المشهد القديم .. رسالة من بريد الجمعة عام 1990

 المشهد القديم .. رسالة من بريد الجمعة عام 1990

المشهد القديم .. رسالة من بريد الجمعة عام 1990

ترددت أكثر من مرة فى الكتابة إليك .. لكن قراءتي لرسالتي "الحجرات الخالية" و"زهور الحياة" اللتين تتحدث فيهما سيدتان عن ذكرياتهما مع زوجيهما الراحلين, قد شجعتني على أن أروى لك قصتي, فمنذ سنوات كنت طالبة بكلية الهندسة وكنت كبرى أخوتي ومن أسرة ميسورة الحال .. فأقبلت على دراستي بحماس .. وفى السنة الأخيرة لفت نظري زميل لي شاب أسمر طويل أنيق طيب الخلق عذب الحديث .. لاحظت اهتمامه بى .. وقبل أدائنا امتحان البكالوريوس فاتحني برغبته فى الارتباط بى..وقال لي أنه من أسرة بسيطة, فوعدته بعرض الأمر على أسرتي, وفاتحت أمي قبل الامتحان بأيام وعرضت عليها الموضوع بأمانة فعارضت بشدة في ارتباطي به بسبب ظروفه, لكنها وجدتني أميل إليه .. فلم تصمد في معارضتها طويلا وأعلنت موافقتها. وتقدمنا للامتحان معاً سعيدين بما توصلنا إليه, ونجحنا معا وتقدم لأسرتي يخطبني .. واشترطت أمي ألا تطول الخطبة وأن يتم الزواج بغير إبطاء, وكان ذلك صعبا عليه لظروفه .. فساعدتنا أمي على الزواج بمالها وتزوجنا فى شقة صغيرة يمتلكها بحي شعبي .. ومضت أيامنا كلها سعادة وحب وتفاهم .. وعملت أنا وزوجي بكل طاقتنا لبناء حياتنا, وبعد عام من زواجنا رزقنا الله بطفلة جميلة أنستنا كل ما نعانيه من مشقة في كفاحنا بضحكاتها ومداعباتها .. ومضت حياتنا جميلة ناعمة .. وفى كل شهر نضيف إلى عشنا الصغير جهازاً كهربائيا نحتاج إليه, أو قطعة أثاث تنقصنا, وأنا أعمل بجد وزوجي يعمل بكفاح مستميت وليالينا كلها بهجة وصفاء وسرور مع ابنتنا الصغيرة .. وأثر الكفاح على زوجي سريعا فبدأ لون وجهه فى الشحوب, وأشفقت عليه مما يتكبده من عناء لإسعادنا, وطالبته بأن يريح نفسه قليلا وبألا ينسى أن لجسده عليه حقا .. فكان يعدني بذلك ثم يعود إلى دورة الشقاء مرة أخرى .. ويزاد لونه شحوبا, وخشيت عليه من الإرهاق المستمر, فطالبته بأن يعرض نفسه على الطبيب فوعدني ولم يفعل .. وألححت عليه كثيراً حتى استجاب لإلحاحي الدائم, وذهب إلى الطبيب وغاب عنده ساعتين ثم عاد ساهما واجما .. وسألته عما به فأجابني بأن الطبيب قد طمأنه إلى أن الأمر لا يعدو الإرهاق بسبب كثرة العمل, وأنه فى حاجه للراحة لعدة أيام .. واطمأن قلبي لكنى لاحظت عليه مرة ينظر إلى نظرات طويلة وعيناه ممتلئتان بالدموع, فإذا سألته عما به تضاحك وحاول أن يضحكني, فبدأ القلق يساورني بشدة لأنه من ذلك النوع النادر من الناس الذين يشركون الآخرين في أفراحهم ويستأثرون بأحزانهم لأنفسهم .. فكان يشركني معه في أفراحه ويحجب عنى دائما آلامه لرقة إحساسه ولرغبته الكامنة في إسعادي .. ثم زاد قلقي عليه حين لاحظت أنه أصبح يتردد بانتظام على الطبيب محاولا إخفاء ذلك عنى وصحته تزداد تدهوراً, فقررت أن أعرف حقيقة الأمر وانتظرت ذات يوم إلى أن خرج إلى موعد الطبيب وتتبعته بغير أن يراني لأعرف اسم الطبيب الذي يتردد عليه .. ورأيته يدخل عيادته, فعدت من فوري .. وفى اليوم التالي خرجت من عملي إلى عيادة هذا الطبيب وطلبت مقابلته وقدمت له نفسي ورجوته أن يخبرني بحقيقة مرض زوجي .. فرفض بإصرار وانصرفت محطمة .. لكنى عدت له بعد ذلك أكثر من مرة وألححت عليه باكية أن ينقذني من عذابي وأن يمكنني من مساعدة زوجي الذي يجنبنى مشاركته في آلامه,فتردد قليلا ثم صارحني بأنه مريض بمرض يصعب علاجه .. وأن الأمل الوحيد في شفائه هو معجزة إلهية .. فكدت أسقط على الأرض وتحاملت على نفسي وعدت إلى بيتي وأنا لا أرى الطريق .. وعشت مع زوجي ألاحظ شروده واستغراقه في التفكير ولا استطيع أن أحدثه عن مرضه .. وبعد شهور قليلة غاب عنى زوجي الحبيب إلى الأبد .. وتركني مع ابنتي وحيدتين في بحر الحياة .. وواجهت أقداري وعشت مع ابنتي الوحيدة فى بيتنا الصغير الذي رفرفت عليه السعادة 8 سنوات كانت هي أجمل سنوات العمر .. وذكريات زوجي العزيز تعايشني فى وحدتي وفى خيالي دائما, ومضت السنوات بخيرها وشرها وكبرت إبنتي والتحقت بكلية العلوم, وانتقلت في دراستها من سنة إلى أخرى بنجاح وأنا أرقبها بفخر وأرى فيها صورتي وأنا شابة في مثل سنها وكلى إقبال على الحياة وبراءة في المشاعر, حتى بلغت مرحلة البكالوريوس هذا العام, ثم اقترب الامتحان وفوجئت بها تعود إلى قبل موعده بأيام وتفاتحني بأن أحد زملائها يرغب فى الارتباط بها, وأنها تميل إليه وتطلب موافقتي لكي يتقدم لخطبتها بعد نجاحهما معا في البكالوريوس .. فإذا بى أغيب عن الحاضر بغته وأرى نفسي فى مثل موقفها .. وفى نفس الموعد قبل امتحان البكالوريوس بأيام وأنا أحدث أمي بنفس الحديث قبل أن تنتهي الدراسة ويفترق الزملاء وتفرق بينهم الحياة, ووجدت نفسي عاجزة عن أن أجيبها برأي وأرجوها إمهالي فترة للتفكير ووجدتني وأنا فى الخمسين من عمري أمام نفس القصة ونفس المشهد .. لنفس قصتي فتشرب من نفس الكأس التي شربت منها, وتواجه الحياة وحيدة بعد سنوات معدودة من السعادة ومازلت أفكر .. وأتمنى أن أقوى على الرفض, لكنى أخشى أن أعلن رفضي النهائي فأحطم بذلك قلبها وأحرمها من سعادتها ولو لسنوات قليلة من العمر .. إننى حائرة وتائهة فماذا أفعل؟

 

ولكاتبة هذه الرسالة أقول:

ليس في قانون الحياة يا سيدتي ما يفيد أن سوء الحظ ينتقل بعوامل الوراثة من الآباء والأمهات إلى الأبناء، ولو تكررت المصادفة مائة مرة فإنها لا تصنع قانونا يؤكد توارثه.
وحيرتك واضطرابك أمام رغبة ابنتك المشروعة في الارتباط بمن تميل إليه لا يمكن تفسيرهما بهذا الخوف عليها وحده من أن تتكرر نفس القصة, وإنما هو في ظني يختلط عندك بعوامل أخرى متشابكة قد يكون منها أن قصتك مع الزواج قد تشابهت بشكل أو بآخر مع قصة أمك معه لأنك لم تشيرى لأي دور لأبيك في زواجك وحياتك, ولو صح ذلك فإنه لا يكفى أيضا دليلا على صحة مخاوفك أو على معقوليتها .. فنحن نعيش حياتنا ونحن نعرف جيدا أن الله قد يستردها منا في أية لحظة, ولا يمنعنا ذلك من أن نحيا ونعمل ونقبل على الحياة ونحلم بالغد ونطمع دائما في رحمة الله.

وربما يكون من هذه العوامل أيضا أنك قد أفقت فجأة على الحقيقة التي تهزنا حين نكتشف بغير مقدمات أن دورة الأيام قد دارت, وأن صغارنا قد كبروا وأوشكوا على أن يكرروا قصة الحياة الأبدية .. فتشابكت عندك مشاعر الخوف من الوحدة الوشيكة مع قرب انفصال ابنتك عنك ومشاركة آخر لك فيها بمشاعر الخوف الإنسانية النبيلة التي لا أشك في صدقها من أن يصادفها سوء الحظ الذي صادفك.

 

وهذا إحساس إنساني مشروع .. وكلنا نرجو لأبنائنا دائما أن تعفيهم الحياة مما فرضته علينا من ضرائب وآلام.

لكن خوفنا على أبنائنا من حوادث الطريق مثلا, لا يعطينا الحق في أن نسجنهم فى البيوت حفاظا عليهم, وليس من حقنا أن نحرمهم من حقهم الطبيعي في أن يشاركوا في مباراة الحياة فيسعدوا أو يشقوا كلّ كما سُطرَ له فى اللوح المحفوظ لمجرد أننا نخشى عليهم معاناة الشقاء.

فتمالكي نفسك يا سيدتي .. وإحتفظي بخوفك النبيل هذا في حدوده الطبيعية مع التسليم دائما بأننا لا نملك لأبنائنا مهما فعلنا سوى الدعاء والأمنيات الطيبة بأن تكون رحلتهم في الحياة أقل مرارة من رحلتنا وأكثر سعادة.

وأنت قد أديت رسالتك على خير ما تستطيع أم مضحية مثلك أن تفعل .. فتفرغت لرعايتها وتنشئتها حتى استوت زهرة جميلة تتطلع لنصيبها العادل من السعادة .. أفإذا اكتمل نموها وتفتحت الوردة التي غرستها ورعيتها وحان قطافها يكون ذلك مبررا للاكتئاب بدلا من الفرح والسعادة؟

وإذا كان المشهد القديم قد تكرر فجأة أمامك, فاستدعى ذكرياتك الماضية, فلماذا لا تستدعين أيضا باقي تفاصيله فتستعيد ذاكرتك كذلك أن أمك لم تصمد فى معارضتها لرغبتك طويلا, وأنها سلمت برغبتك إكراما لك وساعدتك بمالها على إتمام زواجك ممن إخترت, وطلبت لك السعادة كما تطلبها كل أم لابنتها .. فلماذا لا تفعلين مثلها وتطلبين السعادة لأبنتك وتعينينها عليها, ثم تتوجهين بعد ذلك بالدعاء إلى الله بأن تكون ملاحتها فى بحر الحياة آمنه وهادئة وواعدة بكل خير وسعادة وجمال...

وهل تملكين لها مهما فعلت سوى ذلك؟.

رابط رسالة الغرف الخالية

رابط رسالة زهور الحياة

 ·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1990

شارك في إعداد النص / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

 


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات