القصة الشائعة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1997

 القصة الشائعة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1997

القصة الشائعة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1997

 

أنا سيدة عمري 38 عاما زوجة وأم لثلاثة أطفال أكبرهم في الثامنة من عمره و أصغرهم عمره أكثر من عام قليلا، ورغم الحمل و الإنجاب فمازلت في ريعان شبابي حتى لا يكاد يصدق أحد أنني أم لثلاثة أطفال، وقد التقيت بزوجي في المستشفي الذي كنا نعمل به معا في إحدى مدن الجنوب، و كنا زميلين في المهنة، فأنا طبيبة لكني اعتزلت العمل منذ اليوم الأول لزواجي منذ 11 عام، و تفرغت لزوجي و بيتي، و أنجبت طفلي الأول ورضيت عن نفسي وزوجي وبيتي ومضت السنوات بنا عادية إلى أن أتممنا عامنا التاسع، و حملت مرة أخرى لأنجب لطفلي شقيقا أو شقيقة، و اقترب موعد ولادتي التي تقرر أن تتم بعملية قيصرية بعد أن تبين حملي بتوأم، فإذا بزوجي يكلف بالسفر في مهمة علمية بأحد المؤتمرات بالخارج، فرتب لي دخول المستشفي لإجراء الجراحة القيصرية، و طلب مني ألا أغادر المستشفي إلي بيتي بعد الجراحة، و إنما إلى بيت احدي قريباتي لكي ترعاني عقب الولادة، و تمت الولادة بسلام وخرجت إلي بيت قريبتي فأمضيت به بضعة أيام، ثم عرفت فجأة أن زوجي قد رجع من السفر و لم يتصل بي، واتصلت أنا به فاعتذر بأنه لم يرجع إلا منذ ساعات و بأنه كان على وشك الحضور إلي،
ثم طلب مني البقاء في بيت قريبتي بعض الوقت حتى أسترد صحتي، لكني لم استرح لهذه الرغبة من جانبه وحزمت أمري علي الفور وجمعت ملابسي و حملت أطفالي و رجعت إلي البيت، فإذا بزوجي يستقبلني بضيق شديد ويسألني عما جاء بي، وابتلعت المقابلة الفاترة بجهد جهيد وحاولت تفسيرها بإجهاد السفر أو تغير نفسه تجاهي بعد إنجابي لطفلين توأم سوف يشغلاني عنه بعض الوقت، وحاولت رغم ذلك إرضاءه بشتى الطرق لأنني أحبه وقد سامحته من قبل كثيرا على أشياء مماثلة، لكن تصرفاته ازدادت سوءا في الأيام التالية فازداد إهمالا لي و لأطفاله حتى لم تعد بيني و بينه صلة سوى ما يتركه لي من نقود، و لاحظت أيضا أنه لا يهتم بنا جميعا، ولم يعد يشغله شئ سوى شراء ملابس جديدة له كل حين، وقدرت أنها ربما تكون حالة طارئة وسرعان ما تختفي فحاولت التقرب منه أكثر، فوجدته يتهرب مني باستمرار، وابتذلت نفسي و كرامتي كامرأة في التودد إليه أكثر وأكثر، ففوجئت به يقول لي إنني جميلة جدا لكنه للأسف لا يستطيع أن يتقرب مني لأنه مل الحياة معي ويريد الانفصال عني ليبدأ حياة جديدة وعاتبته في ألم على ما قال وسألته كيف طاوعه قلبه على أن يقول أو يفكر في هدم البيت بعد 11 عاما من الزواج وبعد إنجابنا لثلاثة أطفال يحتاجون إلى أبيهم وأمهم و رجوته أن يعيد التفكير في الأمر وألا يتخذ قرارا يندم عليه فيما بعد.


وتركته لنفسه بعد ذلك مع قيامي بكل واجباتي كزوجه وربة بيت تجاهه، فتمادى هو في البعد عنا إلى ما لا نهاية و تركنا للقيام برحلة لمدة 10 أيام خارج المدينة التي نعيش بها، ثم رجع من سفره وهو أكثر فتورا وجفاء ولا يريد أن يراني أو يرى أطفاله، وبحثت وراءه لأعرف سر هذا التغير الكبير، فعرفت أنه قد تعرف بزميلة جديدة في نفس المستشفي منذ فترة وأنه قد ارتبط بها، وحاولت إنقاذ بيتي وأطفالي من الخطر الذي يتهددهم، فاتصلت بمدير المستشفي الذي يعمل به زوجي وكنت أعرفه منذ فترة عملي السابقة معه وشكوت إليه مما أعرفه فأجابني مندهشا بأن كل من في المستشفي يعرفون هذه القصة الشائعة فكيف لم أعرف بها إلا الآن، واستجاب الرجل لرجائي له لمحاولة إنقاذ بيتي وإبعاد زوجي عن هذه الزميلة، فقرر ندبه للعمل لبضعة شهور في مستشفي بمدينة أخرى قريبة، ومع أن هذا الندب كان يوفر لزوجي استراحة مستقلة تسمح بإقامة أسرة، فلقد رفض بإصرار الاستجابة لإلحاحي عليه بأن يصطحبنا معه إلي هذه المدينة الأخرى خاصة وقد كنا في أجازة المدارس الصيفية بالنسبة لطفلي الأكبر، وتمسك بالسفر إليها وحيدا تاركا إياي وأطفاله في مدينة لا أهل لنا فيها ولا أصدقاء سوى قريبتي التي أشرت إليها من قبل.
وسافر زوجي إلي مقر عمله ورجع منه وهو أكثر جفاء وقسوة معي، فلقد أحس بأنني كنت وراء هذا الانتداب الذي أبعده عن حبيبة القلب بضعة أسابيع، واستدعي قريبتي وزوجها وحاكمني أمامها بتهمة إفشاء الأسرار العائلية إلى رئيسه في العمل و استعدائه عليه، مع أن الرجل لم يفعل ما فعل إلا بإحساسه كأب تجاه الخطر الذي يهدد أطفالي وانتهت جلسة المحاكمة إلي إدانتي بالخطأ المشهود وهو نقل الأسرار العائلية إلي محيط العمل و الزملاء، مع أن القصة كانت علي كل لسان في مكان العمل منذ البداية.
ورغم ذلك فقد تحملت وواصلت الحياة معه علي أمل الإصلاح وزوال هذه الغمة، فإذا بي أسمع زوجي الحبيب يتحدث همسا ذات ليلة في التليفون إلي شقيقه عن خظته لطردي من البيت وإجباري علي تركه باختياري، ولمست بعد ذلك بالفعل هذه الخطة، ولم تكن تزيد عن ضربي كل يوم ضربا مبرحا بلا مبالاة لصراخ الأطفال و بكائهم وفزعهم، ثم الخروج بعد ذلك مباشرة للقاء حبيبة القلب أو الاتصال بشقيقه ليروي له ما فعل !


وكانت النتيجة هي أن عجزت عن تحمل عناء هذه الخطة بعد فترة قصيرة ليس من أجلي وإنما من أجل الأطفال الصغار وبكائهم المستمر وفزعهم مما يرون ويسمعون، فما أن غادرت البيت ورجعت إلي أهلي، حتى قام زوجي بتغيير كالون الباب ورفض أن يسمح لنا بأخذ أي شئ من البيت، وتو
قف عن إرسال أية نقود لي.
وبعد عودتي لأهلي ومدينتي القديمة عشت في انتظار حل من السماء لمشكلتي مع زوجي لعدة شهور، ثم مرض أحد أطفالي ذات يوم فاصطحبته إلي المستشفي المجاور وجاء الطبيب الأخصائي ليفحصه فإذا به يتهلل عند رؤيتي ويرحب بي بحرارة شديدة وإذا بي أكتشف فيه زميلا سابقا لي في أول مستشفي عملت به قبل زواجي، وتذكرت كيف كان هذا الزميل يحاول دائما أن يتقرب مني وكيف تقدم لخطبتي من أهلي، فرفضه أبي وقتها للأسف لأنه كان على وشك السفر للخارج للحصول علي رسالته العلمية، ولم يكن أبي راغبا في سفري، فجاءني هذا الزميل مودعا ومؤكدا لي أنه كان يتمني صادقا أن يرتبط بي لولا رفض أبي، ثم سافر إلي بعثته، وتعرفت أنا بعد ذلك إلي زوجي وأحببته و تزوجته.
وفي موعد الاستشارة التالي وجدت هذا الزميل يحاول أن يحدثني عن الماضي ويقول لي أنه قد عرف بكل ما حدث لي مع زوجي ويطلب مني الحصول علي الطلاق منه لكي يتزوجني لأنني كما قال مازلت فتاة أحلامه التي تمناها لنفسه منذ 12 عاما و مازلت محتفظة بجمالي ودماثة خلقي ولسوف يكون أبا رحيما بأطفالي وزوجا سعيدا بي.
وراح هذا الزميل يلاحقني بعد ذلك في كل مكان، ويسمعني من الكلام ما كنت أتمني أن أسمعه من زوجي ووالد أطفالي بالرغم من تهربي منه وامتناعي عن الرد علي التليفون في البداية، لكن ماذا أفعل يا سيدي والنفس تميل لما يرضيها ويمسح جراحها، ويعيد إليها الثقة المفقودة في بعض الأحيان؟
لقد بدأت رغما عني أشعر بهذا الزميل القديم، وأخشى الآن أن أفقد مقاومتي معه وأحاول الحصول علي الطلاق لأتزوج ممن يتمني مجرد النظر إلي، لكن الشقاء كله في أطفالي الذين لا أستطيع البعد عنهم ولا أعرف كيف سيكون مصيرهم مع أبيهم، ولست أريد لهم إلا السعادة والاستقرار، وكلما فكرت في أمرهم شعرت بالرغبة في أن أرجع إلي بيت الزوجية ولأرتمي في أحضان زوجي وأعيش معه في سلام لنربي أطفالنا وأطلب منه أن يحميني من خطرات النفس، وشرور الدنيا، لكن كيف السبيل إلي ذلك وزوجي غارق في العسل مع حبيبة القلب وقد خلا له و لها الجو بعد رحيلي !
إنني أرجوك أن تشير علي بما أفعل، وأن تكتب كلمة لهذا الزوج الشارد ليفيق من غفوته وينقذ أطفالنا من التمزق والضياع وهم الآن الأهم من كل شئ وشكرا لك ..

جميع الحقوق محفوظة لمدونة "من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"

abdelwahabmetawe.blogspot.com

 

ولكاتبة هذه الرسالة أقول :

أخطأت يا سيدتي حين اتصلت بمدير المستشفي وطلبت منه مساعدتك في أبعاد زوجك عن شريكته في القصة الشائعة بندبه أو نقله مؤقتا إلى مكان آخر، فمثل هذا التصرف لا يثمر عادة عودة الزوج الشارد إلى رشده كما هو الظن عند من يفعل ذلك، وإنما يؤدي غالبا إلي إمعان هذا الزوج في الشرود والمضي في طريق اللا عودة، ليس فقط لأنه يشعر بالحنق الشديد علي زوجته التي يعتبرها قد أساءت إليه في محيط عمله حتى ولو كان هدفها من ذلك حمايته من الانجراف إلي هاوية تدمير الأسرة، وإنما أيضا لأن مثل هذه الإجراءات الانتقامية تضفي علي القصة التي يعيشها الزوج وصديقته ظلالا رومانسية مغلفة بالشجن والإثارة الانفعالية التي قد تعمق العلاقة بينهما وتزيد من روابطهما معا وليس العكس كما يتصور آخرون.
فاضطهاد المجتمع المحيط لبطلي القصة العاطفية المماثلة قد يؤدي غالبا إلي توحدهما في مواجهة الخطر المشترك الذي يواجهانه معا وليس إلي انفصالهما واقتناعهما بخطأ ما يفعلان، وقد يضفي كذلك على كل منهما شيئا من إرهاب البطل الرومانسي الذي يغالب أقدارا أقوي منه تريد أن ترغمه علي التخلي عن حبه لكن هيهات أن يفعل أو يستسلم بعد كل ما تحمل من تضحيات غالية في سبيل هذا الحب العظيم.
ومادام الجميع قد تكتلوا ضدنا- هكذا يقول بطلا هذه القصة لنفسيهما غالبا- فلم يبقي لكل منا سوى الآخر ولابد أن نزداد تلاحما وارتباطا لمواجهة هذه الأقدار الظالمة وإلا ذهبت كل معاناتنا السابقة هباء.
ولا عجب في ذلك سيدتي فالإنسان يميل بالفعل في بعض الأحيان لأن يعتبر نفسه شهيدا لظروفه وأقداره التي يتوهم أنها غير رحيمة به، والضغط الشديد عليه في مثل هذه الظروف قد يستثير فيه إرادة التحدي والإصرار علي ما يفعل أكثر مما قد يرده إلي الطريق القويم، ولقد قلت مرارا أن أفضل ما تفعله الزوجة التي يخونها زوجها إذا كانت راغبة في استعادته وليس في الانفصال عنه، هو أن تتعامل معه بحكمة الأم التي تشفق علي ابنها من استمراره في الخطأ الذي يهدده بالدمار، وتأمل في عودته إلي الطريق القويم بإشعاره بالذنب تجاهها بلا صخب ولا ضجيج ولا استعداء للآخرين عليه فلا تقدم له المبررات النفسية التي ينقب هو عنها ليقنع نفسه بأنه لم يظلمها حين نقض عهد الوفاء معها، وإنما تتمسك دائما بأن تظل المثال الأخلاقي المناقض للمثال الآخر المغامر الذي لم ير ما يمنعه من التورط في قصة عاطفية غير مشروعة مع زوج وأب لأطفال صغار، وهذه المقارنة الصامتة في نفس الزوج والتي تزيد من معاناته مع الإحساس بالذنب قد تكفي وحدها في أحيان كثيرة لإرجاع ذوي الضمائر الحية والقلوب الحكيمة عن غيهم بعد إبحار قصير في بحر المغامرة، أما الحرب الشعواء الضارية علي الزوج الشارد فلا عائد لها غالبا إلا اقتناع الزوج بما يحاول أن يبرر به لنفسه منذ البداية أقدامه علي خيانة زوجته والارتباط بغيرها.


وعلي أية حال يا سيدتي فقد بلغت الآن مفترق طرق عليك أن تختاري من بينها ما ترين فيه صلاح أمرك وأمر أطفالك الثلاثة، فإما أن تراجعي حياتك مع زوجك وتحاولي اكتشاف الثغرات والأخطاء التي سمحت له بالشرود بعيدا عنك والارتباط بغيرك، وقد تسفر هذه المراجعة عن الاستعداد لإيجاد نقطة التقاء جديدة مع زوجك، واستئناف حياتكما الزوجية وتنشئة أطفالكما معا في بيت آمن مستقر، وقد تسفر أيضا عن تفهمك لبعض ما فاتك التنبه إليه في علاقتك بزوجك، فتتصلين به وتدعينه إلي كلمة سواء بينكما يعترف عندها كل منكما بما يتحفظ علي الآخر فيه ويعد بتغييره والتخلص منه، وقد لا يكون هذا الطريق مستبعدا رغم ظروف القصة الشائعة لأن تخلي زوجك عن أطفاله الصغار الثلاثة وعنك أيضا ليس بالأمر الهين حتى ولو كان يتوهم في غمار قصته الرومانسية الحالية قدرته عليه أو علي احتماله. وإما أن يكون زوجك قد حسم أمره نهائيا علي الانفصال عنك، واستكمال بقية فصول هذه القصة مع شريكته فيها بالزواج، وفي هذه الحالة فمن واجبه الأخلاقي أن يسرحك على الفور بإحسان وأن يكون عادلا معك ومع أطفاله فيؤدي إليك حقوقك كاملة ويتحمل مسئوليته المادية عن أطفاله وهم في حضانتك وقد يقبل بعد ذلك السماح لك باستمرار رعايتهم في حضانتك إذا تزوجت من زميلك القديم، ليس لأنه غير راغب في ضمهم إليه، وإنما لأن شريكته في الحياة الجديدة سوف يثقل عليها بكل تأكيد رعاية ثلاثة أطفال صغار بينهم توأم في عمر عام واحد وبضعة شهور! وبالتالي فقد يكون الحل الملائم لكل الأطراف في مثل هذه الظروف هو أن تستمري أنت في رعايتهم حتى بعد زواجك، وأن تتعاملي مع زوجك فيما يتعلق بشئون الأطفال بطريقة حضارية تسمح له برؤيتهم واستقدامهم إليه في الأجازات وزيارتهم في المواعيد الملائمة بلا مشكلات ولا منازعات يدفع الصغار ثمنها الظالم.
فإذا أصر هو علي أن يضمهم إلي حياته الجديدة عند زواجك فلا مفر من مواجهة الأمر الواقع وتحمل تبعات اختيار زواجك مرة أخرى بعد الانفصال عنه، ومع الأمل الدائم في أن تبرأ النفوس والتسليم بما جري من ضغائنها، فلا تسمحي لأية مرارات سابقة بالتأثير علي مصلحة هؤلاء الأطفال أو علي حقك في تبادل رعايتهم مع أبيهم وفقا للظروف المتاحة.
وليس الأطفال في تقديري هم المشكلة العاجلة التي تواجهينها الآن، وإنما المشكلة هي أنني أخشي أن يكون زوجك كبعض من يواجهون هذا الموقف فيرغبون غالبا -ولا أدري لماذا- ولكل شئ تبعاته و ثمنه دائما، في إنهاء الحياة الزوجية الأولي بلا خسائر مادية من أي نوع أو بأقل قدر ممكن من هذه الخسائر ليبدأوا حياتهم الجديدة في ظروف أفضل فيتعمدون إلي إساءة معاملة الزوجة حتى تهجر بيتها كما فعلت أنت، ثم يذرونها علي حالها هذه انتظارا لأن تطلب هي الطلاق منهم، فيكون شرطهم لذلك هو أن تتنازل عن حقوقها المادية لديهم! ولست أعرف شيئا أبعد عن العدل الإنساني والخلق القويم والدين الصحيح وأدني من الأنانية والفجور والروح المادية البغيضة من ذلك.


فإذا كان مفهوما أن تتنازل الزوجة طواعية وبلا ضغط عليها وبلا ضغط عليها من أي نوع عن هذه الحقوق أو بعضها لأنها هي الساعية إلي الانفصال والراغبة فيه، فكيف نفهم أن يتعمد ذو نخوة إلي إطالة فترة تعليق زوجته التي يرغب بالفعل في طلاقها ليتزوج غيرها بلا عشرة ولا طلاق انتظارا لأن تجئ المبادرة منها فيحق له أن يزعم أنها الساعية في الطلاق ويطالبها بالتنازل عن حقوقها لديه، كأنما كان ينافسها في مباراة معيبة للاحتمال والصبر علي هذا الوضع الشاذ حتى تضيق بها الحيل وترفع راية الاستسلام قبله!
وماذا ينتظر من يفعل ذلك لا أملا في الإصلاح ومراجعة النفس، وإنما لهدف وحيد هو التخلص من الأعباء المادية للانفصال حتى إذا خارت قوي زوجته قبله وطلبت الانفصال متنازلة عن حقوقها، كان انتصاره في مثل هذه المعركة انتصارا شائنا الهزيمة أشرف منه وأقرب إلي معاني الرجولة وتحمل مسئولية الإنسان عن أفعاله واختياراته في الحياة. بل وماذا ينتظر أيضا من يرضي لزوجته بمثل هذا الوضع لهذه الأسباب وحدها، إذا انهارت مقاومتها وهي مازالت تحمل اسمه أمام إغراء الكلام المعسول الجميل الذي تسمعه من غيره من الرجال في فترة مباراة الصبر إلي أن يستسلم الخصم بلا قتال ..
ألا يدفعني ذلك لأن أجازف بالقول أن مثل هذه الزوجة إذا أصابت إثما خلال فترة التعليق الطويلة هذه، فإن بعض إثمها علي زوجها الذي لم يصلح ما بينه وبينها، ولم يحررها في الوقت نفسه من ارتباطها به


إنني علي أية حال يا سيدتي لا أري أملا كبيرا في مناشدة أب لثلاثة أطفال أن يضع حدا لقصته الشائعة مع زميلته، ويستعيد زوجته ويستأنف حياته معها علي أسس جديدة تلبي له ما يريد منها، لأن من لا يؤثر فيه فراقه ثلاثة أطفال صغار أكبرهم في الثامنة من عمره، لن تؤثر فيه أغلب الظن كلماتي أو كلمات غيري، لكني ألمس من ناحية أخري في ثنايا كلماتك أنك ترغبين في العودة إليه ليس فقط بإحساس الأم التي ترغب في سعادة أطفالها، وإنما أيضا بقلب الزوجة التي لم تفقد بعد الأمل في زوجها ومازالت تحتفظ له بنصيب كبير من مشاعرها، ولا تتخيل رغم كل ما جرى أن تنطوي صفحتها معه علي هذا النحو، فإذا كنت قد بدأت كما تقولين تشعرين بصديقك القديم، فما حدث ذلك إلا تلهفا من النفس التي اهتزت ثقتها في جدارتها بحب الرجل علي أن تستعيد بعض هذه الثقة الهاربة منها، وإذا كنت قد بدأت تسمعين للكلام الجميل الذي يهمس لك به هذا الزميل القديم اعتقادا منك أن السماع فعل سلبي يلبي لديك احتياجا نفسيا وعاطفيا تفتقدينه الآن بالطريق المشروع وأن هذا الفعل السلبي لا يلزمك بشئ تجاه زميلك ولا يتعارض في تصورك مع وضعك كزوجة مازالت تحمل اسم زوجها، فدعيني أقل لك أن السماع في مثل ظروفك الحالية ليس مجرد فعل سلبي ولا يورطك في الخطأ كما تتصورين، وإنما هو فعل إيجابي مكتمل الأركان وشديد الخطورة عليك لأنه قد وضع أقدامك بالفعل ومن حيث تدرين أو لا تدرين علي خط البداية الذي إذا خطت عليه الزوجة تعذر عليها أن ترجع منه بغير أن تكابد إثم الاقتراب من حافة الخيانة، التي تبدأ دائما معنوية تكتفي بالسماع والصوت وعدم قطع الخيوط، وتتطور غالبا إلي ما هو أكثر من ذلك وقديما قال الفقيه المحدث أبو سفيان الثوري: إن أول العلم الصمت ثم الاستماع إليه ثم العمل به!
وأظن أن هذا هو أيضا نفس الشرك الخداعي للنفس الذي يمضي فيه الإنسان حين يسمح لنفسه بما يتصوره عملا سلبيا لا يورطه في الخيانة حتى ليحق لي أن أقول علي نفس هذا النهج: إن أول الخيانة السكوت علي محاولة الطرف الآخر الاقتراب منا رغم وضوح قصده، ثم الاستماع للكلام الجميل الذي يبثه في أسماعنا، ثم التأثر به!
فانقذي نفسك يا سيدتي من هذه الحافة الخطرة، بالاتصال بزوجك علي الفور وحسم الوضع كله حسما واضحا لا يدع مجالا لأي تأويل، وذلك بالعودة إليه والبدء معه من جديد بعد كل ما جرى، أو بفصم رباط الزوجية بينكما واختيار كل منكما لطريق جديد بعيدا عن الآخر ولا بديل لذلك، ولا عائد لإطالة هذا الوضع المعلق بينكما إلا تماديه هو في الخطأ.
واقترابك أنت أيضا من رماله الناعمة!

  ·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام1997

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات