حبه وحنانه على ابنته ، وأن ابنتي قد شاركتني في حبه وتعلقت
شديدا كأنها "اكتشفت" بإلهام من الله نوعيته وأنه نوع من البشر خلق
ليحبه الآخرون حتى ولو اختلفوا معه .
لم يكن يزعجني شىء
إلا أني فقط كنت أريد له ألا يلتصق بي تماما لكي يستطيع مواجهة الحياة إذا
فصلت بيننا الظروف لأي سبب أو لأي فترة زمنية بسبب السفر أو المرض..
الخ .. وكان يحاول جاهدا إرضائي لكنه كان يعود إلي مرة أخرى فأقول في نفسي
" آه يا طفلي الصغير .. إنك لا تريد أن تبعد عني " و أضمه إلى
صدري .
ومضت الحياة جميلة
نشترك في كل شىء .. و نعمل كل شىء سويا ونشترى أشياءنا معا .. ونذهب إلى
العمل معا ونعود معا .. ونزور الأقارب عند الضرورة معا .. يشترى لي ملابسي ..
وأشترى له ملابسه ، إلى أن جاءته فرصة للسفر إلى الخارج في رحلة عمل تابعة
لعمله .. فكاد يرفضها لأنه لا يريد أن يبعد عنى أو عن ابنته لمدة أسابيع ..
فضغطت عليه لكي يقبلها .. ولكي لا تضيع هذه الفرصة ومضيت أشجعه واعد له حقيبة
السفر وأكتب له قائمة المشتريات التي أريدها لي و له ولابنتي ..
وهو خائف .. يرتعد وكلما اقترب يوم السفر يزداد هزالا ورعبا كأنه مقدم
على خوض معركة وأنا أطمئنه وأداعبه وأقول له أني سأعد الأيام على عودته .
ثم جاء موعد السفر فقبلني وضمني إليه طويلا
وهو يبكي وقبل ابنته وضمها طويلا إليه .. ثم خرج ودموعي تودعه ، وسافر للخارج ، وشاءت إرادة الله
ألا يعود فتوفي هناك في حادث سيارة كان مع زملائه في طريقه لزيارة أحد
المصانع فوقع حادث للسيارة فأصيب كل ركاب السيارة بإصابات عادية أما هو فقد
اختاره الله إلى جواره ولا راد لقضائه .. فهذه إرادة الله ، وبدأت متاعبي
وآلامي ..وعادت أسرتي للاتصال بى من جديد ورعايتي .. لكني وجدت الحياة تختلف
تماما عن الحياة التي عشتها طوال السنوات السبع الأخيرة .. و لن أقول أني
حزنت عليه حزنا شديدا لأني واثقة انك تحس بذلك الآن .. لكني سأقول لك أنني
كنت ومازلت أعيش مع طيفه حتى الآن كأني في انتظاره أن يعود إلي من رحلته ..
أذهب إلى عملي فأتلفت حولي .. باحثة عن عينيه اللتين كانتا تطوفان حولي باستمرار
.. وأعود إلى بيتي فأتخيله قلقا ينتظر عودتي ولا يطمئن ولا يستقر إلا حين
يراني .. أمضى الأمسيات أمام جهاز التليفزيون فأغيب عما أراه و أرى وجهه
الرقيق المتعب دائما كأنه يحمل فوق صدره خطايا البشر ينظر إلي بإشفاق كأنه
يقول لي " أنا زعلان منك لأنك تهملين صحتك " فتغرورق عيناي بالدموع
واحتضن ابنتي كأني احتمى بها مما أعانيه.
وهنا تبدأ مشكلتي وهى المشكلة الأزلية ..
فابنتي تبكي كل يوم وكل ليلة لأن " بابا " لم يعد من السفر حتى
الآن .. وأنا حائرة لا أعرف ماذا أصنع لها .. و قد جربت كل الحيل بلا فائدة
.. و فكرت أن أكتب إليها رسائل باسمه من الخارج كما رأيت في بعض الأفلام لكن
لا شىء ينسيها أباها .. وقد ضاعف من آلامي أن ظهر في حياتي الشخص "
المخربش " الذي تقدم لخطبتي قبل زواجي وراح يطاردني بإصرار وعناد لأتزوجه مرة
أخرى تسانده أسرتي التي عدت إليها ، ورفضته مرارا ..فازداد ضغطا علي .. وكلما
فكرت مجرد تفكير أن أقبل عرضه أجد نفسي تفزع من فكرة أن " أحل "
هذا الإنسان الشرير " المخربش " محل ذلك الإنسان الملائكي الرقيق
خاصة أنه يطلب طلبا قاسيا هو أن اترك طفلتي لحضانة عمي وزوجته لأتفرغ له ، و
هو لا يريد أن يتركني في حالي فيذهب إلى مقر عملي ويشيع إنه خطيبي وحين أرفض
عروضه .. يلاحقني بالأقاويل لأسرتي ويطلب منها الضغط علي لكي تتوقف هذه
الأقاويل عني .. وأنا حائرة لا أعرف ماذا أفعل .. ولا أجد من أبثه همومي
.. وأفكر أحيانا في الاستسلام لهذا الوحش وقبول الزواج منه .. لكن كيف استطيع
أن أتخلى عن جوهرة حياتي وهى ابنتي .. وأفكر أن أعيش لابنتي وأن أكيف حياتي
على الوحدة بعد أن ذقت السعادة انهارا مع زوجي الراحل .. لكن هذا الشخص الذي
تتجمع فيه كل شرور الدنيا لا يدعني لحالي .. فماذا أفعل وبم تنصحني .. هل
أقبله زوجا .. وأضحى بابنتي ؟
ولكاتبة هذه الرسالة أقول لها باختصار:
لا تستسلمي لرغبة
هذا الشخص في الزواج منك وإبعاد ابنتك عنك لأنك لا تحبينه ومازلت تعيشين
حبك لزوجك الحالم الذي مر بالحياة كأنه طيف جميل عبر بها و ترك وراءه أجمل
الذكرى .. ولن تجدي السعادة بعد هذا الزوج الحالم مع زوج " مخربش "
يمثل بالنسبة لك النقيض في كل شىء ومن الواضح أن نمط هذه الشخصية لا يلائمك
لأنك أنت أيضا شخصية رومانسية حالمة .. وسوف تموتين كل يوم ألف مرة مع مثل
هذا الزوج الفظ .. كما انك بالتأكيد لن تجدي السعادة مع زوج لا يقدر مشاعرك
كأم ويشترط أساسا إبعاد طفلتك عنك في مثل هذه الظروف المأساوية التي تعيشينها
.. ولو سألتني الرأي فإني أنصحك بألا تتزوجي ممن تكرهين .. لأن مثل هذا
الزواج محكوم عليه بالفشل مقدما ، وأنصحك بأن تنتظري قليلا إلى أن تلتئم
جراحك ثم تزوجي بعد ذلك من تجدين في نفسك الميل والارتياح له و لن تجدي مثل هذا
الميل إلا تجاه شخص لا تتنافر طباعه تنافرا تاما مع زوجك الراحل .. وعموما
فإن الزمن يصنع الأعاجيب و لسوف تعبرين هذه المحنة بسلام إن شاء الله وستجدين
من يضمد جراحك و يعيد السعادة إلى عشك القديم بشرط ألا تتعجلي الأمور ، أما
ابنتك المسكينة .. فضاعفي من رعايتك وحنانك لها .. ولا مفر من أن " تسربي
" إليها الحقيقة المرة على جرعات وبالتدريج إلى أن تعرف الواقع
المؤلم ثم تنسى بعد حين بقلوب الأطفال ما يدمي قلوب الكبار .. والله معك
ومعها في أيامكما القادمة .
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر