حكاية قديمة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1988

 حكاية قديمة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1988

حكاية قديمة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1988

إن قوما في مثل ظروفنا الصعبة ينبغي عليهم أن يسابقوا الزمن ليحاربوا التخلف والفقر وصعوبات الحياة .. لا أن يحاول البعض أن يحرم مجتمعنا من جهده ومشاركته و علمه بحجة أن عمل المرأة حرام .. ونحن في حاجة إلى كل قطرة عرق .. و إلى ثمرة كل عقل لنغالب ظروفنا .. ثم كيف تكون العبادة حجة مقبولة لقعود الهمة والتوقف عن العطاء و العمل والكفاح .. وكتاب الله الذي بين يدينا يحث على العمل والسعي في الأرض .. ورسوله الكريم يأتي إليه قوم يقولون له إن فلاناً يصوم بالنهار و يقوم الليل و يكثر الذكر فيسألهم أيكم يكفيه طعامه ؟ فيقولون : كلنا ، فيقول لهم : كلكم خير منه !!
عبد الوهاب مطاوع

أنا يا سيدي أب قاربت سن المعاش لا دخل لي سوى مرتبي الحكومي ومورد آخر من عمل إضافي جاهدت في الحياة لتعليم ابنتي وقاسيت الكثير لتوفير الظروف الملائمة لتعليمها تعليما ًعاليا ً فأدخلتها المدارس الخاصة رغم ارتفاع رسومها .. وحرمت نفسي من ضروريات الحياة لأوفر لها الدروس الخصوصية حين بلغت مرحلة الجامعة لأنها اختارت فرعا صعبا وحديثا من فروع الدراسة ، هو شعبة الهندسة الطبية بكلية الهندسة .. وكانت الدراسة شديدة الصعوبة حتى ليستحيل بالفعل على كثيرين أن ينجحوا فيها بغير معونة الدروس الخصوصية ..

ويعلم الله كم تحملت لأفي بتكاليف هذه الدروس .. لكن الهدف كان يستحق المعاناة من أجله .. وكافأنا الله على صبرنا .. فكانت ابنتي عند حسن الظن بها ، وعلى قدر المسئولية فتخرجت من كلية الهندسة منذ عامين ، وحمدت الله كثيراً على ذلك وأحسست أني أديت واجبي تجاه أسرتي فلقد تخرجت أيضا ً ابنتي الصغرى متفوقة أيضا ً وعينت معيدة بإحدى الكليات ، وبدأت اطمئن للمستقبل فابنتي الكبرى لن تلبث أن تعمل بعد قليل لأن تخصصها حديث ومطلوب .. وخلال سنوات العمل الأولى تستطيع ابنتاي وهما تعيشان في كفالتي أن توفرا للغد ما تستطيعان به تجهيز نفسيهما حين يتقدم لهما صاحب النصيب ، وأستطيع أنا أن أؤدي واجبي معهما في حدود قدراتي واطمئن إلى أن كلا منهما قد استقرت في بيت زوجها وأن رحلتي قد أثمرت ثمارها الطيبة .

 

وبينما أنا في أحلامي السعيدة هذه فوجئت بما لم أكن أتوقعه من ابنتي المهندسة فلقد رفضت العمل بصفة نهائية وتحجبت ولزمت البيت تمضي ساعات الليل والنهار جالسة إلى جانب أمها .. ورفضت كل عرض قدم لها للعمل سواء في الحكومة أو القطاع العام .. هل تعرف لماذا يا سيدي ؟ .. لأن عمل المرأة حرام أيا كان نوعه ! ! وكلما سألتها عن حجتها في ذلك قالت لي " وقرن في بيوتكن " ! . . فأقول لها استكملي نص الآية لتعرفي أن المقصود بها أي عمل خارج عن الدين وأن النساء في الإسلام كن يساعدن الرجال في غزوات النبي والخلفاء الراشدين وكن يقفن ورائهم في المعارك ويحملن الماء إليهم ، وفتيات العالم الإسلامي يعملن ولم يقل أحد أن عمل المرأة حرام بصفة عامة .. فتقول لي " لكم دينكم ولي دين " .. ثم تمضي اليوم كله جالسة في البيت أو تلتقي بفتيات محجبات يقرأن القرآن معا ً في المساجد ، أو تقرؤه وحدها معتزلة في حجرتها ، وليس هذا مصدر الخوف .. لكن الخوف كله من أن تتحول الحياة إلى جلوس .. وكلام فقط ، والحياة عمل وعبادة ، والعمل عبادة أيضا ً ، وما يثير حنقي هو أني لو كنت أعرف اتجاهها إلى ذلك من البداية لوفرت على نفسي العناء الذي تحملته لكي أعلمها في الجامعة وفي هذا الفرع الصعب من الدراسة ولاقتصرت على تعليمها تعليما ً متوسطا ً ووفرت صحتي ومالي اللذين بددتهما خلال السنوات الماضية ..

وأنا الآن أريد منك جوابا ً لهذا السؤال : هل عمل المرأة حرام ؟؟ وإذا لم يكن كذلك ماذا أفعل معها بحيث أكون قد أرضيت ربي وضميري معها خاصة وأني أخشى عليها من الفراغ ومن الحياة التي تسلكها في صحبة هؤلاء الفتيات ؟ ..

 

ولكاتب هذه الرسالة أقول :

لا أعرف سر هذا البلاء الذي يفرض علينا من حين إلى آخر لإضاعة الوقت والجهد والطاقة في قضايا لم تعد قابلة للجدل لأنها محسومة بالنصوص والأحكام الشرعية منذ قديم الزمان اللهم إلا إذا كان البعض منا يعتقد أننا قد حققنا لمجتمعنا ولأنفسنا فوق ما نريد له من العدل والوفرة والرخاء .. وآن الأوان لأن نجلس على الأرائك لنعيد فتح باب المناقشة في القضايا القديمة .. ونمتحن أدلتها الفقهية .. ونجتهد في استخراج أحكام جديدة حولها .. عمل المرأة أيا كان نوعه حرام ؟ يا إلهي !!! إن الإسلام لم يمنع المرأة من الجهاد .. فكيف يمنعها من العمل الشريف الذي تكسب منه رزقها وتخدم به مجتمعها ، وغاية كل الأديان هي خير البشر وسعادتهم وليس التعسير عليهم وإرهاقهم !!

والإسلام لم يمنع المرأة من الاشتغال بالسياسة .. فناصرت نساء كثيرات عليا ابن أبي طالب في صراعه مع معاوية .. ودعت السيدة عائشة ضد علي وشهدت موقعة الجمل وهذا هو قمة العمل السياسي .. فكيف يحرم الإسلام المرأة من حق العمل الشريف ؟؟

 

لقد خرجت النساء مع الرسول في غزواته وكانت إحدى أمهات المؤمنين تناوله السهام ليرشق بها الأعداء في بعض الغزوات , وكانت النساء يسقين المجاهدين ويعالجن الجرحى ويقمن بما يقوم به الآن الجنود في الخطوط الخلفية أثناء المعارك ، بل وشاركت بعضهن في القتال وامتطين الخيول وامتشقن السيوف حتى تساءل خالد بن الوليد في إحدى معاركه ضد الروم عمن يكون هذا الفارس المقدام الذي يقاتل بشجاعة في صفوفه فإذا به السيدة خولة بنت الأزور الكندي !! وفي كتب التاريخ إشارات عديدة لنساء عملن بالتجارة وبالطب .. وأورد كتاب " طبقات الأطباء " اسم إحداهم اشتهرت بممارسة الطب وتفوقت فيه وهي السيدة زينب طبيبة بني أود ، بل وروت كتب أخرى أن سيدة قد تولت القضاء في عهد الخليفة المقتدر في العصر العباسي فشهد لها الرجال بالعدالة واطمأنوا إلى قضاءها ، وغير هذه وتلك كثيرات وكثيرات في كل العصور .. فلماذا نفتح هذا الباب من جديد الآن ، والعقل يقول لنا إن الإسلام قد كرم المرأة ومنحها من الحقوق والواجبات ما منح الرجل بل وما لم تمنحه لها قوانين بعض الدول الأوروبية حتى الآن مثل حق التصرف في مالها بغير إذن الزوج .. فكيف يعقل أن تعطي الشريعة للمرأة المتزوجة حق أن تبيع ما تشاء وتشتري ما تشاء وتودع أموالها في المصارف باسمها وأن تحتفظ بمالها ودخلها لنفسها وهو ما لم تصل المرأة إليه في بعض المجتمعات المتحضرة حتى الآن ، ثم يحرمها بعد ذلك من حق العمل الشريف الذي تساعد به نفسها وزوجها وأبناءها ومجتمعها ؟!!

إنها مسألة منطق أكثر منها مسألة جدال حول الأحكام والنصوص والبراهين ، فإن شاءت ابنتك أن تعرف النصوص والأحاديث أيضا ً .. فلتحسن أولا ً قراءة كتاب الله ، لتتفهم معانيه السامية .. ولتقرأ كتابا ً ككتاب تفسير المنار للإمام محمد عبده .. أو كتابا ً ككتاب " مكانة المرأة في الإسلام " للأستاذ الإبراشي أو أي كتاب يضم الفتاوى ولو شاءت أن اهديها بعضها فإني على استعداد لذلك في أي وقت .. لكن المشكلة ليست في ذلك ، وإنما في هذا الظلام الذي يخيم على عقولنا ويقيد حركتنا للكفاح من أجل مستوى معيشة أفضل .. إن قوما ً في مثل ظروفنا الصعبة ينبغي عليهم أن يسابقوا الزمن ليحاربوا التخلف والفقر وصعوبات الحياة .. لا أن يحاول البعض أن يحرم مجتمعنا من جهده ومشاركته وعلمه بحجة أن عمل المرأة حرام . . ونحن في حاجة إلى كل قطرة عرق .. وإلى ثمرة كل عقل لنغالب ظروفنا .. ثم كيف تكون العبادة حجة مقبولة لقعود الهمة والتوقف عن العطاء والعمل والكفاح .. وكتاب الله الذي بين يديها يحث على العمل والسعي في الأرض .. ورسوله الكريم يأتي إليه قوم يقولون له إن فلانا ً يصوم النهار ويقوم الليل ويكثر الذكر فيسألهم أيكم يكفيه طعامه ؟ فيقولون : كلنا ، فيقول لهم : كلكم خير منه !!

ورسوله أيضا ً يصافح ذات يوم معاذ بن جبل فيستخشن يده ويعرف أنها قد اخشوشنت من العمل في الزراعة ليكسب رزق عياله .. فيقبله أو يقبل يده في رواية ويقول له : تلك يد يحبها الله ورسوله ! !

وما ينطبق على الرجل ينطبق على المرأة في الإسلام لأنه ساوى بينهما في الحقوق والواجبات .. وأباح للجميع حق العمل الشريف وطالبهم بالإسهام الجاد في ترقية الحياة . .

فقل لها ذلك يا سيدي .. واستعن عليها بالعقلاء من اهلك .. وانصحها بأن تخدم نفسها ومجتمعها بعلمها الذي أجهدت نفسها وأجهدتك لتكتسبه وهو من فروعه المطلوبة بإلحاح في بلادنا ، فإن لم تنتصح فلا تحمل نفسك ما لا طاقة لك به فلقد أرضيت ربك وضميرك وأديت واجبك كاملاً تجاهها .. ويكفي أنها سوف تتحمل تبعات اختيارها .. وسوف تلمس الفرق واضحاً بين إمكاناتها وإمكانات شقيقتها حين تتزوج فتندم على أنها لم تسع في الأرض لتكسب رزقها وتعين نفسها على نفقات الزواج .. أما أنت فلا جناح عليك إن قصرت إمكانياتك عن الوفاء بما يتطلبه زواجها من نفقات لأن الله لا يكلف نفسا ً إلا وسعها ولأنها كانت تستطيع أن تعينك على أمرها لكنها اختارت أن تكون " معالة " إلى الأبد رغم احتياجها .. فأبت لنفسها الكرامة التي كرمها بها دينها حين ساوى بينها وبين الرجل في الواجبات والحقوق ، واختارت لنفسها " مهانة " المرأة في القانون الروماني القديم الذي كان يرى " أن المرأة كالطفل ليست أهلا ً للتصرف طيلة حياتها ويجب أن يوكل كل أمرها إلى رب الأسرة " ..

ومن لا يساعد نفسه يا سيدي لا يستطيع أحد أن يساعده مهما فعل ومن يأب الكرامة لنفسه فلا يستطيع أحد أن يرغمه على تكريم نفسه بالكفاح الشريف في الحياة .. والسلام . .

 ·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1988

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات