البصمة القاسية .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992

 

البصمة القاسية .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992

البصمة القاسية .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992


أنا شاب عمری ۳۸ سنة ، أعمل مهندسا بإحدى الشركات العامة بالمدن الجديدة ، منذ بضع سنوات كنت في زيارة لصديق لي يعمل بالكلية التي تخرجت فيها فرأيت فيها إحدى الطالبات وأعجبت بجمالها وهدوئها واحتشامها فطلبت منها عنوان أسرتها لأزور والدها في أقرب فرصة وأعطتني العنوان .. وبعد أيام توجهت إلى المدينة التي تعيش فيها أسرتها وتبعد عن مقر عملي بمسافة متوسطة تقطعها السيارة في ساعة .

وقدمت نفسي لأبيها وهو من رجال التعليم وللسيدة والدتها وهي موظفة جامعية فوجدت لديهما علما مسبقا باسمي وسبب زیارتی ، وارتحت للأب والأم وللجو العائلي للأسرة وطلب الأب مني أن أكتب له اسمي وبیاناتي وأتركها له لكي يتحرى عني ، وبعد 15 يوما من الزيارة جاءني الخبر السعيد بالموافقة على إتمام الزواج فور أن تنتهي فتاتي من امتحان السنة النهائية بعد أسابيع .

 

وتزوجنا بعد تخرجها وسعدت بزوجتي وأقمنا في شقتي التي أمتلكها في أجمل موقع بمدينتي وأنجبت زوجتي لي طفلة جميلة تضاعفت بها سعادتی ، وبعد عام ونصف العام من زواجنا سافر صهري للعمل بإحدى الدول العربية .. وبعد سفره بقليل كنت مع زوجتي في زيارة لأسرتها ففوجئت بوالدتها تطلب مني أن أنقل حياتي إلى المدينة التي تقيم فيها الأسرة وأستأجر مسكنا بها وأتخلى عن شقتي التي اغتربت 3 سنوات عن مصر لكي أستطيع شراءها .

 وصدمت بالطلب وطلبت أن أسمع رأي زوجتي التي تشاركني حیاتی . ففوجئت بها تردد نفس الكلام بنفس المبررات بدعوى أن تعيش بالقرب من أسرتها ورجوتها ألا تتسرع في هذا الأمر الهام وأن تعيد التفكير فيه لأنه من الصعب علي أن أتخلى عن مسکني وأهلي وأغير حیاتي فجأة على هذا النحو، وطلبت منها أن نعود إلى بيتنا بعد انتهاء الزيارة كالمعتاد ، وأن ندع هذا الأمر للتفكير الطويل ، فتدخلت الأم وأعلنتني أن زوجتي لن تعود معي إلا إذا استجبت لهذا المطلب واستأجرت شقة بالقرب منهم ونظرت لزوجتي التي عاشرتها بالمعروف منذ تعارفنا , منتظرا منها ألا تتخلى عني ، ففوجئت بصمتها يخذلني .

 

وغادرت بيت أصهاری ومرارة الخذلان في صدري وتركت زوجتي وابنتي هناك في انتظار أن يعود صهري في إجازة نصف السنة الدراسية القريبة ليفصل بيننا بحكمته وعدله وخاصة أنني تعاملت معه منذ تعرفت عليه كأب .

وتدخل الأصدقاء من الجانبين لإقناع زوجتي بالتخلي عن فكرة السكن بالقرب من الأسرة والعودة لمنزل الزوجية دون جدوى ثم عاد الأب لمصر وتوجهت إليه وكلي أمل في أن يحسم المشكلة ويعيد الاستقرار إلى حياة الأسرة الصغيرة ، ورويت له كل ما حدث ففوجئت به هو أيضا يردد نفس كلمات الأم ، وبيت ذهولي وخيبة أملي تذكرت فجأة أن الأم قد روت فيما قبل أنها حين تزوجت صهري كان يقيم في مدينة تبعد عن أسرتها نفس المسافة تقريبا ، فنجحت بعد الزواج بقليل في أن تقنعه بأن ينقل حياته وعمله إلى مدينتها هي، ويترك مدينته وسكنه فيها وأهله لتعيش هي بالقرب من أهلها .

 

وتنبهت في هذه اللحظة إلى أن القصة القديمة تتكرر مرة أخرى بنفس التفاصيل ، مع اختلاف واحد هو أنني لا أرى سببا واحدا مقنعا لأن أتخلى عن حياتي ومدينتي وأهلي بها لأعيش في سكن بالإيجار في مدينة أهل زوجتي، وأدركت أنني كنت أطلب المستحيل من صهري حين انتظرت منه أن يحسم الأمر لصالحی وتولاني اليأس ورجعت إلى مدينتی وعملي حزینا واستمرت زوجتي وطفلتي في حياتها ببيت الأسرة ، ومضت الشهور كئيبة وفي إحدى الليالي اتصلت أم زوجتی بشقيقتي الكبرى لتبلغها بنبأ مزعج هو أن طفلتي التي تبلغ من العمر عامين فقط في حالة خطيرة بمستشفى الحميات، وتطلب منها إبلاغي بذلك وتهيئتي للموقف حتى لا أفاجأ إذا نزل عليها قضاء الله بين لحظة وأخرى ، وهرولت منزعجا إلى مدينة زوجتي وأسرعت إلى المستشفى لأجد طفلتي في غيبوبة وعلى رأسها کمادات الثلج وحرارتها ثابتة 40 درجة منذ عدة أيام ، واستفسرت والقلق يقتلني من الطبيب المعالج عن أسباب تأخر حالتها على هذا النحو ، وأجابني بأن السبب هو تأخير علاجها علاجا سليما عند بداية المرض - وتركها لمدة 3 أسابيع لعلاج طبيب امتیاز ليس له حق ممارسة العلاج - من أفراد الأسرة مما أدى إلى فشله في تخفيض حرارتها وتشخيص مرضها وحين أدرك خطورة الحالة أدخلها المستشفى بعد فوات الأوان .

 

 ولم اسمع باقي حديث الطبيب، وحملت ابنتي في صدري وكمادات الثلج فوق رأسها وأنا حريص على ألا تهتز خلال الطريق وسافرت فورا إلى القاهرة وعرضتها على أكبر أساتذة طب الأطفال وأدخلها كل منهم مستشفى يتعامل معه لإجراء كل الفحوص والأشعة لها ، إلى أن أظهرت الأشعة المقطعية والتشخيص السليم للمرض حاجتها إلى جراحة عاجلة في المخ . وأرسلني الطبيب الكبير إلى جراح المخ والأعصاب الشهير وأدخلت ابنتي مستشفى خاصا في مصر الجديدة وأجرى لها الجراح الكبير الجراحة واستخرج من رأسها صديدا ودما فاسدا تجمعا فيه بسبب إهمال العلاج السليم طول فترة ارتفاع درجة الحرارة ، وخرجت ابنتي من غرفة الجراحة إلى غرفة العناية المركزة لمدة 8 أيام طويلة ، ثم غادرتها بعد أن من الله علينا وعليها بالشفاء ، وإن كان المرض قد ترك لها ولنا بصمة قاسية لا ذنب لهذا الملاك الطاهر فيها وهي شلل الجانب الأيمن من جسمها وعدم القدرة على الرؤية والسمع ولا حول ولا قوة إلا بالله .

 

 إن القلب لیبکي علی حالها لكن ماذا نفعل أمام إرادة الله سبحانه وتعالى والأطباء يقولون لي إنها سوف تتحسن تدريجيا مع مرور الوقت . وأن الأمل كبير في وجه الله سبحانه وتعالى في أن تسترد عافيتها وما فقدت من حواسها باستمرار العلاج والعناية ، وإني لأكتب لك راجيا منك ومن قرائك أن تدعوا الله معي أن يمن على ابنتي بالشفاء التام إن شاء الله .. كما أكتب لك أيضا راجيا أن تخاطب زوجتي التي تقرا لك بانتظام لکي تدعوها لأن تتفكر بإمعان في مستقبل طفلتنا الوحيدة المعذبة هذه وأن تعود لمملكتها الصغيرة لنعتني معا بملاكنا الصغير ونصل به إلى بر الشفاء بإذن الله .. عسى الله أن يغفر لنا ما تقدم من ذنب وأن يرضى عنا ويأمر لوحيدتنا بالشفاء .. وشكرا لك مقدما .

 

ولكاتب هذه الرسالة أقول :

والله يا سيدي أنه لو كانت بينكما كل خلافات الدنيا وصراعاتها وليس هذا الخلاف التافه وحده ، ثم جرى لطفلتك البريئة ما جرى لها من إصابة الأقدار لكان حقا على زوجتك أن تنفض يدها من كل شيء وتهرع للعيش معك وللتعاون معك على رعاية هذه الطفلة المعذبة ومساعدتها على استعادة حواسها وصحتها !

و"المصائب تجمعن المصابينا" ، كما يقول الشاعر والملحن تؤلف بين النفوس المتغاضبة وتذيب الخلافات .. وأي محنة أشد إيلاما لأب وأم من محنة تعرض صغيرتها الوحيدة لهذا المرض القاسي ؟

ثم لماذا لا نحتكم دائما في أمورنا إلى المنهاج العادل الذي شرعه الله لنا، فنريح أنفسنا ونرضى بعدله وحكمه .

وقد قال جل شأنه "أسكنوهن من حيث سكنتم" ، ولو شاء سبحانه أن ينقل كل زوج حياته وعمله وسكنه إلى حيث تقيم أسرة زوجته ، لأمرنا أن نسكنهن حيث تقيم "أمهاتهن وآباؤهن" ، وليس ضروريا بعد ذلك أن

نعمر الأرض ولا أن نسعى وراء الرزق ولا أن تلحق كل زوجة بزوجها .. وتفارق أهلها كما هي سنة الحياة .

 

لقد نهى الله في هذا الشأن عن أمر واحد فقط هو أن يكون الانتقال بالزوجة إلى حيث ينتقل الزوج متعمدا منه بقصد الإضرار بها أو التضييق عليها أو تعريضها للخطر حتى تتنازل عن حقوقها لتنال الطلاق منه . وفيما عدا ذلك فسنة الكون هي أن تتبع المرأة زوجها إلى حيث يقيم وتتهيأ له سبل الحياة . والزواج عهد وميثاق على أن يتشارك الزوجان الحياة حلوها ومرها وأمنها وخوفها ، والعقد شريعة المتعاقدين ، والشرع الذي يبيح للزوجة أن تشترط على زوجها ألا يتزوج عليها بغير موافقتها لابد أنه يبيح لها بالضرورة ما هو أقل من ذلك شأنا . وهو أن تطلب منه قبل الزواج أن تعيش معه في مكان محدد بعيد أو قريب من أهلها وللرجل أن يقبل أو يرفض ذلك قبل الارتباط بها بالرباط المقدس، وبالتالي فلا حق لها في أن تفرض عليه بعد الزواج والإنجاب وتشابك خيوط حياتهما معا أن ينقل حياته إلى مكان آخر مادامت قد قبلت بظروفه كلها قبله .. ولي الذراع وترجيح المصلحة الشخصية الضيقة على مصلحة الأسرة كلها ومصلحة الأبناء على وجه الخصوص .. أنانية بغيضة لا تتفق مع روح المشاركة التي هي عماد الزواج وتخرج الزوجة عن طاعة زوجها التي أمرت بها فيما لا معصية فيه للخالق .

 

والمرأة حين ترتبط بزوجها برباط الزواج المقدس يرفع الله عنها ولاية أبوها عليها ويلحقها بولاية زوجها تقديسا لعلاقة الزواج وإعلاء لشأنها، وقصة المرأة التي استفتت الرسول الكريم في زيارتها لأبيها خلال سفر زوجها وكان قد أمرها قبل سفره بألا تغادر بيتها حتى يعود ، قصة معروفة ومروية في الكتب ، وقد أمرها الرسول بأن تطيع زوجها في ذلك فكيف يمكن تقبل خضوع زوجتك لأمها في هذا الأمر الغريب الذي يوافق هواها ؟

وكيف يسمح لها ضميرها الديني والأخلاقي بأن تمزق أسرة صغيرة لمثل هذا السبب وحده خاصة بعد محنة طفلتها الصغيرة ؟

يا إلهي .. ألا يكفي زلزال واحد عرفنا منه خلال دقيقة واحدة من عمر الزمان أنه لا قيمة لشيء في الوجود مقابل لحظة إحساس واحدة بالأمان والاطمئنان للغد ؟ ترى كم زلزالا نحتاج إليه لكي نتخلى عن كثير من غبائنا البشري وتعنتنا مع أنفسنا ومع أننا وحدنا على حق كل الحق .. والآخرون على ضلال أی ضلال ؟!

 

ثم ولمن ترق القلوب إذن ، إذا لم يرق قلب زوجتك لطفلتها الضحية فتعود إليها وإليك وتتعاون معك على رعايتها وتمريضها خاصة وهي لا تنكر عليك خلقا ولا سوء معاشرة ؟ وماذا تفعل إذن الزوجات

المجاهدات اللاتي يتحملن كل أنواع الأذى من أزواج جبابرة ومستهترين حرصا على سعادة أبنائهن واستقرار حياتهم ؟

لقد كان المفكر الفرنسي مونتسكيو يقول : إننا يجب أن نقنع بعض الناس بالسعادة التي بين أيديهم ويجهلونها بالرغم من أنهم يتمتعون بها.

ويبدو أن زوجتك تحتاج إلى هذا النوع من الإقناع الذي أرجو أن يتفتح له عقلها وقلبها قبل فوات الأوان .

 

 فعودی يا سيدتي إلى طفلتك وزوجك ولا تضاعفی من عذاب طفلتك وسوء مصيرها .. وكل شيء قابل للتفاوض بعد ذلك في ظل الوفاق والرغبة الصادقة المتبادلة في إسعاد شركاء الحياة .

 ولتكن طاعتك لزوجك في هذا الأمر العادل هو أول ما تتقربين به إلى الله، لكي يتم نعمته على طفلتك ويخفف عنها عناءها .. فكل شيء يهون - صدقيني - إلى جانب إسعاد هذه الطفلة التعيسة وما أنت مطالبة بشيء كثير من اجلها .. ولا أنت سترتادین الفضاء أو ستعيشين في الجوزاء .. وإنما على مبعدة ساعة واحدة من بيت أهلك وأسرتك .. فما أتفه التضحية ، إن كان ثمة تضحية هناك .. وما أنبل العطاء الذي ستقدمينه لطفلتك وزوجك ولنفسك حين تتقاسمون جميعا رحلة الحياة والأمل في الشفاء ... أتمه الله على طفلتك .. ورفع عنها كل بلاء .. والسلام  .

·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" أكتوبر عام 1992

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات