لحظة حمق .. رسالة من بريد الجمعة عام 1987
سيدي ..لاشك انك تتلقى رسائل كثيرة من نوع رسالتي هذه .. ومع ذلك فاني اشك في أن يكون أحد قرائك قد مر بهذه التجربة التي دفعتني لكتابة هذه الرسالة إليك .. فأنا فتاة عمری ٢٦ سنة هجرنا أبي ونحن في سن الطفولة ليتزوج من أخرى ثم أخرى وهكذا إلى أن رحل عن الدنيا منذ ٦ سنوات دون أن يعرف عنا شيئا .. وكنا شقيقين وشقيقتين في سن الطفولة تكفلت بتربيتنا آمنا وخرجت لتكافح لتعولنا .. وبعد 15 سنة مريرة من الكفاح تخرج أخي الأكبر وعمل وتزوج و بدأ يساعدنا ، ثم تخرج أخي الذي يليه وبدأ يشاركه المسئولية.
وعجزت أمي عن مواصلة الكفاح واستسلمت أخيرا وتخرجت شقيقتي وتزوجت بأول شاب تقدم لها واستقلت بحياتها البسيطة عنا .. وتخرجت أنا من كلية العلوم وبدأت أبحث عن عمل منذ 5 سنوات حين فجعنا بوفاة أخي الأكبر بعد مرض قصير تاركا وراءه زوجة وطفلين ومعاشا لا يغني ولا يسمن من جوع .. وبعد ذلك بقليل عجز أخي الأصغر عن الاستمرار في مساعدتنا بعد أن تزوج فأصبحت المسئولة عن نفسي وعن أمي وزاد في متاعبنا أن البيت الذي نقيم فيه في حي القلعة تهدم سلمه فجأة وصدر قرار بهدمه فلم نستسلم لذلك وقدمنا طعنا في القرار ورحنا نعيد ترتيب أحجار السلم لنصعد عليها کالبهلوانات كل يوم إلى شقتنا ورغم خطورة المشكلة فليست هي القضية، وإنما القضية أني بعد تخرجي وجدت عملا بعقد مؤقت كمدرسة في أحدى المدارس بنظام الحصة سدا للعجز في مدرسي اللغة الانجليزية وخطبت وعقد قراني خلال هذه الفترة على شاب ارتبطت به وبدأت استعد للزواج حين استغنت عني المدرسة بعد انتهاء العجز في المدرسين .. فخرجت ابحث عن عمل، وذقت الأمرين في التقدم لكل شركة تعلن عن حاجتها لموظفين وعرفت حقائق كثيرة عن الحياة لم أكن أعرفها حين بدأت تجاربي في العمل في المحال والمكاتب الخاصة وهي كلها تجارب مؤسفة ابسط ما أقوله لك عنها هو أنه من الصعب جدا أن تحتفظ فيها الفتاة بعملها وبنفسها معا.
وبعد تجارب مؤلمة فشلت في البقاء في أي عمل أكثر من شهر أو شهرين على الأكثر كنت اسمع بعدها دائما الكلمة المأثورة حسابك اهو ومع السلامة.
وضاقت بي الدنيا وخطيبي يتعجلني لإعداد الجهاز لنتزوج فقررت أن أجرب عملا جديدا أحافظ فيه على نفسي واستطيع أن أدخر منه ما احتاج إليه .. وخطرت لي الفكرة حين جاء ذات يوم رجل عجوز كان يعرف أمي من قديم ليطلب منها شغالة من معارفها لأسرة أستاذ بالجامعة تقيم بمصر الجديدة فأوحيت إليها أن تأخذ منه العنوان وأن تقول له أنها سترسل إليه شغالة جيدة على ضمانتها .. وانصرف الرجل بغير أن يراني وبعد يومين كنت اطرق الباب على الأستاذ الجامعي وزوجته الأستاذة وقدمت لهما نفسي وأعطيتهما بطاقتي المكتوب فيها أني طالبة وحين سألاني كيف ستوفقين بين الدراسة والعمل قلت للأستاذة على استحياء أني توقفت عن الدراسة وأريد العمل فقبلاني وحددا في مرتبا شهريا قدره مائة جنيه فرحت به كثيرا وقررت دخول جمعية بخمسين جنيها كل شهر لأحصل على ٥٠٠ جنيه استكمل بها جهازي وبدأت العمل نشيطة فكنت اذهب إليهما في الصباح فأقوم بكنس الشقة ومسح المطبخ وترتيب غرف النوم والصالون والمكتب ، ثم أعد الطعام وأنا اسمع الراديو إلى أن تعود الأستاذة فأجهز السفرة ثم أستاذتها في الانصراف وأعود إلى بيتي.
وكانت الأستاذة راضية عن عملي جدا وسعيدة بي وفي أول الشهر التالي أعطتني المائة جنيه، فدفعت القسط الأول من الجمعية .. وفي أول الشهر التالي قبضت الجمعية واشتريت بعض قطع الألمونيوم والصيني وقررت بعد انتهاء سداد هذه الجمعية أن اعمل جمعية أخرى لأدفعها كقسط الحجرة السفرة .. وبدأت اطمئن إلى المستقبل إلى أن جاء يوم كنت ارتب فيه مكتب الأستاذة فوجدت عليه كتابا في الكيمياء العضوية بالانجليزية فوقفت الصفحة .. ولم اشعر إلا والأستاذة تقف ورائي ثم تسألني هل تفهمين منه شيئا ، فاندفعت في لحظة حمق لم أقدرها قدرها الصحيح إلا فيما بعد لأقول لها بل أفهمه كله لأني درسته فسألتني أين فقلت لها إنني خريجة كلية العلوم منذ عام ۱۹۸۲ ولم أجد عملا آخر فسكتت .. وبعد يومين ربتت على كتفي ثم قالت لي يا بنتي لا استطيع تشغيلك عندي أكثر من هذا ابحثي لنفسك عن عمل بشهادتك .. ثم أعطتني أجر الأيام التي عملتها من الشهر الثالث .. وودعتني حتى الباب وخرجت من عندها لا أرى الطريق حتى وصلت إلى البيت وأنا منهارة وبكيت وأنا أحكي لأمي ما حدث، وكان همي هو كيف أسدد قسط الجمعية .. وكيف سأجيب عن تساؤلات خطيبي الذي يسألني كل يوم عن الجهاز.
لقد مضت الآن ثلاثة شهور على هذا الحادث .. ولم
استطع أن اعمل أكثر من أسبوع هنا أو أسبوع هناك وكلما اقترب أول الشهر من بدايته "كركبت" بطني خوفا أن تأتي جارتنا التي "تلم" الجمعية قبل أن انجح في جمع القسط ، ثم أخيرا بعت الصيني الذي اشتريته مرة أخرى لأسدد الأقساط بعد أن كنت قد دعوت خطيبي ليراه ليعرف أننا جادون في إعداد الجهاز ولا اعرف الآن كيف سأواجهه إذا عرف أننا بعناه ولا اعرف كيف سأواجه المستقبل وأنا لم أنجح بعد في الحصول على عمل بشهادتي أو بغيرها.. فهل أخطأت حين أخفيت عن الأستاذة حقيقتي ؟.. وهل عندك حل لمشكلتي ؟
ولكاتبة هذه الرسالة
أقول :
ولكاتبة هذه الرسالة أقول :
أخطأت أو لم تخطئي ليست هذه القضية الآن .. وإنما القضية هي كيف تجدين عملا تعولین به نفسك وأسرتك وتستعينين به على الزواج، وإذا كان يهمك حقا أن تعرفي ، فلقد أخطأت فعلا حين أخفيت عن الأستاذة حقيقتك.. وفي ظني أنها تخوفت منك حين عرفت انك كذبتها القول عن ظروفك وليس لأنك خريجة علوم أو خريجة حقوق. وفي ذلك فهي ليست ملومة ، ولا أنت ملومة وإنما الملوم هو ظروفنا الصعبة التي نضطر خريجة علوم مثلك للانتظار أكثر من ٥ سنوات حتى تجد عملا تحقق فيه ذاتها وتستخدم فيه ما تلقته من علم ومعرفة .. إنني احترم العمل الشريف بكل أنواعه .. ولا أرى باسا في أن يعمل الإنسان بأي عمل ولو لم يتلاءم مع دراسته بشرط أن يكون راغبا فيه وأن يجيده، وأن يحتفظ لنفسه دائما بالأمل في أن يجد العمل الملائم له في المستقبل الذي يحقق من خلاله أحلامه لكن القضية أكبر من ذلك بكثير، وقد جفت الأقلام من كثرة الكتابة عنها .. وما أظن حلها بقريب وهذه الجحافل البشرية تتدفق على كليات لم تعد سوق العمل تستوعب من خريجيها سوى أقل القليل ولا اعرف على وجه التحديد ماذا جرى لكليات العلوم بالذات التي أتلقى الرسائل العديدة من خريجيها يتحدثون عن نفس المشكلة .. فهل أصبحنا في غير حاجة إليهم في هذا العصر الذي يعتمد على العلوم في كل أوجه الحياة ؟ وإذا كان الأمر كذلك فلم فتحنا لهم أبواب الدراسة بكلياتها على مصراعيها من الأصل ؟ ومتى تتحقق الوعود التي تكررت مرارا بتعيين فائض الخريجين من دفعة ٨٢ التعيسة ممن لا سند لهم ولا أهل أمامهم في أي عمل ملائم سوى القوى العاملة التي ينبغي حقا أن تكون كالدعم الصحيح لا يذهب إلا لمستحقيه من أمثالك .. أما الآخرون فلهم من آبائهم وإمكاناتهم ما يغنيهم عن انتظار فتات القوى. العاملة .
إن الحديث يطول عن هذه القضية ولا أريد أن أجنح به بعيدا عن مشكلتك الخاصة التي لا أعرف على وجه التحديد ما إذا كان لدي حل لها أم لا .. لكني اعرف على الأقل أنني سأحاول وآمل أن يشاركني بعض قراء البريد المحاولة ، عسى أن نستطيع معا تخفيف ولو قطرة واحدة من بحر المشاكل التي تحيط بنا من كل جانب والله الموفق.
· نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1987
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي



برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر