النصف الصحيح .. مقال يتبع رسالة الأستاذة من كتاب وقت للسعادة .. وقت للبكاء
أحيانا أصدق مغزى تلك الأسطورة الأغريقية
القديمة التى تدعى أن الرجل والمرأة كانا فى الأصل كائناً واحداً , ثم غضبت عليه
الآلهه فقسمته نصفين رجلاً وامرأة وحكمت على كل منهما أن يقضى حياته باحثاً عن
نصفه الصحيح الضائع إلى أن يجده فتلتحم تعاريج كل منهما بالآخر ويعودان واحداً
صحيحاً ملتصق الشكل كما كان من قبل، وإن تلك الآلهة نكاية فى البعض فإنها تعميه
عن النصف الصحيح فلا يجده طوال العمر.. ونكاية أشد فى البعض الثالث تخدعه فتقوده
إلى النصف الخطأ الذى لا تتلائم تعاريجه الهندسية مع تعارجه..
ولكنهما بقوة الضغط الخارجى وبالإستعانة
بأوراق اللصق يتكاملان فيكونان شكلاً غير ملتصق وسهل الإنفكاك إذا تعرضا لأى ضغط
خارجى فيذهب كل نصف فى إتجاه ويواصل بحثه على النصف الصحيح الذى يتوائم معه.
فمنذ أسابيع كنت جالساً فى كافتيريا فندق
على النيل بعد منتصف الليل أحتسى القهوة وأتأمل شارداً منظر النهر وإنعكاس الأضواء
الملونة على مياهه.. حين لاحظت أن رجلاً وسيدة يجلسان إلى المائدة المجاورة لى
ينظران إلىّ باسمين فإبتسمت لهما فإنتقل الرجل إلى مائدتى وإستأذنى فى دعوة زوجته
للجلوس معنا إلى أن يحضر "أصدقائى" الذين يعرف أنهم سوف يلحقون بى بعد
قليل كما إعتاد ان يرانى فى هذا المكان أكثر من مرة .. ورحبت بهما بالكلمات
التقليديه وأنا أنتظر من حين لآخر أن يبدأ أحدهما فى تفسير سر"الزيارة" ولم
يطل ترقبى إذ قال لى :ألا تعرفنى؟
فإعتذرت له بضعف ذاكرتى فقال لى: ألا تذكر
الطالب الذى أحب أستاذته وكتب إليك منذ سنوات يروى قصته معها ورددت عليه وقتها؟ هو
أنا .. وهذه هي الأستاذة ما رأيك فيها ألا تراها اكثر شباباً منى؟
لقد رأيناك على نفس هذه المائدة أكثر من مرة
تأتى بعد الواحدة صباحاً مع بعض الأصدقاء تسبقهم أو يسبقونك هم بدقائق ثم تجلس
قليلاً تشرب القهوة وتدخن وتسرح ناظراً إلى النيل فلا تكاد تسمع ما يقوله أصدقائك
وعرفتك من أول مرة وتذكرت رسالتي إليك وقررنا أن نتعرف بك وأن نحدثك عن حياتنا..
ومن ذلك الحين إحتفظت زوجتى فى حقيبة يدها
بصورة الرسالة التى نشرتها والرد لنقدمها لك حين نتعرف عليك ونذكرك بقصتنا ونتبادل
معك الرأي .. ومد يده إلى زوجته فأخرجت من حقيبتها قصاصة قديمة مصورة وقدمتها لى ..
وأمسكت القصاصة وقرأت فيها:
قصتي تبدأ منذ عشر سنوات وأنا طالب فى
الجامعة .. ولعلك سوف تندهش لبعض تفاصيلها..لكنى أقول لك إنه لا جديد فى الدنيا
ولا غرابة فيها .. ففي الحياة كل ما تتخيل وما لا تتتخيل من وقائع .. فلقد كنت
طالبا فى الجامعة .. وكانت هى أستاذتي فيها .. نعم أستاذتي
فرأيت فيها المرأة الكاملة التى يتمناها أي إنسان..فهي
سيدة رقيقة أنيقة .. نشيطة طموح .. مثقفة خفيفة الظل .وقبل ذلك محترمة من الجميع ..
وقد علمت إنها أرملة ولها طفلان فشغفت بها حبا ، ولا تسألني كيف حدث ذلك ، فلقد
وجدت نفسي بالتدريج وخلال فترة طويلة مجنونا بها ومصمما على أن تكون أستاذتي هذه
هى زوجتي وشريكة حياتي .. فعلمت المستحيل حتى أحست بى وبوجودي .. وعرفت من اليوم
الأول أنه لا طريق إليها إلا بأن أكون أهلا لها.وبالتالي فلابد من النجاح بتفوق
لكى أعمل معيداً ثم مدرسا بالجامعة وأصبح زميلا لها بعد أن كنت تلميذاً لها.
وأمضيت الليالي ساهراً وخلال عامين من بداية حبي
لها كنت قد نجحت وتفوقت تفوقا لا يتيح لأحد فرصة تجاوزي فى أى تعينات فى الكلية،
وعينت فعلا عقب التخرج معيداً وأصبحت الخطوة التالية الآن قريبة ، فبدأت المرحلة
الأولى من مشروع الزواج بمفاتحة أهلي فى الموضوع وسمعت الكثير من اعتراضاتهم
وكلماتهم المؤلمة .. لماذا تتزوج من أرملة وأنت شاب صغير لم يجرب حظه فى الزواج ؟
أو لماذا تتزوج من سيدة تكبرك بعدة سنوات ؟ أو هل ضاقت بك الدنيا حتى تتزوج بسيدة
عزباء إلخ.
وسمعت وسمعت لكنى لم أعر كل هذه الأقاويل إلتفاتا
، وكلما نظرت إليها وجدتها تزداد على مر السنوات جمالاً وشباباً.وقررت أن أطلب
يدها من أهلها بدون موافقة أهلى .. وذهبت إليهم وحدي بلا أى رفيق .. فكانت الصدمة
أن رفضني أهلها وبشدة ، فانهارت أحلامى ولم يعد هناك مفر من الفراق فمضيت أنا إلى
طريق ومضت هى فى طريق آخر.
وعشت سنوات بلا حياة.ثم حاولت الاستجابة لنداء
العقل كما قال لى الأهل.فتقدمت لخطبة فتاة تصغرني فى السن كما يقول العقلاء
وتزوجتها وقلت لنفسي لعل معهم الحق فيما يقولون فالشباب بهجة ومرح وعطاء ، ولا
يجوز أن أحرم نفسي منه.فتزوجت زوجتي الشابة تلك .فإذا بى أعيش مع "عجوز"
فى قلبها .. وفى عطائها .. وفى إبتسامتها .. وكنت أنظر إليها .. وأقارن بينها وبين
الأخرى فأجد الأخرى مازالت زهرة ناضرة رغم بعض الشحوب والحزن.وأجد زوجتي الشابة.كهلة
فى روحها وبعد معاناة طويلة استمرت 5سنوات قررت أن أضع حداً للمأساة التى أعيشها ،
وقررت أن أطلق زوجتى الشابة ، وأن أتحرر من حياة مزيفة لا أحس فيها بالحب
والمشاركة وإئتلاف روحي مع روحها ، وتزوجت حبيبتي بعد طول ضياع واغتراب وبكينا على
السنوات التى ضاعت من حبنا وعمرنا وبارك أولادها حبنا وزواجنا .ورزقنا الله بمولود
رائع كأمه وأنا أكتب لك هذه الرسالة بعد عامين من زواجنا السعيد ونحن نحتفل بعيد
ميلاد طفلنا الاول وقد ناقشت رسالتى بالدكتوراة وكانت حبيبتى هى نجمه المناقشة
بجمالها ومرحها وسعادتها بى أمام الجميع".
وتوقفت عند هذا الحد من القراءة ورفعت عينى لتأمل
الزوجين اللذين يجلسان إلى مائدتى مرة أخرى كإنى أراهما لأول مره وحسبت الفترة
التى مضت على نشر هذه الرسالة وهى حوالى سبع سنوات فقدرت فى سرى أنه يقترب الآن من
الأربعين من عمره وأنها تقترب من الخمسين وإزداد إهتمامى بأن أعرف هل بدأ فارق
السن يؤثر أثره السلبى على علاقة الزوجين المحبين أم لا ..
فعدت أتأمل الزوجة من جديد فرأيتها أنيقه ورشيقه
وجميله جمالاً هادئاً .. لكن شخصيتها مريحة فعلا وتبعث فى النفس الهدوء والثقة .. ولفت
إنتباهي أن زوجها الذى يصغرها بعشر سنوات لا يكاد يبدو أصغر منها فلقد حل هو
المشكله بأن كبر فى مظهره خمس سنوات وصغرت هى فى مظهرها خمس سنوات فإلتقيا فى
منتصف الطريق لكن أبرز ما أحسست به هو أنهما زوجان سعيدان ومتفاهمان وصديقان..
وسألتهما عما صنعت بهما الحياة فى السنوات الماضية
فعرفت منه أنه تزوج حبه الكبير وهو مدرس مساعد وهى أستاذة وأنهما زميلان بقسم واحد
بالكلية .. وقد أصبح أستاذاً منذ ثلاث سنوات , ثم تعترضت حياتهما لأزمة عابرة منذ
أربع سنوات حين رُشحت الأستاذة بحكم أقدميتها لرئاسة القسم اللذين يعملان فيه, فتحرجت
أن ترأس مع ما قد يثيره ذلك من حساسيات بعض الزملاء أو إتهامهم لها بمحاباته
فتنازلت عن أحقيتها فى رئاسة القسم للزميل الذى يليها فى الأقدمية واستراحت إلى
قرارها ,لكن زوجها ثار ثورة عارمة لتنازلها عن حقها من أجل هذه الإعتبارات "التافهة"
ولامها بشدة وهددها بأن يسعى للإنتقال من الكلية كلها إذا فعلت ذلك مره أخرى..
وعرفت أيضا أنهما كما قال لى يديران مملكه صغيرة
تضم ثلاثة أبناء ولدهما من زوجهما السعيد , وولداً وبنتاً من زيجتها الأولى وأنهما
منذ إطمئنا إلى قدرة الابن والابنه الكبيرين على رعاية اخيهما الصغير أصبحا
يستطيعان الخروج والسهر وحدهما فى منتصف الأسبوع ويخرجان مع الأبناء يوم الجمعة , وفى
إحدى هذه السهرات التى يحرصان فيها على أن يخرجا معاً ويجلسا فى هذا المكان .. رأياني
.. وتذكرا تعليقي على حبهما وفكرا أكثر من مره أن يتحدثا إلىّ عنه إلى أن جاءت
فرصة وجودى وحيداً تلك الليلة..
وكنت مازلت ممسكاً بالقصاصة فى يدى ولم أقرأ بعد
ما كنت قد كتبته تعليقا على رسالتهما ..فأشفقت على نفسى من أن أكون قد قسوت عليهما
أو أخطأت الحكم على مستقبل زواجهما وحبهما أو صدتهما برأى جاف لأننى ممن ينادون
دائما بمراعاة قوانين الحياة وعدم الخروج عليها بقدر الإمكان مع تسليمى دائماً بأن
هناك إستثناءات وأن لكل قاعده شواذ , فإستئذنتهما فى أن أقرأ "رأيي" فى
زواجهما وحبهما وإعتذرت لهما مقدما بأن الزمن هو أفضل معلم ,وأنى أريد أن أعرف
الفارق بين ما تخيلته أنا وبين ما كشف عنه علم الحياه الذى قال عنه ألبير كامى: إنه
أصعب العلوم والفنون .. وأمسكت القصاصة وقرأت ردى فوجدتنى قد قلت له فيه بعد مقدمه
قصيره:
وعلى أى حال فهنيئاً لك سعادتك التى توصلت إليها
بإصرارك الغريب وإرادتك الحديدية .. والحياة يا صديقي رحلة بحث مستمرة منذ فجر
الإنسانية عن السعادة وفى رأيى أن كل ما يحقق سعادة الإنسان دون الإضرار بالآخرين
ودون الخروج عن تعاليم السماء مقبولا ومشروعاً بل ومطلوب أيضاً بشدة, وأن التكافئ
بين الزوجين فى السن والظروف والحالة الإجتماعية لم يشرع عبثاً .. وإنما شرع لضمان
أسباب السعادة والتفاهم والتجاوب فى الزواج, لكن لكل قاعدة إستثناء والسعادة فى
النهاية مسألة شخصية جدا لا يستطيع أن يحكم عليها أحد إلا من تعنيهم وتخصهم وإلا
من يعيش التجربة بنفسه , فما دمت سعيداً وموفقاً فى زواجك فهذا شئ رائع ..وفى ظنى
أن سر سعادتك هو أنك قد أحببت حباُ عظيما من ذلك النوع الذى يقال عنه "حب
العمر" وأنك حددت هدفك ومضيت إليه بلا تردد وكرست حياتك لتحقيق هذا الهدف
فبلغته , فإن كان فى تجربتك هذه شئ سلبى ..فهو فقط فى أنك خلال رحلتك هذه قد ظلمت
زوجتك الشابة بغير ذنب فى قصتك الأصلية..وكان الأفضل لو لم تخض تجربتك معها من
الأساس إلا بعد أن تتأكد من نفسك ومن أنك قد تخلصت من تأثير "الأستاذه عليك"
ولكنك تسرعت وحاولت وأخطأت وعشت مع زوجتك بقلب غائب..بعين تنظر إليها بإحساس
المقارنه بينها وبين الأخرى..فأذيتها بلا جريرة وكان الفشل هو النتيجة الطبيعية..فلعل
الله يعوضها عن تجربتها الخاسرة معك ولعلك تكفر عن ذلك بطلب المغفرة والله غفورُ
رحيم, ومرة أخرة هنيئا ً لك سعادتك مع شريكة عمرك..لكن لا تطلب من الآخرين أن
يكرروا تجربتك دائما .. فما يصلح لإنسان قد لا يصلح للآخر, ولكل تجربه ظروفها ,وقوانين
الحياة العامة أولى دائما بالإتباع فى الظروف العادية..أما فى ماعدا ذلك فالقلوب
قد تصنع أحيانا المعجزات..
وإنتهيت من قراءة الرد وإطمئنيت قليلاً إلى أنى لم
أحكم مسبقا بفشل التجربة أو أتنبأ به ووجدت نفسى قد وضعت فى الإعتبار عمق العلاقة
العاطفية الذى يعوض أحياناً سلبيات المغامرة بالخروج على قوانين الحياة..فسألته: هل
ساءك لومى لأنك تسرعت بالزواج ممن لا تحب ؟ فأجابنى بهدوء: إطلاقاً لم يسئنِي ذلك
؛ لأنني أخطأت فعلا فى حقها حين تزوجتها وأنا أحب غيرها .. لكن ما خفف من إحساسى
بالذنب ,هو أنى لم أنجب منها وأنها لم تحاول أبداً أن تساعدنى على الإقتراب منها ..
ويبدو أن الخطأ كان مزدوجاً وليس من جانبي وحدي فهي أيضا لم تجد فىِ ضالتها وقد
تزوجت بعد طلاقى لها بأقل من عام وأنجبت على الفور فى حين أمضت معى خمس سنوات ولم
تحمل رغم أنها كانت حريصة على الإنجاب..
وتدخلت "الأستاذة" فى الحديث وسألتنى :هل
هناك خلاف كبير بين ما توقعت وبين ما صنعه الزمن بحياتنا ؟ فأجبتهما شارداً: لا
أكاد أرى خلافاً والسر واضح وهو أن كل منكما هو النصف الصحيح للآخر وقد جمعت
بينكما الحياة فى الوقت المناسب وفى الزمن الصحيح فتداخلت التعاريج وتحولت إلى
نسيج واحد أكثر متانة وأكثر شباباً.
وجاء أصدقائى .. فهمَّ الزوجان السعيدان بالإنسحاب فسألتهما: هل أستطيع أن أستعير منكما هذه القصاصة بضعة أيأم .. فأجابني بصوت واحد :خذها هدية لك فعندنا منها عشر صور.
كتبها من مصدرها / بسنت محمود
راجعها وأعدها للنشر/ نيفـين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر