الشريكان .. رسالة من بريد الجمعة عام 1989

الشريكان .. رسالة من بريد الجمعة عام 1989                              

الشريكان .. رسالة من بريد الجمعة عام 1989

اسمح لي أن أبدا قصتي من بدايتها البعيدة بعض الشيء ، فمنذ سنوات بعيدة جئت إلى القاهرة مع صديق صباي وطفولتي لنلتحق بجامعة القاهرة وكان صدیقی يتيم الأب يرعاه شقيقه الأكبر ويقسو عليه بلا مبرر وكنت أنا يتيم الأبوين وأعيش في كفالة عم حرمه الله من الأبناء لم يعرف حنان الآباء ولا عطفهم

وكانت الدراسة الثانوية بعيدا عن أسرتينا في الريف قد جمعت بيني وبين صديقي هذا في سكن مشترك في عاصمة الإقليم ، فتألفت روحانا ووجد كل منا لدى الأخر ما يعوضه عن قسوة الحياة ، وحين حصلنا على الشهادة الثانوية والتحقنا بجامعة القاهرة لم نفكر في الإقامة بالمدينة الجامعية، وإنما بحثنا عن شقة صغيرة نقيم فيها معا كما اعتدنا أيام الدراسة الثانوية ..  ووجدنا شقة صغيرة إيجارها 4 جنيهات ، بخلو رجل قدره مائة جنيه . كان على كل منا أن يدفع نصفها فتنازل صديقي لشقيقه عن قطعة ارض من ميراثه الضئيل مقابل الحصول على المبلغ ، وفعلت أنا نفس الشيء مع عمي وحصلنا على الشقة وأثثناها بأثاثنا الفقير واستقبلنا حياتنا الجامعية بتفاؤل واستبشار ، لم يوثر فيهما ما تحملناه من ذل للأهل مقابل شراء الأرض ودفع قيمة الخلو .. والتحقنا معا بكلية الحقوق واقبلنا على دراستنا .. وعشنا ایامنا كما اعتدناها بجنيهات قليلة يرسلها الشقيق الأكبر لصديقي ويستكتبه إيصالات بها وكلما استكمل مبلغا معينا استمضاه على عقد ببيع قيراطين من الأرض ، وجنيهات أكثر شحا يرسلها لي عمي بنفس الطريقة ، ولم يكن ذلك يؤرقنا في شيء بقدر ما كانت المعاملة الجافة والمن علينا بما يفعلانه هو الذي يعذبنا حتى أصبحنا نتجنب زيارة البلدة في المناسبات توفيرا لهذا العناء علينا ، ولا تسلني ماذا كانت تفعل بنا الكلمات القارصة ولا اللوم المستمر بلا ذنب جنيناه سوى أن أبوينا قد اختصرا رحلة الحياة وتركانا لرعاية الغير .. فلقد كنا شابين متدينين لم نعرف طيش الشباب ولا لهوه .. ونعيش في تقشف شديد حتى كان أحدنا في بعض الحالات لا يجد ما يستر جسمه في ليالي الشتاء ولا ما يكفيه لشراء ما يحتاج إليه من كتب ومع ذلك فكثيرا ما آذوا مشاعرنا حتى لينعقد لسان الواحد منا أمامهم تم تسيل دموعه صامتة ..وما أدراك بدموع شاب وليس فتاة في العشرين أو الثانية والعشرين من عمره . حتى أصبحنا لا نستنكف البكاء في الشقة الصغيرة حين تضيق بنا الصدور في بعض الليالي .. أو حين تصل إلينا رسالة تقريع جديدة ، وعلى هذا الحل مضت سنوات الدراسة بخيرها وشرها ... تم تخرجنا وتكفلت القوى العاملة بإنهاء عذابنا وتعييننا في موقعين مختلفين .. وقبضنا أول راتب لنا ، فكان أول ما فعله شریکي هو شراء قطعة صوف  لشقيقه الأكبر وفعلت أنا نفس الشيء مع عمى .. وكتبنا لهما خطابين نعترف لهما فيهما بالجميل ونشكرهما على ما قدما لنا

وكانت الأحزان قد علمتنا ألا نعتمد على غيرنا فوضعنا لأنفسنا خطة  5 سنوات لادخار ما نحتاج إليه للزواج ونفذناها بحرص ، ولم نسمح لأنفسنا بأية لمحة رفاهية بعد التعيين اللهم إلا بشراء سريرين لنريح جسدينا اللذين لم يعرفا النوم المستريح لأكثر من 10 سنوات وعدا ذلك فقد مضت حياتنا کما هي ، حتى حققت الخطة أهدافها وأصبع لدى كل منا ما يستطيع أن يتقدم به لأسرة.. وتداولنا في الأمر كعادتنا وتقدم صديقي لأسرة من أقاربه وتقدمت انا لأسرة من أقاربي وتمكن كل منا من الحصول على شقة واسعة في حي جديد لا يفصل بيننا سوی شارع واحد ، وتنازلنا عن الشقة التي شهدت كفاحنا وآلامنا لصاحب العمارة مقابل مبلغ ضئيل ، واقبل كل منا على حياته الزوجية، واستمرت صداقتنا العتيدة القوية كما كانت طوال رحلة العمر ، وحاولنا أن نقرب بین زوجتينا لتكتمل حلقة الصداقة وأصبحنا نمضي ليلة الإجازة معا، ونستضيفهما يوم الجمعة في أسبوع ويستضيفاننا في الأسبوع التالي  ونذهب إلى السينما معا .. ونلبي دعوات الأهل معا ، حتى الصبح تقليدا عند الآخرين ان يدعونا معا إذا رغب في أن يلبي احدنا  دعوته .. وعوضنا الله عن حرماننا الطويل خيرا فتقدم صديقي في عمله وتقدمت أنا أيضا وبعد شهور من الزواج حملت زوجة صديقي ففرحت بحملها فرحة طاغية وجاء موعد ولادتها فاستقبلنا مولودها بأيدينا وسعدنا به .وطفرت دموعي فرحا وكانت زوجتي حاملا في شهورها الأخيرة وبعد فترة قليلة جاء  موعد ولادتها فرافقها صديقي وزوجته إلى المستشفى وعجزت أنا عن تحمل الموقف فجلست في البيت قلقا منتظرا عودة صديقي بالبشرى ، فمضت اللحظات ثقيلة ثم جاءني قریب لزوجتي ينبئني بأن زوجتي قد وضعت طفلا فاقد الحياة وان صديقي قد قام بالإجراءات وحمل الطفل وسافر به إلى بلدتنا ليودعه الثرى ، حتى لا أراه فتحملت على نفسي وذهبت إلى المستشفى وواسيت زوجتي وجلست بجانبها إلى أن غادرت المستشفی .. وروت لي زوجتي من بين دموعها أن نحيب صديقي حين علم بالنبأ قد أثار دهشة الطبيب فاعتقد انه زوجها وراح يطالبه بالصبر.

وتجاوزت الأزمة بإيماني بالله .. وبوقوف صديقي إلى جانبي .. وبعد عام حملت زوجتي مرة أخرى ، وحرصت على أن أوفر لها كل سبل الراحة وجاء اليوم الموعود فاصطحبتها إلى المستشفى، وأصررت على البقاء بجوارها عند الولادة , فإذا بالمأساة تتكرر ويهبط المولود من العدم إلى العدم، وفي هذه المرة كنت أنا الذي أواسی صديقي وأطالبه بالصبر ،

تم تكررت القصة مرة ثالثة فحزمت أمري على ألا أكررها من جديد وان أرضى بما اختاره الله لي وأبلغت زوجتی بذلك وواصلت حياتي راضيا بكل ما تحمله إلي لكن لاحظت بعدها بقليل أن زوجتي قد بدأت تضيق بزيارتها لبيت صدیقي ، وتضيق بزيارته مع أسرته لي وتجاوزت ذلك إلى افتعال خلاف لا مبرر له مع زوجته لكي تقاطعها بعده وتصر على عدم زيارتها .. ورغم قسوة الأمر علينا فقد تقبله صديقي بروح رياضية، وفهمته أنا دوافعه الحقيقية فرثيت لها في أعماقي وأصبحت اتجنب سيرة ابن صديقي الذي اختار له اسمی .. وأتجنب مداعبته أمامها إذا زارنا مع إني أحبه حبا يفوق الوصف.

ومضت الأيام فتركت عملي الحكومي إلى شركة استثمارية براتب كبير ورفض صدیقی المغامرة واثر أن يظل في العمل الحكومي وبعد سنوات كان قد توفر لى مبلغ كبير فانتقلت إلى شقة أرقى واشتريت سيارة وشاركت في مشروع تجاري صغير مع زملاء في العمل .

وأصبحت أنا البنك الذي يقترض منه صديقي في الأزمات ليواجه مطالب حياته ، وكلما عرضت عليه العمل معي في الشركة أو المشروع رفض بحجة أنه يريد الأمان  ولو كان شحيح الرزق بعد أن عاش طوال حياته خائفا من المستقبل.

أما في حياتي الشخصية فقد ساءت معاملة زوجتي لي يوما بعد يوم واشتدت عصبيتها وحولت حياتي إلى جحيم بشكها في كل الناس .. ومحاولتها إبعادي عنهم ، خاصة عن أي صديق له أبناء .

 

وتفاقمت المشكلة برغبتها في العمل رغم معارضتی وإصرارها عليه فسعيت حتى عينتها في إحدى الشركات المتعاملة مع شركتي وأملت أن يخف ذلك من عصبيتها ولكن بلا جدوى حتى فوجئت بها تطلب مني الطلاق بحجة أني لا أحبها واني أتطلع إلى زوجة أخرى تنجب لي ولدا فأقسمت لها صادقا أني قد رضيت بقدري .. وأني سعيد بما اختاره لي الله لكنها أصرت .. وغادرت البيت إلى بیت أسرتها وتركتني وحيدا عدة شهور وأنا أرفض طلاقها عسى أن تعود إلى رشدها وفشلت وساطة صدیقي معها .. فجاء يوما وطلب مني أن أطلقها فطلقتها مستسلما .. وعدت لحياة الوحدة من جديد.

وأصبح صديقي يزورني كل يوم ويحمل ملابسي لغسلها في بيته ويحمل لي الطعام ساخنا في أيام كثيرة وعرفت منه أن زوجته قد عادت للاتصال بزوجتي وتحملت جفائها وإهانتها لها عسى أن توفق بيننا لكني وجدت نفسی فجأة اكف عن التفكير في العودة لها بعد أن ظلمتني وهجرتني بلا سبب فأعلنت له أني لن أعيش معها مرة أخرى .. وكنت حينذاك في الأربعين من عمري وصديقي في الواحدة والأربعين . وشغلت نفسي بالعمل في الشركة وفي المشروع التجاري وفي العلاقات الاجتماعية وذات مساء کنت في شقتي حین دق جرس التليفون وسمعت صوت زوجة صديقي تدعوني للحضور على الفور، فارتديت ملابسي في عجل وأسرعت إليها ، ففوجئت بصديقي مریضا وفي حالة سيئة فأسرعت استدعي الطبيب الذي طلب ضرورة نقله إلى غرفة الإنعاش فظللت واقفا ببابها ثلاثة أيام متتالية حتى خرج علي الطبيب في صباح مشئوم بالخبر الأسود ، فسقطت من طول .. وافقت بعد قليل لأجد زوجة صديقي و ابنه وأقاربهما من حولي فتحاملت على نفسي أمامهم وخرجت لأؤدي واجبي الأخير تجاه شريك العمر وأديت الواجبات وأنا تائه أستعيد شريط حياته وحياتي معه . وأتذكر ليالي الحرمان والجوع .. وليالی البكاء من قسوة الأهل والدنيا .. لتنفجر الدموع من عینی ومرت المراسم الحزينة كئيبة .. ونهضت بتلقائية لأقوم بواجبي تجاه أسرة صدیقي ، فقمت بإجراءات المعاش وصرف المكافأة واستدعيت ابنه الذي يحمل اسمي وقلت له أمام أمه .. لقد كنت الابن الوحيد الذي له أبوان في الدنيا . وقد عادت الأمور الآن إلى طبيعتها فأصبح لك عند الله أب ، وفي الدنيا أب آخر هو أنا . واحتضنته وقبلته ودموعي تنهمر من عيني .. ونظمت حياتي بعدها بحيث أشرف على تعليم ابني الصغير .. وأراقب مذاکرته وألبي طلبات زوجة صديقي وأكون في خدمتها في كل وقت وقدر لي أهلها ذلك وشکرونی کثیرا ، لكن أي شکر انتظره أنا ؟
 وفي خلال هذه الأيام فوجئت بزوجتي السابقة تتصل بي تليفونيا في العمل وتسأل عن أحوالي برقة ونعومة فتحدثت معها قليلا وشكرتها وبعد يومين فوجئت بها تتصل بي وتطلب مقابلتي فذهبت للقائها معتقدا أنها سوف تطلب مني خدمة في مجال العمل فإذا بها تفاتحی برقة برغبتها العودة إلي لأنها أدركت أنها ظلمتني بعد أن مرت ثلاث سنوات ولم أتزوج ففوجئت بالأمر وطلبت منها مهنة للتفكير

وعادت بالاتصال بی بعد أيام ، فاعتذرت عن لقائها ببعض الأعذار ، وطلبت مد مهلة شهر للتفكير وانتهت وعادت للاتصال بي فصارحتها بأني أهدرت ماء وجهي

كثيرا معها حتى لا تهجرني .. وأنني تجرعت آلاما كثيرة بهجرها لي ولا أجد في نفسی میلا للعودة إليها .. فاذا بها تتخلى عن رقتها ونعومتها وتكيل في السباب والوعيد ثم تتجاوز ذلك كله إلى اتهامي فجأة بأنني على علاقة بأرملة صديقي وأنني أحبها ولا أريد العودة لها لهذا السبب ! وأسرعت بإغلاق التليفون منفعلا ومتعجبا من سوء ظنها وقسوة قلبها . إذ لم يخطر لي ما قالته على بال واقسم بالله على ذلك صادقا .

لكن ما أعجب ما تفعل بنا الحياة أحيانا فبسبب هذه الاتهامات الظالمة وتفكيري المستمر فيها لعدة أسابيع بعدها وجدت نفسي ولأول مرة في حياتي أفكر في أرملة صديقي کامرأة وليس فقط کأم لابن اعز الأصدقاء بل ووجدت نفسي تميل إليها وتتأملها فتراها سيدة على خلق ورقيقة ومجاملة وهادئة ومن النوع الذي يدخل قلب كل إنسان يتعامل معها وتنال احترامه ، وإذا بحبها يتسلل إلى قلبي رويدا رويدا حتى يتملكني وإذا بي أشعر تجاهها بخجل غريب لم اشعر به حيالها من قبل وبدأت أتجنب النظر إليها خجلا وحياء ومضت شهور على ذلك لم تتركني فيها مطلقتي في حالي .. فانطلقت تطوف بيوت أقارب زوجة صدیقی لتسوئ سمعتها وسمعتي ، حتى اضطررت للامتناع عن زيارتها بعض الوقت مع إني كنت أحرص دائما على ألا أزورها إلا في حضور أمها أو أحد إخوتها.

وعلمت زوجة صديقي بما تشيع مطلقتي فإذا بها تشعر حیالی بنفس الخجل الذي أحسست به تجاهها وإذا بالنظرات الخجول تكشف ما اكتمه في قلبي حتى تجرأت بعد عامين من رحيل صدیقی على مفاتحتها بحبي لها ورغبتي في الاقتران بها فجلست صامتة لا تقوى على الكلام وأجابت عنها أمها بأنها تقدرني وتحترمني بل وترحب بی لكنها تستشعر الحرج مما أثارته زوجتي السابقة وتفضل عدم القبول حتى لا تتأكد الإشاعات الظالمة .

ولم اقتنع بذلك .. وطلبت الانفراد بأمها وقلت لها أن ابنتها في السادسة والثلاثين ولن تمضي العمر وحيدة وسوف تتزوج يوما ما فما دام الأمر كذلك فاني أولى من غيري برعاية ابن صديقي خاصة وأنا محروم من الأبناء وطلبت منها إقناعها بالقبول فوعدت بذلك ..

والآن يا سيدي قد مر عام على هذا الحديث .. لم أتوقف خلاله عن أداء واجبي تجاه أسرة صديقي ولا عن رعايتها ، كما لم يتوقف قلبي عن حب هذه السيدة

الفاضلة .. بل وتأكد هذا الحب وتعملق داخلي حتى لم أعد أرى في الدنيا سواها .. وقد اعترفت هي لي بأنها تصارع نفسها لكيلا تندفع في اتجاهي .. استشعارا للحرج أمام طفلها الذي بلغ الحادية عشرة .. وأمام الناس الذين عرفوا بقصتنا وأمام مطلقتي التي لا تريد أن تتركنا في حالنا رغم مسالمتي لها ، وأمام وفائها لزوجها الذي أحبته ومازالت وفية له.

واحترمت فيها ذلك وأكدت لها أن وفائي لرفيق عمري لا يمكن أن ينال منه شيء .. لكن العمر يمضي وأنا اقترب من الخامسة والأربعين وورائی شقاء طويل يدفعني لالتماس الراحة والأمان بعد كل ما عانيت من حرمان وآلام .. لقد ألححت على أرمله صدیقی بأن تقبل الزواج منى الآن فطلبت مهلة أخيرة للتفكير .. ثم طلبت أن نستشيرك في هذا الأمر وان نسألك هل تری

حقا في زواجنا ما يتعارض مع العرف والأخلاق والوفاء لذكرى رفیق رحلة العمر ؟

 

ولكاتب هذه الرسالة أقول :

باختصار شديد يفرضه طول قصته : أما عن العرف والأخلاق والدین فليس في زواجك من أرملة صديقك ما يتعارض مع أحكامها وقيودها .. فإن تصاريف القدر وضرورات الحياة  تفرض على الشقيق أحيانا الزواج من أرملة شقيقه لکي يرعى أبناء أخيه ويصون حرماته ، أما الوفاء فهو سؤال صعب لكنك تستطيع أن تجد إجابة منصفة له إذا سالت نفسك : ألست قد بدأت تفکر في أرملة صديقك کامرأة بعد رحيله بعامين وبعد أن نبهك إلى ذلك شكوك مطلقتك ؟

إنني شخصيا أصدقك في ذلك ، لأن الاتهامات الظالمة كثيرا ما تنبه المرء إلى ما لم يرتكبه ولم يفكر فيه كأنما يقول الإنسان لنفسه : مادام الآخرون قد دمغوني به وأنا منه براء فلم لا أفكر فيه فعلا ، وفكرة الآخرين لن تتغير بشأنه ؟

وهذه هي أهمية ألا يلقي الإنسان بالاتهامات جزافا على الغير وان يحترس فيما يقول ويردد عنهم حتى لا يحرضهم على ارتكاب ما يعيبه عليهم ! فإذا كان الأمر كذلك .. وإذا كانت أرملة صديقك سيدة شابة ولن تمضي العمر وحيدة فيما أتصور .. فماذا يمنع إذن أن تكون أنت الأب البديل لابنها المحروم من حنان أبيه وهو من يحمل اسمك وأنت رفيق أبيه في رحلة الآلام والحرمان وخله الوفي الذي ذاق مرارة اليتم وعرف أكثر من غيره کم يحتاج الابن المحروم إلى العطف والحنان ، فماذا يمنع إذن أن تستخدم نفس رخصة الأخ التي تسوغ له أحيانا  الزواج من أرملة أخيه وأنت شقيق الحياة فعلا لزوجها ، والأقربون أولى بالمعروف.

هذا عنك أنت أما عن ترددها للقبول استشعارا للحرج بسبب ما أشاعت مطلقتك الظالمة عنها واستشعارا للحرج أمام الآخرين وبسبب خوفها على مشاعر ابنها وحرجها من أن يتعارض ذلك مع وفائها لزوجها الراحل ، فهو دليل صدق على فضل هذه السيدة وكرم أخلاقها .

وامرأة فاضلة ثمنها يفوق اللآلئ فعلا كما جاء في أمثال سليمان الحكيم .. وأنا شخصيا من يرون أنه ليس من حق الإنسان أن يسعى لسعادته من أي طریق بغیر اعتبار آراء الآخرين ولا لمشاعرهم لأنه لا يعيش وحيدا في غابة وإنما في مجتمع من البشر عليه إذا أراد أن ينال احترامهم ألا يصدم مشاعرهم أو يجرح معتقداتهم ، لكني من ناحية أخرى لا أرى من الحكمة أيضا أن يسمح الإنسان لثرثرة الآخرين الظالمة بأن تحرمه من حقه المشروع في السعادة ما لم تخالف طرقه للوصول إليها القيم الدينية والخلقية لان ثرثرة الحاقدين لن تتوقف سواء اختار الإنسان سعادته أو عزف عنها اتقاء ألسنة البشر .

وقديما قال أحد الفلاسفة انه لو التزم الناس بألا يتكلموا إلا فيما هو مفيد أو جديد لكفوا تقريبا عن الكلام .

فإذا كان الأمر كذلك فليرع الإنسان ربه وضميره في تصرفاته وأعماله أولا وقبل كل شيء ، وليفعل بعد ذلك ما يشاء فإن لم تسعه عدالة الناس فسوف تسعه عدالة السماء وسوف تكتب له السعادة لأنه لم يخالف دينا ولم يظلم أحدا

ومادمت في حاجة إلى الزواج وترى في هذه السيدة الفاضلة من ترغب في أن تقاسمها أيامك وترعى معها ابنها الوحيد .. ومادامت هي أيضا لا  ترفض الفكرة وإنما تتحرج منها ..فالزواج في النهاية هو عصمة لكل منكما من  الخطأ ومن ألسنة البشر أيضا التي لن تهدأ عنكما وطبيعة العلاقة بينكما تفرق عليك والاتصال لأداء واجبك في رعاية ابن صديقك فليرحم كل منكمها إذن حياته مع الآخر .. ويعوض الآخر عما لقيه من عناء بما شرعه الله ويسره ، فليس فيما شرعه الله من حرج لكن بعض الناس لا ينصفون.

* نشرت سنة 1989 في باب بريد الجمعة بجريدة الأهرام
نقلها من أرشيف جريدة الأهرام وأعدها للنشر / نيفين علي

 

Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات