بلا شراع .. رسالة من بريد الجمعة عام 1987

 بلا شراع .. رسالة من بريد الجمعة عام 1987

بلا شراع .. رسالة من بريد الجمعة عام 1987

أكتب إليك يا سيدي لأروى لك قصتنا، وأرجو ألا تضيق بها وتتسرع في الحكم علينا، فلقد بدأت قصتنا حين رحلت أمي وتركتنا وراءها ثلاثة من الأبناء، كنت أنا أكبرهم في الثانية عشرة من عمري، وكان أصغرنا رضيعاً لم يكمل شهور عامه الأول .. وأراد أبونا أن يضمنا إلى زوجته الأخرى التي أنجب منها ولداً وبنتاً فرفضت زوجته. وتوصل الزوجان إلى حل وسط وهو أن تحضر اختنا من أبينا لتقيم معنا وترعى الطفل المولود.

وجاءت أختنا لتعيش معنا وتقوم بدور الأم لنا نحن الثلاثة.. وبرغم أن عمرها في ذلك الوقت لم يكن قد تجاوزا الخامسة عشرة. فلقد أشعرتنا نحن الثلاثة بأنها أم لنا فعلاَ وليست أختاَ لنا، فتولت رعاية شقيقنا الرضيع وتحملت مسؤلية البيت كاملة، واستجابت راضية لطلب أبى حين أراد منها أن تتوقف عن الدراسة لمدة 6 سنوات حتى اشتد عود شقيقي الصغير، وبعد ذلك عقدت العزم على استكمالها، وحتى بعد أن عادت للدراسة لم تكن تهمل شئوننا، بل كانت لا تذاكر دروسها إلا بعد أن ننام جميعاَ. كما كانت تحافظ على زيارة أمها وشقيقتها في مواعيد دورية لأنهما يقيمان في مدينة أخرى، وكلل الله جهودها بالنجاح فحصلت على الثانوية العامة بمجموع كبير واستعدت لدخول الجامعة، فأصر أبى على تزوجيها من شاب من أبناء المحافظة التي تقيم فيها أسرتنا.. وكانت أختي ترغب في استكمال دراستها الجامعية قبل الزواج، لكنها لم تستطع أن تغضب أبى فاستجابت راضية لطلبه وتزوجت.. وتركتنا وانتقلت إلى المدينة التي يعمل بها زوجها.. وتقدمت للالتحاق بالجامعة فيها.

ونظمت حياتها بين رعاية بيت زوجها وبين دراستها.. وبين رعايتنا نحن (أبناؤها) الثلاثة رغم أننا نعيش بعيداَ عنها في القاهرة.. فكانت تزورنا بانتظام مرة كل أسبوع لتطمئن علينا وترتب لنا أمور معيشتنا، وتعد لنا طعاماَ يكفينا لمدة أسبوع، ثم تعود مودعة منا بالحب والعرفان إلى مدينتها وبيتها ودراستها.

ومع كل هذه المسئوليات فلقد تفوقت في دراستها الجامعية.. وتخرجت بتقدير متفوق رشحها لوظيفة مرموقة، وبدأت تعد لدراسة الماجستير وكأن الأقدار لم ترد لها أن تعفيها أبداَ من المسئولية طوال حياتها.. فقد رحلت زوجة شقيقها الأكبر وتركت طفلة عمرها شهور.. فلم تتردد أختي في ضمها إليها في بيتها لترعاها كما رعت شقيقي الرضيع من قبل وأصبحت الطفلة لا تعرف لها أماَ غيرها. وخلال ذلك رحل والدنا وترك لنا ميراثاَ يكفينا لحياة ميسورة، وكان كل منا قد عرف طريقه في الحياة فأصبحت أنا الآن نقيباَ بالشرطة، وأخي الأوسط محاسباً وأخي الأصغر طالباَ في بداية المرحلة الثانوية، أما أخي من أبى فقد أصبح مهندساَ معروفاَ.

ورأت أختنا أو أمنا بمعنى أصح بعد رحيل أبينا جميعاَ لسنا في حاجة إلى هذا الميراث لأن لكل منا دخله، وحتى شقيقي الطالب بالمدرسة الثانوية فإن لديه معاش أبيه لذلك فلا داعي لتقسيم الميراث أو التصرف فيه لكيلا يتفتت ويضيع، وأنه من الأفضل ألا نتصرف فيه وأن نعيش مما يدره من دخل مهما كان قدره. لكننا يا سيدي للأسف ضعفنا أمام ما يمثله لنا تقسيم الميراث وبيعه من إغراء.. فنسينا في لحظة كل شيء وطلبنا منها.. وأرجو ألا تصدم فينا. التنازل عن نصيبها من الميراث لنا لكيلا تذهب أموال الأسرة إلى غريب. لأن أختي لم تنجب.. وتمادينا فقلنا لها في لحظات الشر إننا سنكون ورثتها في كل الأحوال، سواء تسلمت الميراث أم لم تتسلمه. فالأفضل أن تتنازل عنه الآن.. وتمادينا أكثر فقلنا لها إنها مريضة بالقلب وإنه من الأفضل أن تحمى أموال الأسرة بالتنازل عن نصيبها لإخوتها.

وصعقت أختي مما سمعت، وأصرت على الرفض. ثم جاءنا ذات يوم زوجها ليقول لنا إنه سيطلقها لأنها ترفض ترك وظيفتها.. فاتفقنا معه أن يهادنها وأن يقنعها بالتنازل عن ميراثها مقابل أن نعطيه مبلغاً من المال يبدأ به مشروعه الذي يحلم به ثم يطلقها بعد ذلك!

فتمسكت أكثر بكل حقوقها أمام عنادنا (ونذالتنا).. وحصلت على نصيبها كاملا. لكنها لم تنس لنا ما فعلناه معها. وبعد انتهاء المشكلة وحصولها على حقها علمت بأمر هذا الاتفاق وتأكدت منه فانهارت ولازمت الفراش بضعة أيام، وعندما برئت من الأزمة الصحية أمضت عدة أيام ساهمة حزينة صامتة لا تكلم أحداً.. ثم غادرت بيتها ذات صباح وتوجهت إلى البنك الذي تودع به أموالها وسحبت مبلغ أف جنيه.. ثم رحلت.. إلى أين؟ لا أحد يعلم.. اختفت تماماً.. بحثنا عنها في المحافظة التي نقيم فيها فلم نجد لها أثراً، وبحثنا عنها عند أقاربنا في القاهرة فلم نتوصل إلى أي خبر عنها.. وبحثنا عنها في الإسكندرية فلم نعثر على طرف خيط يقودنا إليها.. وسألنا في المطار وفى المواني، فتأكدنا من أنها لم تستقر خارج مصر لأن سفرها يحتاج إلى موافقة جهة عملها التي لم تعطيها هذه الموافقة.

تسألني بالطبع لماذا أكتب إليك هذه الرسالة فأقول لك.. إننا نعرف أننا أخطأنا في حقها.. وإن خطأنا فوق كل اعتذار.. ونعرف إننا أخذنا منها الكثير ولم نعطها شيئاً.. فلقد كنا نعرف أن حالتها الصحية سيئة وأن قلبها ضعيف ومع ذلك لم يفكر أحد منا في أن يسألها عما وصلت إليه حالتها.. وكنا نعرف أن علاقتها بزوجها مليئة بالمشاكل وأنها تتحمل الكثير ولم يفكر أحدنا في التدخل بينهما.. وكنا نعرف أنها لن تنجب أطفالا لأن في ذلك خطراً على صحتها.. ولم نحاول مواساتها بكلمة.. والآن اختفت أختنا وأدركنا كم كنا قساة معها.. لذلك لجأنا إليك لأننا نعلم أنها في كل الظروف كانت تقرأ بابك وتناقشنا في مشاكله وتفكر في حلول لها.

إننا نرجوك أن تكتب وأن تقول لها: عودي إلى بيتك وعملك ودراستك.

وعودي إلينا لأننا لن نسامح أنفسنا أبداَ إذا لم تسامحينا، ولنقول لها أيضا إن ابنة أخيها اليتيمة تبكيها.. وتناديها وأن أخاها الأصغر الذي لم يعرف له أما سواها قد حاول الانتحار بعد اختفائها حزناً عليها.

لقد تركنا أعمالنا وأوقفنا حياتنا للبحث عنها.. فأكتب إليها يا سيدي لتعود إلينا.. وتعود معها حياتنا من جديد.. فهل تفعل!!

 

ولكاتب هذه الرسالة أقول:

صدقني يا سيدي إنني لو تركت نفسي على سجيتها لما استجبت لطلبك ولما كتبت إليها أدعوها للعودة إليكم، بعد كل هذا الجحود وهذا النكران، لكنى لا أستطيع أن استسلم لانفعالاتي وحدها لذلك فلسوف أكتب إليها ولكن ليس من أجلكم وإنما من أجلها هي، ومن أجل دراستها العليا التي بدأتها بعد رحلة كفاح عظيمة، ومن أجل عملها المرموق الذي استحقته بتفوقها وإرادتها القوية. ثم من أجل هذه المولودة اليتيمة التي كانت تظللها بحبها ورعايتها كما أعادت دائما أن تظلل الجميع بظلها كالشجرة الوراقة بغير انتظار لمقابل من أحد، ثم أيضا من أجل ابنها الأصغر الذي لم يعرف له أما سواها والذي أرجو أن يكون صغر سنه قد أعفاه من الاشتراك معكم في إيلامها والتآمر عليها.

نعم سأكتب لها لهذه الأسباب وحدها.. وأترك صدق ندمكم للأيام لكي تمتحنه وتختبره طوياه.. لقد وقعتم رسالتكم إلى بألقاب فخيمة رنانة: النقيب.. المهندس.. المحاسب الخ فكيف تتفق هذه الألقاب المرموق مع هذه الفظائع التي ارتكبتموها في حق شقيقتكم!

إن في الحياة دائماَ نمطين من البشر أحدهما يعطى بلا حساب وبلا انتظار للمقابل، والآخر يأخذ ويجمع وقد لا يعطى من نفسه شيئاً، وشقيقتك يا سيدي من هذا النوع المعطاء المضحى الحريص دائماً على ألا يغضب أحداً ولو على حساب نفسه.. لذلك قبلت وهى (الطفلة) أن تحرم من طفولتها ورعاية أبويها لتنتقل إلى بيتكم لتقوم بدور الأم لكم، وقبلت أن تتوقف عن دراستها لتتفرغ لرعايتكم وقبلت أن تتزوج قبل الالتحاق بالجامعة إرضاء لأبيها.. وقبلت بغير أن يدعوها أحد أن تحتضن طفلة شقيقها.

إنها رحلة تضحيات على طول الخط.. ورحلة عطاء على طول الخط، فماذا قدمت لها مقابل كل هذا العطاء وهذه التضحيات؟

طالبتموها بالتنازل عن الميراث بلا أي مبرر مقبول.. ولم تخجلوا بمصارحتها بأسبابكم اللعينة لهذا التنازل.. وهى أنها مريضة ومحرومة من الإنجاب.. بل ولم تتورعوا عن التآمر مع زوجها ضدها.

فماذا كنتم تنتظرون منها بعد كل هذه (الدنايا).

لقد انهارت فجأة حين أكتشف أنها وحيدة بين أعداء لم تأخذهم بها شفقة ولا رحمة، لا بين أهل وأبناء وأقارب أعطتهم الكثير من دمها وشبابها، وهى محقة في انهيارها، فلو اكتشف هرقل أن كل من حوله يتآمرون عليه لبكى وانهار.. لقد عانت حالة شديدة من الرثاء للنفس دفعتها للهروب من كل شيء.. من صحبتكم.. ومن المال الذي أفسد النفوس.. ومن العمل ومن كل شيء يذكرها بهذا الواقع المؤلم، وحتى حين أرادت أن تحتج جاء احتجاجها كعادتها سلبياَ لا يؤذى أحداً سواها لأنها غير قادرة على إيذاء الآخرين. فاختفت ضيقاً بكم وبالحياة.. وأنا أقدر دوافعها تماماً لذلك وأعرف جيداً أن:

وظلم ذوى القربى أشد مضاضة       على النفس من وقع الحسام المهند

لكنى رغم ذلك سأخاطبها.. وسأقول لها إن لكل احتجاج مداه يا سيدتي، ولكل سفينة مرفأ لابد أن تؤوب إليه مهما كانت رحلتها عاصفة، لذلك فإني أدعوك لأن تستوعبي هذه المحنة.. وأن تتغلبي عليها كما تغلبت من قبل على كل شدائد الحياة وصعوبتها، التي واجهتك وادعوك لأن تتفهمي أسباب هذا الضعف البشرى الذي انتاب إخوتك تجاهك وتجاه مسألة الميراث.. وأن تعرفي أننا لا نعيش في الجنة التي تسمو فيها النفوس على هذه الصغائر، وإنما نعيش فوق أرض الخطايا المليئة بأمثال هذه النقائض وهذا الجحود.. لذلك لا أطالبك بالصفح عنهم .. وإنما أطالبك بألا تغلقي أبواب الصفح حين تطيب نفسك وتشفى جراحك..

وأدعوك إلى الاعتصام بنعمة النسيان التي لولاها لما صافحنا الكثيرين ممن بادرونا بالعداء، حتى قبل أن نقترب منهم أو من رشقوا الحراب في ظهورنا بلا أي مبرر.

وأنت سيدة عظيمة بكل معنى الكلمة، وقادرة دائماً على إيجاد الحل المناسب لكل مشكلة تواجهينها.. والهروب ليس هو الحل الذى يليق بمن كانت لها مثل شخصيتك وإرادتك وخصائصك النفسية المتميزة.

فعودي يا سيدتي لعملك ولدراستك وواجهي حقائق الحياة.. واختاري الحل الذي يلائمك لحياتك الزوجية.. وامتحنى صدق ندم إخوتك وتوبتهم، ولا تهدري هذه المرحلة العظيمة من الحب والوفاء والعطاء.. والإرادة والتفوق .. بالاستسلام للهروب كسفينة بلا شراع تتخبطها الأمواج والأنواء والله معك..


·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1987

شارك في إعداد النص / ياسمين عرابي

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي 

 

 


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات