الليل الطويل .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2000
إن من يصمدون لأعاصير
الحياة بغير أن يضلوا الطريق أو ينحرفوا عنه هم حقا من لا يتخلي عنهم ربهم ويجزيهم
الله عن صبرهم وحرمانهم وصمودهم خير الجزاء، وهم أيضا من يقول أحدهم لصاحبه كلما
اشتد العناء كما جاء في الذكر الحكيم "لا تحزن إن الله معنا" وينطبق عليهم ما جاء في
الكتاب المقدس من أن كل الأشياء تعمل معا للذين يحبون الله.
عبد الوهاب مطاوع
منذ سنوات وأنا أريد أن
أكتب لك قصتي لأشكر نعمة ربي بالتحدث عنها .. ولأقول لك إنني كثيرا ما وجدت في
قصص حياة أبطال بريد الجمعة الذين تعاطفت معهم، ما ساعدني على تحمل الظروف القاسية
واجتيازها .. وأبدأ بأن أقول لك إنني وشقيقتي من هؤلاء الذين سميتهم أنت في
بعض تعليقاتك بأبطال الحياة الذين يجدون أنفسهم في مواجهة ظروف شديدة الصعوبة، فيكافحون كفاح الأبطال لاجتيازها دون أن يفقدوا شرفهم أو قيمهم الدينية
والأخلاقية .. ودون أن تتسمم روحهم بالكراهية للحياة والبشر، واستطيع أن أقول
إننا كذلك والحمد لله .. ونرجو من الله العلي القدير أن نظل كذلك إلى نهاية
العمر.
فأنا شاب أبلغ من العمر 27 عاما .. عشت طفولة عادية بين أبوين طيبين وأخت تصغرني
بعامين، وكان أبي موظفا بمؤسسة حكومية وأمي ربة بيت طيبة لا تعمل، نعيش في
شقة من ثلاث غرف بإيجار قديم في الدور الأرضي في أحد المنازل بحي شعبي .. وكانت
حياتنا تمضي كغيرنا من الصغار نذهب إلى المدرسة .. ونرجع فنلعب في الشارع مع
الرفاق بعض الوقت ونهرول إلى البيت مع ظهور أبينا عائدا من عمله .. ونلتف حول
مائدة الطعام ونستمتع بشرب الشاي بعد الغداء .. ثم نجلس لأداء واجباتنا المدرسية
تحت عيون أمنا، ويدخل أبي غرفته لينام .. ثم يصحو فيجلس على الكنبة التي تقع
تحت نافذة الصالة .. يرقب المارة في الشارع أو يخرج إلى المقهى إلى أن تزلزلت
حياتنا فجأة بوفاة أبي دون سابقة مرض أو إنذار وهو في أوائل الأربعينيات من عمره
.. وأنا في سن العاشرة وأختي في سن الثامنة.
وتكدرت أيامنا .. وران
عليها الحزن والاكتئاب وافتقدنا أبانا الطيب، وإحساس الأمان الذي كنا نحس به في
وجوده، وواجهت أمي الحياة في خوف وساعدها خالي الوحيد على إنهاء إجراءات المعاش
الذي تبين أنه مبلغ ضئيل لقصر فترة خدمة أبي .. وعرفنا جفاف الحياة ونقص النقود
في سن مبكرة .
وتوقفنا منذ وفاة أبي عن
شراء أي ملابس جديدة وأصبحنا نرتدي ملابس أبناء خالنا القديمة.. ولما كان هو
أيضا موظفا محدود الدخل .. فلقد كان لا يشتري لأبنائه الجديد من الملابس إلا بعد
أن تكون ملابسهم قد بليت تماما .. فكانت أمي ترتقها وتصبغها أحيانا كي نستطيع
ارتدائها بالرغم
من ذلك فلقد مضت بنا الأيام.
وكان يكفينا برغم كل العناء
والحرمان أن نجتمع حول أمنا كل ليلة في المساء، لنسمع منها ذكرياتها عن أبينا
وكيف تعرفت به وكيف تزوجته.. وأحلامه لنا بأن ننجح ونتفوق في دراستنا ونحصل علي
شهاداتنا العليا ونعمل بمراكز مرموقة ونتزوج ذات يوم ويصبح لكل منا أسرته
السعيدة، لكن حتى هذه الحياة الجافة الآمنة استكثرتها علينا الأقدار فيما
يبدو .. فبعد قليل بدأت أمي تشكو من الآلام والأوجاع الشديدة، وبدأ خالي يطوف
بها على المستوصفات وبدأت تحتجز في المستشفيات بالأسابيع الطويلة.. فننتقل نحن
للإقامة في بيت خالنا الضيق والمزدحم بمن فيه وننام على الأرض في حجرة الصالون، ونواجه مشكلة عسيرة في الانتظام في الدراسة والمذاكرة.. وزيارة أمنا.. إلخ.
وبعد عدة شهور من الاضطراب رحلت أمنا الغالية عن الحياة ولحقت بأبينا وأنا في
الخامسة عشرة من عمري وأختي في الثالثة عشرة، وبكيناها حتى جفت دموعنا..
وشعرنا بعد رحيلها بأننا قد أصبحنا في العراء لا شيء يسترنا أو يحمينا من صواعق
السماء وبعد فترة الحزن الطويل.. وبعد أن لمسنا نحن أيضا معاناة أسرة خالنا في
حياتها تم الاتفاق على أن نرجع أنا وأختي للإقامة في مسكننا الخالي على أن يزورنا
خالي من حين لآخر ليطمئن علينا .. وقال لنا خالي وهو يداري دمعه إنه لولا ضيق
مسكنه ووجود بنات لديه في مثل سني لما رضي أبدا بأن نفارقه ونرجع لبيتنا، وتقبلنا نحن حياتنا باستسلام وبلا غضب من أحد وخففنا عن خالنا حرجه وأحزانه..
وغادرنا هو في أول ليلة لنا وحدنا في شقتنا بعد أن زود مطبخنا ببعض التموين
والأطعمة وأعطاني مصروف الأسبوع ، وشدد علينا ألا نفتح الباب لأحد في الليل مهما
تكن الظروف، وكرر علي كلمته التي راح يرددها لي منذ رحيل أمي، وهي إنني قد صرت
رجلا ومسئولا عن حماية أختي وأنني جدير بالقيام بهذه المسئولية ووافقته على ما
يقول وأنا أتمنى في أعماقي أن أقول له ولماذا تحكم علي أقداري بأن أكون هذا الرجل
في سن الخامسة عشرة.. وأمثالي يلهون في الشوارع ويتمتعون بحماية الأهل وحنانهم.. لكني لم أتكلم.. ولم أعترض لأنه لا
ذنب لأحد في ظروفنا..
وبعد إغلاق الباب وراء خالي انفجرت أختي في البكاء.. وراحت تولول وتتساءل: كيف
سنعيش.. وماذا سنفعل وحدنا.. ومن يحمينا.. فطمأنتها وهدأت روعها، وقلت لها
إن الله سبحانه وتعالى لن يتخلي عنا لأننا لم نرتكب ذنبا ولم نؤذ أحدا وكان أبونا
رجلا طيبا يصلي ويصوم وكانت أمنا كذلك.. ونحن أيضا نصلي ونصوم منذ الصغر، وأقسمت لها أنني سأحميها من كل سوء وسأكرس حياتي لرعايتها.. وأننا سنتعاون معا
على مواجهة كل الصعاب ولن ننفضح بين الناس أبدا بإذن الله.
ونظمنا حياتنا بالمصروف
الأسبوعي الذي يعطيه لنا خالنا من معاشنا عن أبينا وأصبحنا نرجع من المدرسة
فنتعاون على إعداد الطعام وتنظيف الشقة والمذاكرة ثم نتلازم طوال الوقت فإذا خرجت
لشراء شيء اصطحبت أختي معي، وإذا أرادت هي زيارة صديقة لها اصطحبتها حتى باب
بيتها وحددت لها الموعد الذي سأرجع فيه لاصطحابها للبيت وإذا زارتها بعض زميلاتها
أغلقت عليهن باب غرفة أمنا.. وجلست على الكنبة في مجلس أبي حتى تنتهي الزيارة..
وقرب اليتم والوحدة والخوف من كل شيء بيننا، فأصبحنا لا نفترق إلا في ساعات
الدراسة .. وكل أسبوع يزورنا خالنا ويطمئن على أحوالنا أو يدعونا للغداء معه..
واجتزنا عامنا الدراسي الأول بعد وفاة أمنا بصعوبة وفي إجازة الصيف خرجت أبحث عن
عمل لأوفر لنا بعض نفقات العام الدراسي الجديد وعرضت نفسي على صاحب المغسلة القريبة لأعمل لديه في كي الملابس ..
لأنه عمل لا يحتاج إلى خبرة طويلة سابقة..
فطلب مني أن أعمل في البداية كصبي يجيء إليه بالملابس من عند العملاء .. وقبلت
ذلك دون غضاضة، وأصبحت أطوف على البيوت أطرق أبوابها وأسأل عن المكوة وأحمل
الملابس المكوية لأصحابها .. وأرجع بالأجرة لصاحب المغسلة .. وجمعت في نهاية
الشهر من البقشيش نحو أربعين جنيها، وسعدت بها وأعطيتها لأختي لتشتري لنفسها
بعض احتياجاتها وفاجأني الرجل في نهاية الشهر بأن أعطاني أربعين جنيها أخرى وقد
كنت أظنه سيعتبر البقشيش اجري الوحيد عن عملي معه .. وانقضت شهور الصيف، وبدأنا العام الدراسي الجديد وانقطعت عن العمل .. لكن ما ادخرته من شهور الصيف
نفد سريعا وتجهمت الحياة أمامنا .. فعدت لصاحب المغسلة ورجوته أن يسمح لي بالعمل
معه 4 ساعات كل مساء في كي الملابس ووافق الرجل تقديرا لظروفي، وأصبحت أخرج من
المدرسة فأتناول طعامي خطفا مع أختي ثم أهرول إلى المغسلة وأرجع منها في الثامنة
مساء فأذاكر دروسي وأجلس مع أختي إلى أن ننام .
وحصلت على الثانوية العامة
بمجموع متوسط ونصحني خالي بالاكتفاء بهذا القدر من التعليم والبحث عن عمل، لكن
أين أجد مثل هذا العمل بالثانوية العامة.. فاستخرت الله وقررت أن أواصل الدراسة
مهما تكن العقبات، وشجعتني أختي على ذلك.. وساعدني أن صاحب المغسلة كان لا
يتأخر عني إذا طلبت منه قرضا لأواجه به أي طارئ فيعطيه لي ويقسطه علي من أجري.
والتحقت بكلية التجارة شعبة المحاسبة ..
وواجهت أنا وأختي الحبيبة أياما شديدة القسوة .. وكلما ضعفت مقاومة أحدنا شد
الآخر من أزره .. وهون عليه وذكره بآمال أبينا وأمنا فينا .. ويطول الحديث عن
الأزمات الخانقة التي اعتصرتنا طوال سنوات الجامعة، لكن يكفي أن أقول لك إنه
لولا أن خالي كان يقتطع الإيجار الشهري من المعاش ومبلغا لفاتورة الكهرباء قبل أن
يسلمه لنا لكنا قد فقدنا مأوانا الوحيد ولأمضينا معظم أوقاتنا في الظلام، وعدا
ذلك فلقد كنا نلاطم الحياة وحيدين وتلاطمنا ونتحايل على تدبير ثمن الكتب أو
نستعيرها لتوفير الرسوم .. وتأمين بعض الملابس المستعملة التي تستر مظهرنا
.. وفي ظل هذه الظروف التحقت أختي بكلية البنات وفعلت المستحيل لكي أوفر لها
مطالبها وأحافظ لها على الحد الأدنى من مظهرها .. وحرمت نفسي من الضروريات لكي
تجد أجر مواصلاتها للكلية، وذكرتها حين التحقت بالجامعة بأننا أيتام ولا سند
لنا في الدنيا سوى عملنا وأخلاقنا وأن علينا أن نحافظ علي سمعتنا أكثر من غيرنا
لأن ضعفنا قد يغري بنا الطامعين .. وطمأنتني هي إلى أنها تعي ظروفنا جيدا.
ومضت أعوام الجامعة عليها وعلي في عناء شديد .. وفي عامي الجامعي الأخير توسط لي
أحد زملاء الكلية ربما لأنه قد لمس رقة حالي وتفوقي في مادة المحاسبة للعمل
بعد الظهر في مكتب للمحاسبة يملكه عمه .. فعملت به مقابل مكافأة صغيرة لا تزيد
على مكافأتي عن العمل في كي الملابس، لكني رحبت بذلك لاكتساب الخبرة، وعسي أن
أجد موضعا لقدمي في هذا المجال بعد التخرج.
وفي هذا المكتب التقيت بزميلة متدربة مثلي، علمت فيما بعد أنها من أقارب صاحب المكتب اتخذت مني موقفا عدائيا من البداية ولا
أدري لماذا بالرغم من التزامي بالأدب مع الجميع وراحت تستفزني من حين إلى آخر وأنا أحاول بكل جهدي تفاديها
حتى لامني زميل آخر على ضعفي معها، إلى أن جاء يوم وفوجئت بها تقول لي في لهجة
استفزازية أمام الزملاء: لماذا يبدو مظهرك كالسعاة ولماذا لا تهتم بملابسك ..
ألست تقبض مكافأة مثلنا ؟
فاحمر وجهي لما قالت وانعقد لساني .. وسمعت زميلي ينهرها فتمالكت نفسي ورجوته
ألا يشتبك معها .. وقلت لها بعد جهد جهيد إنني بالفعل أقبض مكافأة مثلها، لكن
ظروفي قاسية .. ومادام مظهري يزعجها إلى هذا الحد فإنني سوف أريحها منه ومني إلى
الأبد .. وغادرت المكتب راجعا إلى بيتي ورويت لأختي ما حدث فبكت ورجتني ألا أحزن
لذلك وسوف يعوضنا الله عما انقطع من رزقنا برزق غيره إن شاء الله .. وأمضيت
يومين بلا عمل سوى الدراسة .. وفكرت في العودة إلى المغسلة مرة أخرى .. وقبل
أن أفعل فوجئت بزميلي الذي ثار من أجلي في المكتب يطرق علي الباب ويدعوني لمقابلة
صاحب المكتب، واستقبلني الرجل عاتبا علي تركي العمل دون الرجوع إليه، وطيب
خاطري وأكد لي أنه راض عن عملي ويتنبأ لي بمستقبل طيب ويريد مني الاستمرار معه بعد
التخرج، ثم أنهى المقابلة بأن أبلغني بأنه قد رفع مكافأتي ابتداء من هذا الشهر، وأمر بأن تصرف لي كذلك خلال الشهرين اللذين سأنقطع فيهما عن المكتب للاستعداد
للامتحان، وشكرته بحرارة ودعوت له بطول العمر والصحة والستر في الدنيا وفي
الآخرة .. وانصرفت راضيا.
وتغيرت معاملة هذه الفتاة معي إلى النقيض منذ ذلك الحين .. وراحت تعتذر لي عن
سابق إساءتها لي وتقول إنها أساءت فهم صمتي وعزلتي وعزوفي عن مشاركة الزملاء في
اهتماماتهم، وأرادت أن تزيل الحواجز بيننا فقالت لي إنها من الفرع الفقير في
أسرة صاحب المكتب وإنه سمح لها بالعمل في مكتبه كمساعدة لأسرتها .. وبالتالي فإن
ظروفها لا تختلف كثيرا عن ظروفي وشكرتها على كلماتها وتعاملت معها بتحفظ وبنفس
خالية من المودة، فلم تمضي فترة أخرى حتى أصبحنا صديقين حميمين، ولم تمض عدة
أسابيع حتى اعترفت لي بحبها وإعجابها بي وبأخلاقي واستقامتي ووجدتني أنا أيضا
اعترف بحبي لها وإشفاقي عليها في نفس الوقت من ظروفي القاسية .. ولكنها لم تأبه
لذلك وأكدت لي وقوفها إلي جانبي حتى النهاية .. وصارحت أختي بما حدث،
فوجدتها هي الأخرى تشجعني على الارتباط بها وتخفف عني الصعاب وتطلب مني ألا أجعل
من ظروفنا سببا لحرماني من السعادة التي نحتاج إليها أكثر من غيرنا.
وتخرجت في كليتي وتخرجت زميلتي وثبت أقدامي في المكتب، أما هي فقد نجح قريبها
في تعيينها في شركة استثمارية، وسألتني عن خطتي للمستقبل، فقلت لها إنني لن
استطيع الإقدام على الارتباط الرسمي بها إلا بعد تخرج أختي واطمئناني عليها ..
وتحسن ظروفي .. وتوقعت أن تثور علي وتنهي علاقتنا، ففوجئت بها تؤكد لي
استعداداها لانتظاري بضع سنوات أخرى، وتخرجت أختي بتفوق والحمد لله وعملت كمدرسة
بعقد في إحدى المدارس الخاصة إلى أن يجيء دورها في التعيين وتحسنت ظروفنا بعض الشيء .. وجاءني ذات يوم من يطرق
بابي ويقدم نفسه لي ويطلب يد شقيقتي مني، واستمهلته حتى اعرض الأمر عليها ..
فوجدتها مرحبة به وسألتها عما إذا كان يعرف ظروفنا جيدا فأجابت بالإيجاب وتحريت
عنه فوجدته شابا طيبا متدينا ومن أسرة صالحة ويعمل بالتدريس، فحددنا موعدا
للخطبة .. وطفرت عيني بالدمع وأنا أرى أختي سعيدة من قلبها في ليلة خطبتها وإن
كنت قد أشفقت عليها من وحدتها في هذه الليلة بلا أب ولا أم ولا أخت ولا شقيق سواي، ولولا وجود خالي وزوجته لشعرت بفراغ الدنيا كلها من حولنا في هذه المناسبة
السعيدة.
وخلال عامين كانت شقيقتي قد زفت إلى عريسها بعد معجزات سماوية وتسهيلات إلهية
لإعداد جهازها وسترها في نظر زوجها وأسرته بقدر الإمكان، ولم يزعجني أبدا أنني
قد كبلت نفسي بأقساط شهرية لسداد باقي ثمن جهازها المتواضع .. إلى جانب ما تدفعه
هي من أقساط .. وإنما شعرت بأنني أؤدي واجبي تجاهها وأنفذ وعدي لها بحمايتها حين
خلت الدنيا علينا بعد وفاة أمنا.
وبترشيح من صاحب مكتب
المحاسبة الفاضل، عملت محاسبا بشركة كبيرة إلى جانب استمراري في العمل معه بعد
الظهر .. ووجدت نفسي بعد 4 أعوام من التخرج ومع سداد آخر قسط من جهاز أختي قادرا
على الاهتمام بحياتي الخاصة فأبديت رغبتي لفتاتي في التقدم لأهلها .. ووجدت كل
شيء معدا ومرتبا من جانبها .. ولم يفاتحني أحد في أي شروط مادية .. وتركت لها
هي أن تحدد ما تراه مناسبا في ضوء إمكاناتي التي تعرفها جيدا .. وتم كل شيء خلال
شهور وجددت الشقة القديمة.. واستقبلت جهاز العروس الجديد.
وفي ليلة الزفاف وعقد القران .. وجدت أختي لا تسعها الفرحة وعلمت من فتاتي أنها
ذهبت إليها في الليلة السابقة .. ليلة الحنة حين اجتمعت بعض الصديقات في بيت
العروس يغنين ويصفقن ويرقصن وأنها استدرت دمعها رغما عنها بفرحتها الطاغية ..
وبحديثها المستمر عني وكيف أنني أبوها وأخوها وأمها وكل شيء لها في الحياة، وكيف
أنني شاب طيب وسوف أسعدها لأنني أحبها ولا أحمل في قلبي إلا الحب ولا أعرف الحقد
أو الكراهية لأحد.
وفي الحفل البسيط الذي
أقمناه في مسكني احتفالا بالزفاف جلست إلى جوار عروسي، وأمامنا الأهل وأختي
وزوجها الطيب .. فسرحت بفكري رغما عني إلى الوراء وتذكرت أول ليلة أغلق علينا
فيها باب هذه الشقة نفسها وحدنا بعد انصراف خالي وأنا في الخامسة عشرة من عمري
وأختي في الثالثة عشرة .. والمستقبل مظلم أمامنا ومجهول .. وخوف الدنيا كله
يتجمع في داخلنا .. وإحساسنا بالانكسار والضياع والغلب الأزلي يطغي على كل
مشاعرنا .. وتساءلت: هل كنا في تلك الليلة الكئيبة نتصور أننا سوف نجتاز كل
الصعاب التي اعترضت طريقنا ونصل ذات يوم إلى بر الأمان فتتخرج شقيقتي وتعمل وتتزوج
وأتخرج أنا وأعمل وأتزوج كغيرنا من الشباب ؟ وهل لو كنا توقفنا يومها واستهولنا
الطريق الطويل الذي ينبغي لنا أن نقطعه لكي نتغلب على ظروفنا .. هل كنا وجدنا الشجاعة والقدرة علي
السير فيه حتى نهايته ؟
لقد أصبح لكل منا الآن حياته
وأسرته وعمله واجتزنا محنتنا بإيماننا بالله سبحانه وتعالى وبأنه لا يتخلى عن
الضعفاء والمساكين وعمن يعتصمون بدينهم وخلقهم .. وقد كتبت لك رسالتي هذه لكي
أقول لقرائك إن لكل عناء نهاية وإنه بالصبر والكفاح والإيمان بالله والتمسك بالدين
والأخلاق يعبر الإنسان كل المحن والابتلاءات .. والحمد لله أننا قد عبرنا محنتنا
دون أن نخسر أنفسنا أو ننحرف، أو نفقد حبنا للحياة والبشر والخير، أو تتشوه
نفوسنا بالحقد والمرارة.. وأرجو أن تقول ذلك لقرائك كما تفعل دائما.. كما أرجو
أن تقول لمن يجدون أنفسهم أمام ليل طويل من العناء لا يبدو له فجر قريب في
نظرهم.
إن الليل مهما يطل فلابد له من نهاية ولابد لكل سائر على الطريق الطويل أن يصل ذات
يوم إلى غايته .. والمهم هو ألا ييأس الإنسان من رحمة ربه .. وألا يتخلى عن
مبادئه ودينه ولعلك لاحظت أنني لم اشك في رسالتي من شيء, فإذا كان لابد من
الشكوى فلعلي أقول لك هو أن مشكلتنا الوحيدة الآن هما في افتراق أختي عني بعد هذا
العمر الطويل من التلازم والامتزاج .. وفي خوفها المرضي علي من أي عارض يصيبني
ولو كان نفحة برد بسيطة، وخوفها المماثل على زوجها من كل شيء .. وترديدها
أنها قد احتملت الكثير والكثير ولم تعد لديها أية طاقة علي أن تفقد أحدا آخر ذات
يوم .. ورغبتها لو استطاعت في أن تشد علي الغطاء كل ليلة لتطمئن إلى إنني استمتع
بالدفء .. وزوجتي تحبها كثيرا تتعاطف معها وتتفهم دوافعها .. وقد تكشفت لي هي
الأخرى عن نبع آخر من الحنان .. والخوف من المستقبل وأصبح هاجسي الآن هو أن
اطمئن كلا منهما على أن كل شيء على ما يرام .. وان الله لن يتخلي عنا أبدا بإذن
الله.
ولكاتب هذه الرسالة أقول:
لقد قلت أنت يا صديقي بقصة كفاحك مع شقيقتك كل ذلك وأكثر وبأبلغ مما استطيع أنا أو
غيري أن يقوله .. فقلت لنا أن الليل الطويل مهما يطل فلابد له من فجر جديد يبزغ
معه ضوء الشمس، حاملا الأمل والعزاء للمجهدين .. وقلت لنا ما قاله لنا الشاعر
الانجليزي ذات يوم: إذا كان الشتاء قد جاء فليس الربيع ببعيد .. وأكدت لنا أن
طول الطريق وعناءه، لا ينبغي لهما أن يردا أحدا عن السير الحثيث فيه حتى يصل
إلى غايته ذات يوم حتى ولو توجع من عنائه وقلت مع الإمام علي بن أبي طالب: آه من
بعد السفر وقلة الزاد وطول الطريق, لقد قلت لنا كل ذلك بأبلغ الكلمات وابسطها
.. وذكرتنا بأن أعظم الأعمال إنما تتحقق بالمثابرة والدأب والاستمرار في بذل
الجهد بلا كلل, مع الإيمان بالله والتمسك بالقيم الأخلاقية والدينية والثقة في
النفس وفي عدالة الأهداف التي يسعي المرء إليها.
فإذا كان ثمة ما استطيع أن أضيفه إلى ذلك فهو فقط أن الأهم من بلوغ الغايات
المنشودة في الحياة هو أن نسلك إليها السبل الشريفة لكيلا نفقد خلال سعينا إليها
ما لا يعوضنا عنه شيء حتى ولو بلغنا فيما بعد قمم الجبال الشاهقة وهو روح الإنسان
ودينه وشرفه وقيمه الأخلاقية وصفاء نفسه وخلوها من الأحقاد والمرارات, وإيمان
المرء بخيرية الحياة والبشر بالرغم من كل العناء, فهذا هو الفوز العظيم حقا في
مثل هذه الملاحم الحياتية .. ومن يصمدون لأعاصير الحياة بغير أن يضلوا الطريق أو
ينحرفوا عنه هم حقا من لا يتخلي عنهم ربهم ويجزيهم الله عن صبرهم وحرمانهم وصمودهم
خير الجزاء , وهم أيضا من يقول احدهم لصاحبه كلما اشتد العناء كما جاء في الذكر
الحكيم .. لا تحزن إن الله معنا وينطبق عليهم ما جاء في الكتاب المقدس من إن كل
الأشياء تعمل معا للذين يحبون الله.
فأما فراقك لأختك بعد طول تلازم وامتزاج فهو سنة الحياة التي لا مبدل لها، وما
البعد المكاني بمفرق في النهاية بين القلوب التي جمع الله بينها برباط متين إلى
يوم الدين.
وأما هلعها المرضي عليك وعلى زوجها من كل شيء فأمره مفهوم وهو صدى للخوف القديم
المستقر في النفس من الغد , وبصمة غائرة من بصمات الشقاء واليتم المبكر وفقد
الأبوين وانعدام النصير ومواجهة الحياة وحيدة مع شقيقها الصبي الحائر بلا سند ولا
معين , ونحن كلما عظم حبنا لأحد اشتد خوفنا عليه من أن نفقده ذات يوم .. غير
انه ألا بذكر الله تطمئن القلوب ولسنا نملك في النهاية إلا أن نضرع لله سبحانه
وتعالي آناء الليل وأطراف النهار أن يحفظ علينا من نحبهم ومن لا نستشعر السعادة
إلا وهم يضيئون كالأقمار الساطعة سماءنا ولسوف يتراجع هذا الخوف المرضي في نفس
شقيقتك تدريجيا مع ترسخ أسباب الشعور بالأمان في حياتها.. ودواعي الاطمئنان
للمستقبل الواعد بإذن الله.
فأما زوجتك وقصة تعرفك الغريبة بها فلقد ذكرتني بما يقال أحيانا من إن بعض أعمق
قصص الحب وأكثرها نجاحا واستقرارا كانت قد بدأت في البداية بمواقف عدائية كتلك
التي اتخذتها منك زوجتك حين تعرفت عليها .. ولقد روي لنا الرواة ان الشاعر
الأموي جميل الذي اشتهر بحبه لبثينة وغزلياته الرائعة فيها , كان قد تعرف عليها
في البداية في موقف عدائي مماثل في واد اسمه بغيض تبادلا فيه السباب بسبب الخلاف
علي ورود الماء , ثم لم يلبث هذا العداء أن تحول في قلب جميل إلى عشق سارت بذكره
الركبان .. وقال هو عن ذلك:
وأول ما قاد المودة بيننا
بوادي بغيض يا بثين سباب
وقلنا لها قولا فجاءت بمثله
لكل كلام يا بثين جواب!
فعسي أن يخلد حبكما في القلوب خلود حب جميل وبثينة .. وعسي أن تسعد أنت وشقيقتك
وشريكا حياتيكما بأيامكم الحاضرة والمقبلة بإذن الله .. وعسي الله سبحانه وتعالي
أن يجزل لكم جوائز السعادة والوفاق والأمان في حياتكم إن شاء الله.
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر