السؤال الصعب .. رسالة من بريد الجمعة عام 1986
أكتب إليك هذه الرسالة في الساعة الثالثة صباحا، ولم تنم عيني بعد كعادتي في ليال كثيرة أمضيها مسها أفكر في أمري ومستقبلي ومصيري، واسترجع شريط حياتي بآلامه ومتاعبه.. ثم أقف حائرا أمام السؤال الذي يشغلني الآن.. وقبل أن أقول لك ما هذا السؤال سأعرفك بنفسي فأقول لك: إنني شاب في السادسة والثلاثين من عمري أعيش مع أمي في حجرة في شقة مشتركة، في مسكن من مساكن "البسطاء" كما تقول دائما في ردودك لطفا منك أن تصفهم بالصفة الحقيقية لنا ولأمثالنا من الفقراء إلى الله تعالى.. ولقد بدأت رحلة كفاحي وأنا في مرحلة الدراسة الإعدادية حين توفي والدي رحمه الله ولم يترك لنا سوى الستر والإيمان والتراحم بيننا، وكنا أربعة أبناء .. 3 فتيات وولد وحيد هو أنا وأمي الشجاعة، فشمرت والدتي عن ساعديها ووقفت معي تشد أزري وتقوي من عزيمتي وتغرس في نفسي الإيمان بالله وبأنه لن يتخلى عنا.. كنت قد حصلت على الشهادة الإعدادية، ووفقني الله في الحصول على وظيفة صغيرة في إحدى شركات القطاع العام، ودبرنا أمرنا بالإرادة والكفاح والتدبير السليم.. وكان هدفنا أمي وأنا هو أن "نستر" الفتيات لأننا من أصل ريفي.. والحمد لله وفقنا الله في تزويجهن لأزواج طيبين من الريف، واستقرت كل أخت من أخواتي في بيت زوجها أما مثالية وزوجة مثالية في الريف البعيد عن القاهرة.
وما إن تزوجت آخر أخت لي حتى عاد أمل الحصول على مؤهل جامعي يطل علي من جديد.. وشجعتني أمي بعد أن أقنعتني بأن الحياة كفاح إلى آخر يوم فيها، فذاكرت للثانوية العامة منازل وحصلت عليها بعد 3 سنوات من العذاب.. ثم التحقت منتسبا بإحدى كليات جامعة القاهرة.. ولم أجد صعوبة كبيرة في تحصيل مواد الدراسة ولا في اجتياز امتحانات السنوات الأربع بها حتى حصلت على المؤهل الذي أردته منذ أسابيع، ولكن بعد أن أبيض شعري وتسللت التجاعيد إلى وجهي، ولم ترهقني الدراسة .. بقدر ما أرهقني نفسيا أن والدتي خلال سنوات الدراسة النهائية كانت قد مرضت وزاد عليها المرض، وكأنها قد انهزمت أخيرا بعد طول الصمود، وبعد أن أعطت لنا كل صحتها وطاقتها وجهدها، ولم أبخل عليها بشيء أبدا بل كنت أدخر كل مليم وأتوجه بها إلى الطبيب، وأحاول في كل مرة أن يكون طبيبا كبيرا لكيلا يطول ألمها ومعاناتها، خصوصا أننا وحیدان في الدنيا.. فالأخوات في بلاد بعيدة لا نراهم إلا كل فترة طويلة وبيننا وبينهن سفر بعيد، وأقارب أبي لم يرونا ولم نرهم منذ وفاة أبي لكي لا نطلب منهم شيئا، وما كنا سنطلب أي شيء لكنه ضعف الإنسان وضيق أفقه، حتى وصل الحال أن كانوا إذا رأونا في الطريق أداروا وجوهم بعيدا عنا لكيلا يكون سلام ولا سؤال عن الحال قد يجر عليهم بعض الأعباء.
والأيام تمضي بخيرها وشرها.. وأنا راض عن نفسي وعن نصيبي من الدنيا، أرعى أمي وأقوم بكل أعمال البيت من تجهيز الطعام ونظافة البيت وغسل الملابس، وأوفر الراحة بكل جهدي لأمي المريضة.. لكني وجدت نفسي فجأة أمام سؤال صعب أو اختبار صعب أريد أن أستعين برأيك فيه.. فلقد جاءتني فرصة للعمل في إحدى الدول العربية مقابل 1200 ريال كل شهر، ووجدت نفسي شارد البال حائرا فيما أفعل، فأنا أمام طريقين لا ثالث لهما الأول هو أن أضع السيدة التي ربتني وأفنت صحتها وعمرها من أجلنا في إحدى دور المسنين وأسافر لأبدأ حياتي، وأكون نفسي وأدخر من المال ما يسمح لي بالزواج بعد أن وصلت إلى هذه السن بلا زواج، ثم عندما أعود في الأجازة أسأل عنها.. فإن كانت على قيد الحياة اجتمعنا مرة ثانية.. وإن كانت غير ذلك.. أسأل عن المكان الذي استقرت فيه لأزور قبرها، وبالطبع فإن إيداعي لها في دار للمسنين وهي في هذه الحالة من كبر في السن ومرض بالجسم وعدم مقدرة على الحركة سيزيدها مرضا واكتئابا وحزنا.
والثاني: هو أن أرفض هذه الفرصة وأبقى مع أمي.. أواصل رعايتي لها وأخفف عنها معاناتها، واستمر في محاولاتي لتحسين ظروفي، وفي هذه الحالة فإن الانتظار سيطول وسيطول جدا لتحقيق أي شيء.. وإن كنت أسلم بأن الله سبحانه هو الرزاق الكريم.
إنني في حيرة من أمري وانتظر منك أن ترد علي بما يهديني إلى اختيار الطريق السليم الذي يرضي ربي وضميري ولا يحرمني من حقي في أن أبدأ حياتي.. فماذا تقولي لي؟
ولكاتب هذه الرسالة
أقول:
ولكاتب هذه الرسالة أقول:
إن من نكد الدنيا على الإنسان أن يجد نفسه مخيرا بين أمرين أحلاهما مر، كما تقف الآن حائرا بين نداء الواجب والعاطفة تجاه أمك، وبين نداء المصلحة الذاتية . لكنك لو فكرت في الأمر بحكمة لما وجدت الاختبار صعبا إلى هذا الحد، لسبب بسيط هو أن مقياس المصلحة الذاتية لا يصلح وحده أساسا لتقييم الأمور، وإنما ينبغي أن توازنه دائما حقوق الآخرين علينا، والتزاماتنا نحوهم.. فضلا عن المقياس الآخر الذي يمكن وحده أن يكون أساسا عادلا لتنظيم الحياة، وهو أن يحب المرء لغيره ما يحبه لنفسه .. وعلى ضوء هذا المقياس وحده أسألك: تری کیف يكون إحساسك بالمرارة والأسى وأنت في أخريات العمر وبعد أن أفنيت صحتك وشبابك من أجل أبنائك، إذا ما وجدت نفسك في نهاية الرحلة وحيدا بلا أمل ولا أبناء ولا أقارب في دار للمسنين، لأن بناتك تزوجن في الريف البعيد وابنك الوحيد قد تلقى عرضا للعمل في الخارج؟
إذا أجبتني بأنك لن تحس بالمرارة والإحباط والتعاسة وبأنك أضعت حياتك عبثا، سأدعوك فورا إلى قبول هذا العرض وإيداع أمك أقرب دار للمسنين لكي تختتم حياتها فيها وأنت بعيد عنها، أما إذا اعترفت بعكس ذلك.. فلن أطلب منك شيئا وإنما سأدعك لنفسك وضميرك يهدیانك إلى الاختيار السليم.
إنني أقدر ظروفك تماما وأعرف أن الحياة صعبة ومريرة على من كان في مثل ظروفك، وأقدر كفاحك وتضحياتك.. لكني أيضا أشفق عليك من أن تهدر كل هذا الرصيد من الحب والعطاء والوفاء لأمك على هذا النحو المؤلم، ففرص العمل تذهب و تجيء وما قد تفقده اليوم قد يعوضك الله بأفضل منه غدا.. أما البشر فإنهم إذا ذهبوا لا يجيئون من عالم الغيب مرة أخرى.. وأمك لو رحلت عن عالمنا وهي مملوءة بالمرارة تجاهك فلن تعيدها لك الأبدية لكي تصلح خطأك في حقها. ولن يعفيك ضميرك من الحساب والعقاب حتى نهاية العمر.
وفي مثل ظروفك هذه لا يكون الخيار بين هذين الطريقين اللذين أشرت إليها، وإنما يكون الخيار بين أن تجد لأمك مأوی کریما لدى إحدى شقيقاتك. وبين أن تستطيع اصطحابها معك إلى أي مكان تعمل فيه ولو عشتما معا في غرفة في مسكن مشترك كما تعيشان الآن، وهو بالمناسبة أقصى ما يعدك به هذا الراتب الذي تتحدث عنه، لأنه من الأجور الدنيا هناك. فإن تعذر هذا وذاك، فلا خيار سوى مواصلة الكفاح على المستوى المحلي، إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا، وبعدها تستطيع أن تصنع بحياتك ما تشاء.. فأكمل مشوارك مع أمك يا صديقي ولعل الله يهيئ لك عن طريق بريد الأهرام عملا إضافيا يلبي بعض مطالبك.. ويقربك من تحقيق بعض آمالك، فمن أسوأ الأمور ألا يكمل المرء ما بدأه من عمل صالح، وأن يهدره بسوء الختام.
وقديما قال الشاعر: ولم أر في عيوب الناس عيبا كنقص القادرين على التمام
فتمم ما بدأته يا صديقي.. ولسوف يعوضك الله من كفاحك وتضحيتك خيرا كثيرا بإذن الله
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر