العقاب .. رسالة من بريد الجمعة عام 1985
إن الكلمة الطيبة صدقة وهي تأسر القلوب وتدفع الأذى وتسد أبواب الشر وتفتح أحيانا أبواب النعيم .
عبد الوهاب مطاوع
أكتب إليك هذه الرسالة وأنا في قمة اليأس والكره الشديد لنفسي .. فأنا يا سيدي أمثل حالة من الحالات العجيبة التي تستقبلها في بريدك .. وأرجو أن يتسع لى صدرك كما يتسع لأصحاب هذه الحالات .. وبداية أقول إنني أكتب إليك لا لأشكو ظلما وقع علي من أحد ولا لأشكو إليك غدر أحد بي .. وإنما أكتب إليك أشكو إليك نفسي التي تسبب لي الشقاء والمعاناة وتكاد تحطمني !
فأنا يا سيدي ممن يقول عنهم الناس أن كلامهم مثل "الدبش" يتساقط على الآخرين فيصيبهم ويجرحهم ويسيل دماءهم كما تفعل الحجارة إذا سقطت فوق رأس إنسان من عل ، فأنا أعامل الناس بسوء وجفاء .. وبسبب هذه المعاملة وقلة ذوق معهم ابتعد عني الناس وأصبحت وحيدا شریدا يتجنبني الأصدقاء والأهل ! .
وأنا سريع الغضب أغضب لأتفه الأشياء فأثور ثورة عارمة وأنهال على الضحايا بالألفاظ الفظيعة ، ثم بعد أن أهدأ أحاول أن أجد سببا مقنعا لما حدث .. فلا أجد !.
فمثلا خلال العام الدراسي اختلفت مع زميلة لي في الرأي ، فانفجرت فيها فجأة وسببتها وأهنتها واتهمتها بأسوأ الاتهامات ففوجئت المسكينة بما حدث وانهارت وبكت بينما أنا مستمر في هجومي العنتري عليها بلا أي مراعاة لبكائها ولا لصيحات الاحتجاج من زملائي ، وبالطبع فلقد تجنبني الجميع بعد ذلك وأصبحت أدخل إلى المحاضرة وحيدا ذليلا واضعا وجهي في الأرض واخرج منها على نفس الحال .
وحدث بعد أن تجنبني الزملاء والأصدقاء أن كنت جالسا وحيدا في الحديقة المقابلة للجامعة فطلب مني الجنايني بأدب أن أبتعد قليلا لکي يروي الزرع في نفس المكان . فإذا بي أنفجر فيه بالسباب واللعنات شوطا طويلا قبل أن أهدأ بعدها وأنصرف متضايقا .
ثم جاءت بعد ذلك الإجازة الدراسية في الصيف فعذبت فيها عذابا فظيعا لأن علاقتي مقطوعة مع أهلي وأصدقائي بسبب طول لساني هذا . وطوال أيام الأجازة كنت أستيقظ في الظهر وأخرج من البيت دون أن يهتم بي أحد أو يسألني أين أنت ذاهب أو هل تريد شيئا ، فأتجه إلى الحديقة العامة القريبة من سكني وأظل جالسا وحيدا فيها أحاول أن اعرف لماذا أنا "أبيح" هكذا بلا جدوى ! وأقرر أن أغير من نفسي .. وأتمسك بذلك لمدة أيام ثم ارجع ثانية لان الطبع غلاب .
إنني أمر بحالة شديدة من اليأس والاكتئاب والضيق والحزن الشديد لا استطيع أن أصفها لك .. وأطلب منك حل مشکلتی لکي ينصلح حالي .. وشكرا جزيلا !.
ولكاتب هذه الرسالة أقول :
يا سيدي إن أباطرة وملوك وحكماء الشرق والغرب جميعا لا يستطيعون حل مشكلتك لسبب بسيط هو أن حلها معلق بطرف لسانك .. ولا يستطيع أحد مهما فعل أن ينطق نيابة عنك بما يجمع بينك وبين الناس .. بدلا من أن يفرق بينك وبينهم كما تفعل الآن .. ثم لأنك تعاني من داء عضال هو الحماقة .
وقديما قالوا :
لكل داء دواء يستطب به إلا الحماقة أعيت من يداويها !
وقبل أن أستطرد في إبداء رأيي أرجو ألا تصعد النار على رأسك على الفور قبل أن تكمل قراءة هذا الكلام فتتحفني على البعد بباقة مختارة من قذائفك التي تطلقها فتتناثر في الجو كالقنابل العنقودية مفرقة الناس من حولك ..
فمن عادة الحمقى أن يسبق غضبهم حلمهم .. وأن تسبق انفعالاتهم تفكيرهم لذلك أدعوك إلى الهدوء لتسمع مني ما أقول "وأنت وتربيتك بعد ذلك" ! .
إنني أقول لك يا سيدي أن خير الخلق أجمعين وهو من أدبه ربه فأحسن تأديبه قد قال له الحق سبحانه : ولو کنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ، فكيف تنتظر من الناس ألا ينفضوا من حولك أنت وأنت معهم على هذه الحال التي تصفها بنفسك ؟.
إن انصراف الناس عنك هو العقاب الطبيعي لك من جانبهم ، فليس كل الناس على استعداد لأن ينازلوك في ميدانك ، وعقاب سليط اللسان .. غليظ الطبع والقلب هو اعتزاله والابتعاد عنه ، لذلك فأنت وحيد لا يهم أمرك أحدة حتى أهلك ومن كانوا أصدقاءك وسوف تبقى كذلك إلى إن تغير ما بنفسك ، وإلى أن تتعلم كيف تكظم غيظك وكيف تكف أذاك عن الآخرين .. بل وكيف تعطيهم من طرف اللسان حلاوة تجمع قلوبهم حولك بدلا من أن تفرقها .
فاملك غضبك يا صديقي .. تملك نفسك .. ومن ملك نفسه فقد ملك الآخرين بدماثته ورقة طباعه ولين عريكته . واعلم أن الكلمة الطيبة صدقة وأنها تأسر القلوب وتدفع الأذى وتسد أبواب الشر وتفتح أحيانا أبواب النعيم ، وإذا صدق ظني فإن اندفاعاتك وطلقاتك هذه قد يكون لها بعض الأسباب البيولوجية التي يفلح العلاج الطبي بالمهدئات والعقاقير في التخفيف منها ، فاعرض نفسك على طبيب للأمراض العصبية يعاونك في تجنب مثل هذه الانفجارات الضارة ..
أما دماثة الطبع ورقة الحديث مع الآخرين وتعلم مراعاة شعورهم واحترامهم فلن يفيدك فيها طبيب ولا معلم لأنك أنت طبيب نفسك ولا طبيب لك سواك ..
هذا هو رأيي .. أرجو ألا يغضبك .. وعموما ومن باب الاحتياط أقول لك : الله يسامحك !.
*نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" سنة 1985
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر