الوقت المناسب .. رسالة من بريد الجمعة عام 1988
أنا شاب نشأت في أسرة من خمسة أفراد، عائلها أب مكافح يعمل فرانا في مخبز بلدي، ونعيش جميعا في غرفة واحدة لا نستطيع الدخول إليها إلا فوق قطع الحجر تسبح حولها مياه المجاري، وطوال حياتي كنت أعمل مع أبي لأسهم بقدر قليل في تكاليف الحياة.. فكنت أعمل في "السحلة" أي في تهوية الخبز الخارج مباشرة من فوهة الفرن، فكنت أمضي أول الليل في حمل طاولات الخبز من أمام الفرن لأضعها على الباب لكي تنفث بخار الماء الصاعد منها في الهواء الطلق، ثم أعيده إلى داخل الفرن بعد فترة، وكنت أحصل مقابل هذا العمل على مبلغ 250 قرشا كل يوم.. كانت ثروة كبيرة بالنسبة لي ولأسرتي.
وظللت أمارس هذا العمل حتى حصلت على الثانوية العامة، وبمجموع كبير أهلني للالتحاق بكلية الهندسة، ومازلت أعجب حتى الآن كيف كنت أستطيع أن أجد الوقت الكافي لمذاكرة دروس الثانوية العامة، لكن الله ييسر الأسباب حين يشاء وقد يسر لي أمري فنجحت وتفوقت رغم صعوبات حياتي، وفي السنة الأولى من التحاقي بالكلية عجز أبي عن مواصلة الوقوف أمام لهيب الفرن.. فتوقف عن العمل نهائيا لعجزه، وأصبحت أنا الشاب الذي لا يزيد عمره على 20
سنة العائل الوحيد لأسرتي، فأصبحت أعمل بعد خروجي من الكلية في الفرن حتى ساعة متأخرة من الليل، ولم أعد أعمل في "السحلة" لأن أجرها لا يكفي.. وإنما ترقبت وأصبحت "فرانا" يقف أمام فوهة الفرن ويقذف بقطع العجين داخله .. ثم يخرجها بعد وقت محسوب فيفتح عليها الرشاش وهو حنفية مياه تنفث ذرات الماء عليه لتبريده، ثم يزيحها جانبا ليحملها غلام السحلة الجديد.
وكنت أتقاضی مقابل هذا العمل 4 جنيهات كل يوم، كانت هي مورد أسرتي الوحيد.. وموردي كطالب هندسة.
ومرت الأيام بصعوبة شديد ووفقني الله في دراستي كما وفقني في عملي، فتخرجت من قسم الكهرباء بالكلية، وتفرغت تماما للعمل في المخبز، إلى أن يحل موعد تجنيدي وجاء الموعد فانقطع رزقي ورزق الأسرة اللهم إلا من بضعة جنيهات أعمل بها في أيام الأجازات، واضطررت خلال فترة التجنيد للاقتراض من معارفي وأصدقائي لتلبية مطالب الحياة لأسرتي، فخرجت من عام التجنيد مدينا بمبلغ رهيب هو ثلاثمائة جنيه! وبدأت رحلة البحث عن عمل بشهادتي فانضممت إلى نقابة المهندسين واستخرجت بطاقة العضوية، وصورت باقي أوراقي وتقدمت بها إلى كثير من الشركات التي قرأت في الإعلانات عن حاجتها لمهندسين .. لكن النتيجة دائما كانت واحدة وهي نعتذر لعدم الحاجة، ووجدت أسرتي ستهلك لو تفرغت للبحث عن عمل بالشهادة، فوضعت أوراقي كلها في كيس بلاستيك قديم وحفظتها تحت "حشية" الكنبة.
وأسلمت أمري إلى الله وقلت لنفسي إن العمل سوف يأتي وحده حین يرید لي الله ذلك، وعدت للفرن الذي كنت أعمل فيه فوجدت منصب الخباز مشغولا بآخر، لكن صاحب الفرن قبلني كموزع للخبز، أحمل الطاولة في الفجر وأذهب لتسليم الخبز إلى مطاعم الفول التي تفتح أبوابها قبيل الفجر، ورضيت بحالي، ولم أفقد الأمل في تحسن الأحوال، لكني تعرضت هذا الصباح لموقف جدد مواجعي فدفعني للكتابة إليك، فقد كنت عائدا في الخامسة صباحا من عند زبون، بعد تسليم الخبز.. فاعترض طريقي ضابط شرطة شاب أصغر مني سنا برتبة الملازم أول، ومعه عدد من الجنود واستوقفني ثم قال لي بجفاء : جاي منين يا ولد دلوقت، فقلت له بهدوء: كنت أوزع الخبز یا باشا فنظر إلي قليلا ثم سألني أين رآني من قبل.
ولم أجد جوابا لأني لا أعرفه فعلا ولم أره، لكن يبدو أن جوابي قد أثار شکه فأمر أحد جنوده بتفتيشي ففتشني، وأعطى محفظتي للضابط الذي فتحها ورأی فيها بطاقة نقابة المهندسين، فنظر إليها باهتمام ثم سألني بصوت مختلف أنت مهندس ؟ فقلت له نعم يا باشا وانتظر التعيين فأعطاني أوراقي وقال لي أتفضل مع السلامة .. وبدا لي أنه أحس بشيء من الندم على معاملته الجافة لي في البداية، فشكرته ومضيت في طريقي بعد أن ذكرني هذا الموقف المهين بأنني مهندس.
وأريد في النهاية أن أسألك ماذا يفعل شاب مثلي لا واسطة له لكي يجد العمل الذي يتناسب مع دراسته بعد كل هذا "الغلب" الذي عانيته طوال حياتي.
ولكاتب هذه الرسالة أقول:
يفعل ما فعلته أنت بالضبط يا صديقي، أي يقبل أي عمل بصفة مؤقتة خصوصا إذا كان في حاجة إلى عائده، إلى أن يأتي الوقت المناسب فيجد العمل الذي يتلاءم مع دراسته، ويستطيع أن يعبر فيه عن نفسه ويحقق أهدافه، ولكل إنسان وقت مناسب لابد أن تتحقق فيه أحلامه مهما تأخرت، فينال ما سعی من أجله ويبذل في سبيله العرق والدموع، فإذا كان لنا رجاء عند الله سبحانه وتعالى فهو فقط في أن يتحقق للإنسان ما يتمناه لنفسه في وقت لا يكون قد فقد فيه القدرة على الاستمتاع بثمار ما كافح طويلا من أجله، لكيلا تفقد الأشياء قيمتها وحتى لا تتكرر معه كلمة أوسكار وايلد الشهيرة.. من أن كل ما يتمناه المرء لنفسه قد يحققه لها.. ولكن غالبا ليس في الوقت المناسب!
أما ما عدا ذلك فسوف تتحقق الآمال دائما بحق ما قدمنا للحياة من عطاء، وبحق ما كافحنا وشقينا ولهثنا طويلا وراءها، فتأكد من ذلك دائما ولا تفقد إيمانك بنفسك، بل وفخرك بكفاحك النبيل .. وأسرع بالاتصال بي إذ يبدو أن الله سبحانه وتعالى قد أذن لهذا الوقت المناسب بأن يجيء، لأني أبحث منذ فترة عن مهندس كهرباء حديث التخرج تلبية لطلب صديق لبريد الأهرام فلا تتأخر .. وشکرا.
*تنويه هام
لقد تواصل معنا كاتب الرسالة بتاريخ 20 سبتمبر 2023 واخبرنا أن بعد نشر الرسالة طلب الاستاذ عبد الوهاب مطاوع مقابلته في مبنى جريدة الاهرام وقد وفقه الله بعدها عن طريق بريد الجمعة بالعمل في مؤسسة ظل يعمل بها حتى سن المعاش بدرجة مدير عام
· نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" في ديسمبر عام 1988
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي
برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر