الأستاذة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1985
ليست
هناك تجربة إنسانية يطلع عليها المرء ولا يستفيد منها شيئاً سواء اتفق أو اختلف
معها .. ونحن عادة لا نتعلم من تجاربنا وحدنا, وإنما أيضا من تجارب الآخرين حولنا ..
ولعلنا نتعلم من التجربة المؤلمة بأكثر مما نتعلم من التجارب السعيدة, وهذه مفارقة
عجيبة من مفارقات الحياة!
عبد الوهاب مطاوع
بريد الجمعة
رسالتي هذه ليست مشكلة تحتاج إلى حل بقدر ما هي
نموذج يوضح أنه لا مستحيل أمام قوة إرادة الإنسان وقوة حبه وإيمانه.. وقصتي تبدأ
منذ عشر سنوات وأنا طالب فى الجامعة .. ولعلك سوف تندهش لبعض تفاصيلها .. لكني
أقول لك إنه لا جديد في الدنيا ولا غرابة فيها .. ففي الحياة كل ما تتخيل وما لا
تتخيل من وقائع .. فلقد كنت طالبا فى الجامعة .. وكانت هي أستاذتي فيها .. نعم
أستاذتي !
لماذا تستغرب؟ .. أليست الأستاذة بشراً يحب ويكره
ويتزوج ويطلق كسائر البشر؟ .. ولقد رأيت فيها المرأة الكاملة التي يتمناها أي
إنسان .. فهي سيدة رقيقة أنيقة .. نشيطة طموح .. مثقفة خفيفة الظل .. وقبل ذلك
محترمة من الجميع .. وقد علمت إنها أرملة ولها طفلان فشغفت بها حبا ، ولا تسألني
كيف حدث ذلك ، فلقد وجدت نفسي بالتدريج وخلال فترة طويلة مجنونا بها ومصمما على أن
تكون أستاذتي هذه هى زوجتي وشريكة حياتي .. فعملت المستحيل حتى أحست بى وبوجودي
وصارت هي حلمي الوحيد .. وعرفت من اليوم الأول أنه لا طريق إليها إلا بأن أكون
أهلا لها وبالتالي فلابد من النجاح بتفوق لكي أعمل معيداً ثم مدرسا بالجامعة وأصبح
زميلا لها بعد أن كنت تلميذاً لها.
وأمضيت الليالي ساهراً وخلال عامين من بداية حبي
لها كنت قد نجحت وتفوقت تفوقا لا يتيح لأحد فرصة تجاوزي فى أى تعيينات فى الكلية ،
وعينت فعلا عقب التخرج معيداً وأصبحت الخطوة التالية الآن قريبة ، فبدأت المرحلة
الأولى من مشروع الزواج بمفاتحة أهلي فى الموضوع لكن الأهل لم يرحمونا وسمعت
الكثير من اعتراضاتهم وكلماتهم المؤلمة .. لماذا تتزوج من أرملة وأنت شاب صغير لم
يجرب حظه فى الزواج ؟ أو لماذا تتزوج من سيدة تكبرك بعدة سنوات ؟ أو هل ضاقت بك
الدنيا حتى تتزوج بسيدة عزباء إلخ.
وذهبت إلى أستاذتي وأنا فى
الثلاثين وهى فى الأربعين بعد أن أضعنا 5 سنوات ثمينة من حياتنا ، وصدقني أنني
رأيت أمامي عروساً كالزهرة الناضرة تنتظرني فطلبت يدها وبكينا على السنوات التى
ضاعت من حبنا وعمرنا وبارك أولادها حبنا وزواجنا ، وتزوجت حبيبتي بعد طول ضياع واغتراب
..ورزقنا الله بمولود رائع كأمه .
وأنا أكتب لك هذه الرسالة لأنى أتابع رسائل بريد
الجمعة وأعرف كم تسعد برسالة لأي قارئ يحكى لك فيها عن تجربة مضيئة تظللها
السعادة.لذلك أكتب إليك لأقول إنني سعيد .. سعيد إلى حد أخشى معه على هذه السعادة.
وأريد أن أقول لكل محب صادق ألا يسمع لكلام الناس
.. وألا يجعل سعادته رهينة بآرائهم وكلامهم مادام لا يغضب الله فيما يصنعه فإنه لو
سمع كلام الآخرين فلن يجنى سوى الحسرة والندم.
ولكاتب هذه الرسالة أقول:
شكراً
لك لأنك أردت أن تثرى تجربتنا الإنسانية ومعارفنا بتجربتك الفريدة هذه .. وفى الحقيقة
فليست هناك تجربة إنسانية يطلع عليها المرء ولا يستفيد منها شيئا سواء اتفق أو
اختلف معها .. ونحن عادة لا نتعلم من تجاربنا وحدنا ، وإنما أيضاً من تجارب
الآخرين حولنا .. ولعلنا نتعلم أحياناً من التجربة المؤلمة بأكثر مما نتعلم من
التجارب السعيدة ، وهذه مفارقة عجيبة من مفارقات الحياة !..
وعلى أي حال فهنيئا لك سعادتك التى توصلت إليها
بإصرارك الغريب وإرادتك الحديدية .. وما الحياة يا صديقي سوى رحلة بحث مستمرة منذ
فجر الإنسانية عن السعادة..وفى رأيى أن كل ما يحقق سعادة الإنسان دون الإضرار
بالآخرين ودون الخروج على تعاليم السماء مقبول ومشروع بل ومطلوب أيضا بشدة ، وحتى
شرط التكافؤ بين الزوجين فى السن والظروف والحالة الاجتماعية لم يوضع عبثاً..
وإنما شرع أصلاً لضمان أسباب السعادة والتفاهم
والتجارب فى الزواج بقدر الإمكان ، لكن لكل قاعدة استثناء دائماً .. والسعادة فى
النهاية مسألة شخصية جداً.لا يستطيع أن يحكم عليها أحد من الخارج ، ولا يمكن أن
يحكم عليها بصدق إلا من يعيش التجربة بنفسه فمادمت سعيداُ وموفقاً فى زواجك فهذا
شىء رائع .. وفى ظني أن سر سعادتك هو أنك قد أحببت حباً عظيماً مما يقال عنه ، حب
العمر، وأنك حددت هدفك ومضيت إليه بلا تردد.وإنك كرست حياتك لتحقيق هذا
الهدف فبلغته وحق لك أن تهنأ به.
وإن كان فى تجربتك هذه شىء سلبي .. فهو فقط فى أنك
خلال رحلتك هذه قد ظلمت زوجتك الشابة بغير إرادة .. وكان الأفضل لو لم تخض
تجربتك معها من الأساس .. إلا بعد أن تتأكد من نفسك ومن أنك قد تخلصت عن تأثير
"الأستاذة" عليك..لكنك تسرعت وحاولت..وأخطأت..وعشت مع زوجتك بقلب غائب
.. وبعين تنظر إليها بإحساس المقارنة بينها وبين الأخرى .. فأذيتها بلا جريرة وكان
الفشل هو النتيجة الطبيعية .. فلعل الله يعوضها عن تجربتها الخاسرة معك .. ولعلك
تكفر عن ذلك بطلب المغفرة ، والله غفور رحيم دائماً .. ومرة أخرى هنيئاً لك سعادتك
مع شريكة عمرك .. لكن لا تطلب من الآخرين أن يكرروا تجربتك دائماً .. وفى كل
الأحوال.
فيما يصلح لإنسان قد لا يصلح لإنسان
دائماً..ولكل تجربة ظروفها ، وقوانين الحياة العامة أولى بالإتباع فى الظروف
العادية .. أما فيما عاد ذلك فالقلوب أحياناً تصنع المعجزات..كما حدث معك فى
تجربتك.
كتبها من مصدرها / ياسمين عرابي
راجعها وأعدها للنشر/ نيفـين علي


برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر