اليوم الجميل .. رسالة من بريد الجمعة عام 1995
ليت بعض الحيتان الكبار الذين طعموا الحرام حتى شبعوا يقرأون هذه الرسالة .. ويعرفون لماذا لم تسعدهم ثرواتهم الحرام رغم كل ما جمعوا وما كدسوا منها ، أو لماذا تلاحقهم غالباَ الكوارث الشخصية والعائلية والاجتماعية وقد كانوا يظنون أن ثرواتهم الضخمة هي حصن الأمان.
عبد الوهاب مطاوع
أنا شاب مصري بسيط من أسرة متواضعة تخرجت فى الجامعة ، ولم أجد عملاً على الفور بشهادتي الجامعية .. ولم يكن لى أقارب من ذوي الاتصالات لكي يعينوني على إيجاد وظيفة ، فلم أنتظرها وخرجت للعمل كسائق سيارة أجرة في شوارع القاهرة. وتنقلت من سيارة إلى سيارة إلى أن استقررت في العمل مع صاحب سيارة أجرة على سيارته وأحببت عملي وبذلت جهداً كبيراً فيه رغم نظرات الأهل وانتقاد البعض لي أن أرضى بعمل سائق أجرة بعد مشوار من التعليم الطويل إلى أن جاء يوم "جميل" أو هكذا اعتبرته وقتها منذ ثماني سنوات وسأحكي لك فيما بعد عن تأثيره في حياتي، وكنت فيه أعمل بالسيارة فقمت بتوصيل راكب إلى مطار القاهرة، وتناولت منه أجرى ورجعت بالسيارة في طريقي إلى المدينة خاليا من الركاب لأنه لا يسمح بسيارات المدينة بنقل الركاب من المطار. وفى أول طريق المطار شاهدت راكبين شابين قادمين من الخارج ويبحثان عن سيارة أجرة.. وفهمت من منظرهما أنهما قد آثرا الابتعاد عن سيارات الأجرة المخصصة للمطار لأن أجورها عالية بالنسبة إليهما فوقفا في بداية الطريق المؤدى للمدينة يبحثان عن سيارة أجرة، وتوقفت أمامهما ودعوتهما للركوب فركبا ووضعا حقائبهما بالسيارة. لكن الشرطي المعين في هذا المكان جاء وأنزلهما من السيارة لأنه غير مصرح لي بنقل ركاب من المطار، واستجاب الشابان لطلب الشرطي، وانصرفت بالسيارة وبعد أن وصلت إلى وسط المدينة اكتشفت أن أحدهما قد نسي فى سيارتي حقيبة بها بعض الأوراق وبعض الشيكات السياحية، فأخذت هذه الشيكات وفرحت بها جداً بل وذهلت لها لأنها كانت أكبر مبلغ أجده في يدي فى ذلك الوقت وكانت بحوالي 400 دولار، وحاولت صرفها فنجحت في صرف أكثر من نصفها وفشلت في صرف الباقي فوضعت الشيكات الباقية والأوراق فى مظروف وأرسلته للشاب على عنوانه بالفيوم، ونسيت هذه القصة كلها وسقطت من ذاكرتي ومضت السنوات وتنقلت من عمل إلى عمل – ثم هاجرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية وعملت وأقمت بها .. وكسبت الكثير .. لكني لم أدخر شيئاً يذكر كما فعل زملائي بل على العكس فإنني كلما جمعت مبلغاَ محترماَ من المال أجده يضيع منى هباء لا أعلم كيف.
وتكررت هذه القصة معي إلا أنني سألت نفسي عن سر ما يحدث معي رغم أنني لا أقبل هنا قرشاَ حراماَ ، فإذا بى أتذكر يا سيدي ذلك الشاب المكافح الذي كان عائداَ منذ ثماني سنوات من العراق ونسى فى سيارتي تلك الحقيبة والشيكات ولعلها كانت كل ثمرة غربته وشقائه ، وتذكرت كيف أنني لم أفعل ما كان يمليه علي واجب الأمانة فأرسل له خطاباَ بأن يحضر لتسلم حقيبته وماله منى.
وأدركت أن بداية مالي كانت حراماَ فى حرام لهذا فإن الله لم يبارك لى أبداَ فيه – وضاعت مني مبالغ كبيرة جمعتها هنا فى غربتي بعملي وكفاحي وشقائي.
إنني نادم يا سيدي على ما فعلت وأنا شاب صغير طائش وضميري يؤرقني ليل نهار كلما تذكرت فجيعة ذلك الشاب العائد من العراق فى ماله وأريده أن يسامحني فيما فعلت معه وأريد أن أعيد إليه المبلغ كله كاملاَ 400 دولار ليرتاح ضميري لكني للأسف لم أحتفظ باسمه ولا عنوانه ولا أعرف عنه إلا أنه كان من أهل الفيوم – لقد تحول اليوم "الجميل" الذي أمسكت فيه بأكبر مبلغ وقتها فى يدي إلى يوم تعيس فى حياتي تطاردني ذكراه إلى الآن وتؤرقني وإني لأئتمنك على عنواني فى بالتيمور بأمريكا وأرجو منك أن تعطيه لهذا الشاب حين يطلبه منك لمراسلتي أو لكل من يظن أنه صاحب المبلغ، راجياَ منهم أن يكتبوا إلي على عنواني بمواصفات الحقيبة ولونها وشكلها وحجمها لأتأكد من حقيقة صاحبها وأرسل إليه شيكاً بالمبلغ أو أن يتصل بى من يرغب برقم تليفوني المرفق برسالتي بغير أن يدفع مالاَ لذلك لأني سأستقبل مكالمته بنظام المكالمات المدفوعة من الطرف الآخر وأدفع أجرها عنه ، وأرجو أن يوفقني الله إلى التوصل إلى هذا الشاب وأن يسامحني فيما فعلت معه والسلام عليكم.
ولكاتب هذه الرسالة أقول :
حباَ وكرامة يا صديقي افعل ما تطلب منى بكل ترحيب وأمل أن يقرأ ذلك الشاب من أبناء الفيوم رسالتك النبيلة هذه ويتذكر فجيعته القديمة في معظم شقاء غربته المضنية في العراق ، ويتصل بي فى أقرب فرصة لأعطيه عنوانك ورقم تليفونك ولو شاء أن يطلبك من مكتبي لرحبت بذلك وأعنته عليه وبغير نظام المكالمات المدفوعة من جانبك أيضاَ . تحية لك وتقديراَ لنيل مقصدك ، وكل رجائي أن يوفقك الله سبحانه وتعالى فى التوصل إلى صاحب ذلك المال وإعادته إليه ولا شك فى أنه سوف يغفر لك ما سلف من أمرك وسوف يجد فى أدائك إليه المبلغ كاملاَ رغم ما سبق أن إعدته إليه منه، التعويض العادل الذي ترضى به نفسه وتصفح عما حدث بإذن الله .
أما أنت فأبشر براحة القلب والضمير بعد أن يوفقك الله إلى أن تعيد إلى ذلك الشاب ماله، وأبشر بكل نجاح وتوفيق في حياتك وأعمالك بعد أن تطهر مالك من وصمة الحرام وتزكيه عند ربك بما ستفعل فيضاعفه لك أضعافاَ مضاعفة ويربيه لك بلا حساب إن شاء الله.
وليت بعض الحيتان الكبار الذين طعموا الحرام حتى شبعوا يقرأون رسالتك هذه .. ويعرفون لماذا لم تسعدهم ثرواتهم الحرام رغم كل ما جمعوا وما كدسوا منها ، أو لماذا تلاحقهم غالباَ الكوارث الشخصية والعائلية والاجتماعية وقد كانوا يظنون أن ثرواتهم الضخمة هي حصن الأمان.

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر