دائرة الانتقام .. رسالة من بريد الجمعة سنة 1985

 

دائرة الانتقام .. رسالة من بريد الجمعة سنة 1985

دائرة الانتقام .. رسالة من بريد الجمعة سنة 1985


حكمة التوبة أنها تفتح البــاب أمام الخاطئين في أي وقت للرجوع عن الخطيئـــة، ولو أغلق الله جل شأنه باب التوبة في وجوه الخاطئين ما وجـد خاطئ دافعًا لكف الأذى عن الآخرين والتوقف عن غيه مادام سوف يؤخذ بجريرته إلى الأبد ولا أمل به في المغفرة.

عبد الوهاب مطاوع


أكتب إليك لأريح صدري مما يحمله .. وإن كنت أشك أنني سوف أستريح وأبدأ قصتي من البداية فأقول لك أنني شاب نشأت في أسرة متوسطة الحال وكانت طفولتي فقيرة ولكنها لم تكن حزينة فقد كنت متفوقا طوال دراستي ، وكانت نظرة الحسرة في أعين زملائي الذين أنعم الله عليهم بالثراء وهم ينظرون إلى تفوقي تسعدني وترضيني .

 

وسارت حياتي هادئة إلى أن حصلت على الثانوية العامة والتحقت بكلية الطب وواصلت تفوقي ، وأثناء دراستي بالكلية تعرفت على زميلة لي وتبادلت الحب الصادق معها ، واتفقنا على كل شيء ، وكانت تعرف كل ظروفي الاجتماعية وتقدرها ولم يكن الفارق الاجتماعي بيننا كبيرا .. رغم أن والدها كان موظفا كبيرا فكلمة موظف كبير كما تعلم لا تعنى دخلا كبيرا ،  وكنت أنوى خطبتها في العام النهائي وتوثقت علاقتنا معا وعلاقة أسرتينا وكانت أجمل أيام حياتي هي الأيام التي عشتها معها أثناء الدراسة.

 

واقتربت أيام الامتحانات الأخيرة واقتربنا من تحقيق الأحلام لكنى بدأت أشعر بتحول غريب في شخصيتها إذ بدأت مشاعرها تجاهي تفتر حتى أصبحت تشيح بوجهها عني كلما رأتني وأحسست بأن أبواب الجحيم قد فتحت على مصراعيها وفى قمة عذابي ذهبت إلى مقابلة أبيها وهو رجل فاضل كان يكن لي حبا وتقديرا لأسأله عما جرى ، فاستقبلني خجلا وحائرا لا يعرف ماذا يقول لي ؛ ثم أخبرني بأن ابنته قد تقدم لها شاب يكبرها باثني عشرعاما حاصل على مؤهل فوق المتوسط وقضى فترة طويلة من العمل في بلاد البترول وجمع مدخرات كافية ، وأنه كأب يسعى لصالح ابنته ويعرف أننا مرتبطان ونعتزم الزواج قد أعلم هذا الشاب بالرفض حين تقدم له, لكنه فوجئ أن ابنته حين علمت بذلك قد ثارت وعاتبته بحجة أنه كان يجب أن يستشيرها في ذلك فُذهل أبوها واعتقد أن خلافا قد وقع بيننا وأننا قد تراجعنا عن مشروع الارتباط ، ولما سألها عن ذلك نفت وقوع أي خلاف بيننا وقالت أنها فتاة واقعية وأن العريس الجديد قد وعدها بشقة تمليك وسيارة باسمها وأنه قادرعلى ذلك في حين أن فتى الأحلام الذي هو أنا لن أستطيع كطبيب ناشئ أن أحقق لها هذا المستوى إلا بعد أن يكون شبابها قد ولى وذبلت زهرة عمرها ، ولا أعرف حتى الآن كيف انتهت الجلسة ولا كيف غادرت منزله ، لكنى لم أستسلم فسعيت إليها وناقشتها في قرارها فرددت على مسامعي "دررا" جديدة من "الحكمة" التي نلجأ إليها حين نريد أن نغتال إنسان ومشاعره وقلبه ، وقالت لى عبارات كثيرة من نوع أنها ليست مستعدة للصبر ولا لإضاعة عمرها في الكفاح وأن الإنسان يعيش مرة واحدة وأن الزواج فرص وكل شئ قسمة ونصيب .. إلخ.

 

وتجلت الحقيقة قاسية أمامي .. أنا فقير إذن فأنا غير موجود! .. وواجهت الواقع المر وظهرت نتيجة الامتحان وكنت كالعادة في مقدمة الخريجين وبدأت حياتي العملية وأنا مسحوق تماما وفى داخلي براكين من الغضب والرغبة في الانتقام من كل الفتيات ومن الواقع الفقير الذي هزمني في حب عمري ، وأتاح لي تفوقي اختيار المجال الذي أرغب في التخصص فيه ، وكنت قد بيت النية عليه عقب انتهاء فترة الامتياز مباشرة. 

وبعد فترة قصيرة من العمل في المستشفى ومن الادخار افتتحت عيادة في أحد الأحياء ودخلت عيادتي في اليوم الأول وجلست وراء مكتبي وأنا أقول بيني وبين نفسي قد جاءكن من لا يرحم أحدا منكن ومن لن يتردد في اعتصار كل من يدخل إليه .. ولا عن امتهان كل مريضة يجد لديها الاستعداد للخطأ!

 

وتدفقت المريضات على عيادتي وبدأت في"نشر" رقابهن وكانت معظم أعمالي في دائرة ما يسمى بالعمليات الطبية المحرمة قانونا وأصحابها دائما متعجلون ومستعدون للدفع بسخاء وبدأ المال ينهمر فوق رأسي كالطوفان و"أعمالي" تتوسع كل يوم ولم أرحم أحدا ولم أرحم أي مريضة وجدت لديها ميلا أو استعدادا للعبث وخلال سبع سنوات فقط كنت قد جمعت من المال ما لم يجمعه زملاء لي خلال ثلاثين سنة ، فاشتريت الشقة وأثثتها بأثاث فاخر واشتريت السيارة وأصبحت عيادتي أشهر عيادة في الحي كله والتحقت بأكبر الأندية الاجتماعية من باب المنظرة فقط لأني لا أجد وقتا للذهاب إلى أي مكان سوى إلى "المجزرة" التي أجرى فيها عملياتي ، وفى إحدى الليالي وكان المرضى قد انصرفوا وأنا في مكتبي أُحصي النقود المكومة أمامي من إيراد اليوم فوجئت بها تطرق الباب وتدخل عَلي .. إنها خطيبتي السابقة التي حولتني إلى هذا الوحش وقد جاءت لتقول لي كلاما بلا معنى.. من نوع .. إن الله قد انتقم لك مني ، وإنني غير سعيدة مع زوجي وإنه وحش وتريدني أن أساعدها في الطلاق منه لتعود إلّي ونتزوج ونعوض ما فاتنا من سعادة.

 

  سمعت كلماتها ولم أشعر بأي عاطفة نحوها .. ولا بأي إشفاق عليها ، وإنما شعرت بشماتة عجيبة فيها.. وظللت صامتا إلى أن أنهت كلامها ، ثم وجدتني فجأة أنتفض واقفا وأتجه إليها ثم أجذبها من ملابسها وأدفعها في اتجاه الباب ، فخرجت مهرولة ودموعها تسابقها وعدت إلى مكتبي وصدري يعلو ويهبط ومشاعري ملتهبة ثم انفجرت في البكاء ربما للمرة الأولى في حياتي ، ولا تتصور أنني بكيت من أجلها وإنما حزنا على نفسي وعلى ما ترديت إليه ووجدت صورة أبي تقفز إلى مخيلتي وسمعت صوته يرن في أذني كأنه يقول لي : أهذا ما علمتك إياه من قيم وفضائل.. أهذا ما حرمت نفسي من أجله لتعليمك وتربيتك لكي تسعد الآخرين ؟؟

فخرجت من العيادة الملعونة مندفعا وركبت سيارتي وجريت بها في الشوارع بلا هدف.

 وفى الصباح أغلقت العيادة وأبلغت المرضى أنني سأحصل على أجازة طويلة وأمضيت عدة أيام غير قادر على عمل أي شئ ثم ركبت الطائرة وسافرت إلى الخارج لمدة شهر، راجعت نفسي خلاله وعدت عاقدا العزم على أن أبدأ حياة جديدة ومن المطار عدت إلى شقة الأسرة الصغيرة التي تعيش بها أمي مع أصغر أخوتي بعد أن رفضت أن تعيش معي في شقتي الجديدة كأنها كانت تحس بقلب الأم أنها كانت مشتراة من مال حرام رغم أن إخوتي لم يجرؤوا على إبلاغها بما وصلت إليه وجلست إلى جوارها وهي تدعوا الله لي أن يفرج كربتي وأن يذهب عني الضيق الذي أحس به.

 

 وبعد أيام عدت إلى عملي بالمستشفى الحكومي الذي لم أذهب إليه طوال 7 سنوات إلا خطفا وكنت أحصل على مرتبي منه بلا عمل وأتصيد الزبائن منه لعيادتي حيث "أذبحهم" فيها وأصبحت أصحو كل صباح مبكرا فأذهب إلى المستشفى فأعمل وأنا مستريح الضمير وأعود إلى بيت أمي في الصبح مستريحا فأمضي الوقت مع أمي ومع أخوتي الذين انصرفت عنهم طوال السنوات السبع الرهيبة.


ومنذ ذلك الحين لم أفتح أبواب العيادة بل ولم أمر من الشارع الذي تقع فيه. 

والآن يعلم الله صدق توبتي ورغبتي في أن أعود كما كنت إنسانا طاهرا نظيفا وقد بدأت أشعر بطعم اللقمة الحلال وبطعم النوم الهادئ أما هي "معذبتي" فلم أعد قادرا حتى على كراهيتها وإنما أصبحت أطلب لها المغفرة لما سببته من ألام للجميع. 

 والآن يا صديقي يؤرقني شيء واحد هو ماذا اصنع بهذه التلال من الأموال المغموسة في الحرام التي جمعتها من دماء مرضاي ؟

لقد حزمت أمري فيما يتعلق بالعمل لكنى لم أحزم أمري فيما يتعلق بعائد هذا العمل المحرم فهل تستطيع أن تشير علي بالرأي الصواب وهل ترى أن الله سبحانه وتعالى سوف يقبل توبتي؟؟

 

ولكاتب هذه الرسالة أقول:

 

إنني أشكرك يا صديقي على حرصك على أن تضع تجربتك الفريدة هذه أمام قراء بريد الجمعة لنستفيد جميعا من درس التجربة المريرة التي عانيتها ، وخير التجارب ما نتعلم منه أن المال الحرام لا يحقق السعادة كما يتصور البلهاء ، وأن الطريق الخاطئ لا يقود إلا إلى التعاسة والهلاك.

 

لقد مررت بتجربة أليمة يا صديقي وشاءت لك الأقدار أن تنجو سريعا من المستنقع الذي سقطت فيه ، أن تعود إلى نفسك وتستشعر عذاب الضمير لذلك فإني لا أتوقع لك أن تعود مرة أخرى إلى الطريق الخاطئ لأن معدنك أصيل رغم كل شئ ولأنك تعلمت الدرس الثمين من التجربة القاسية والمثل الانجليزي يقول " تجربة ألمتني تجربة علمتني" ولقد تعلمت خلال فترة قصيرة ما لم يتعلمه من أفنوا العمر يجمعون المال الحرام بلا أدنى إحساس بوخز الضمير ومن لا يفيقون عادة إلا على الصدمات المزلزلة وقد لا يفيقون حتى يواريهم التراب. فأنت إذن يا صديقي صاحب قلب حكيم وإني لأستشعر صدق رغبتك فى التطهر مما اقترفت يداك تحت تأثير المحنة التى عشتها ، وحكمة التوبة أنها تفتح الباب أمام الخاطئين فى أي وقت للرجوع عن الخطيئة ، ولو أغلق الله جل شأنه باب التوبة فى وجوه الخاطئين ما وجد خاطئ دافعا لكف الأذى عن الآخرين والتوقف عن غايته مادام سوف يؤخذ بجريرته إلى الأبد ولا أمل له فى المغفرة. فلا تشك أبدا فى أن الله سوف يقبل توبتك وأنه سوف يقود خطاك إلى الطريق المستقيم.

 

أما أموالك المغموسة فى الحرام فلعل أهل الذكر يشيرون عَلّى وعليك بما تفعله بها.. ولكنى قد أتصور مبدئيا أن خير ما تفعله بها هو أن تهب معظمها لشراء أجهزة طبية غالية الثمن كأجهزة غسيل الكلى أو أجهزة رسم القلب وما أشبه والتي يستفيد منها المرضى الفقراء وأن تتبرع بهذه الأجهزة للمستشفيات العامة.. فتحول ما كسبته خلال سنوات الضياع إلى عمل نافع يخفف عن الآخرين ألامهم ويجرى عليك حسنة جارية تذهب عنك السيئات وتبشرك بأجر عظيم ، كما أتصور أيضا أن عليك أن تسقط من حياتك هذه السنوات اللعينة وأن تبدأ حياة جديدة يوفقك الله فيها إلى من تستحقك وقد أحسنت صنعا حين طردت فتاة "الأحلام المنهارة" من حياتك إلى الأبد فهي فتاة انتهازية بطبيعتها وهى حين عادت إليك لم تعد إليك مدفوعة بحبها القديم وحده وإنما بما سمعته عن نجاحك وثرائك "فيما أتصور" فأرادت كعادتها في الحصول على الأشياء الجاهزة بلا كفاح أن تحصل على المال والنجاح وفتى الأحلام القديم. ولم يكن عدلا أن تعطيها الدنيا كل شئ ولم يكن عدلا أن تتقبل أنت بقاياها بعد أن باعت الحب والأحلام بالشقة والسيارة بحجة الواقعية المزعومة وهى فى الحقيقة ليست واقعية وإنما عزوف عن الكفاح ورغبة فى الاستسهال وجرى وراء المال بلا مشاعر ولا أحاسيس ..وهذه كلها " بكل أسف" من أمراض العصر.

 ·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1985

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات