الضوء الأخير .. رسالة من بريد الجمعة سنة 1991
إنما الدنيا هبات وعوار مستردة
شدة بعد رخاء ورخاء بعد شدة
فأردت أن أروي لك قصتي عسى أن تكون عبرة
لغيري ..فأنا زوجة وأم لفتاة بالسنة النهائية بإحدى
الكليات النظرية ، ولي ابن شاب متزوج ولديه طفلان ، وزوجي ضابط عسكري بالمعاش ، ونعيش
حياة رغدة، وقد استعنت طوال حياتي الزوجية على تربية أولادي بمربيات عديدة ، لا
أتذكر عددهن من كثرتهن ، ولا عجب في ذلك ، فقد كانت كل واحدة منهن ، لا تمكث عندي
أكثر من شهرين ، ثم تفر من قسوة زوجي العدواني بطبعه ، والذي لا أعرف هل اكتسب
عدوانيته هذه خلال رحلة حياته ، أم أنها وراثية فيه، فقد كان يتفنن في تعذيب أي
مربية تعمل عندنا ، ولا أنكر أني شاركته في بعض الأحيان جريمته.
والمرة الثانية لم تكن تعطفا منا عليها،
وإنما كنت تخلصا منها في الحقيقة، فقد كانت مريضة بمرض معدٍ وخشينا على طفلينا من
انتقال العدوى إليهما، فأبعدناها إلى بلدتها بحجة أن ترى أمها وأخوتها.
وكانت المرة الثالثة عند وفاة أبيها بعد
أن دخلت مرحلة الصبا، واستقر الحزن والانكسار قلبها.
وتخرج ابني في الجامعة، وعمل، ثم أراد
أن يخطب إحدى زميلاته، فخطبناها له، وهي فتاة رائعة الجمال، وتزوجها وسعدنا بها،
واكتملت سعادتنا حين عرفنا أنها حامل، ثم جاءت اللحظة السعيدة، ووضعت مولودها،
فإذا بنا نكتشف لصدمتنا القاسية أنه كفيف لا يبصر، وتحولت الفرحة إلى سحابة كثيفة
من الحزن القاتم، وبدأنا الرحلة الطويلة مع الأطباء، بلا فائدة، واستسلم ابني وزوجته
للأمر الواقع، وانطفأ الأمل في قلبيهما ، وأدخلنا حفيدنا الموعود بالعناء حضانة
المكفوفين، وقررت زوجة ابني ألا تحمل مرة أخرى ،خوفا من تكرار الكارثة، لكن
الأطباء طمأنوها إلى أن هذا مستحيل، لأنه لا توجد صلة قرابة بينها وبين زوجها،
تؤكد العوامل الوراثية وشجعوها على الحمل وإنجاب طفل آخر يعيد البسمة إلى حياتها
وزوجها، وشجعناها نحن أيضا على ذلك، على أمل أن يرزق ابننا بطفل طبيعي يخفف من
حزنه، وصدمته في طفله الأول، وحملت زوجة ابني وأنجبت طفلة جميلة شقراء، نزلت إلى
الحياة ، فتوقفت قلوبنا حتى زف الطبيب البشرى بأنها ترى وتبصر، كالأطفال العاديين،
وسعدنا بها سعادة مضاعفة، وانهالت عليها وعلى شقيقها اللعب، والملابس، والهدايا،
وبعد سبعة شهور، لاحظنا أن نظرها مركز في اتجاه واحد لا تحيد عنه، فعرضناها على
أخصائي عيون، للاطمئنان على سلامة عينيها، فإذا به يصدمنا بحقيقة أشد هولا، وهي
أنها لا ترى إلا مجرد بصيص من الضوء وأنها معرضة أيضا لفقد بصرها، ولا حول ولا قوة
إلا بالله، ورأى زوجي ذلك، فأصيب بحالة نفسية، فسدت معها أيامه، وكره كل شئ، ثم
تطورت حالته حتى نصحنا الطبيب بإدخاله مصحة نفسية ، لعلاجه من الاكتئاب، وانقبض قلبي
وأحسست بهموم الدنيا تطأ صدري بقسوة، وفي ضيقي وأحزاني تذكرت فجأة الفتاة الكسيرة،
التي هربت من جحيمنا ، كفيفة بعد أن أمضت معنا عشر سنوات، ذاقت خلالها أهوال الصعق
بالكهرباء والضرب، والهوان ، والحرمان ، وساءلت نفسي في جزع هل هذا عقاب السماء
لنا على ما فعلناه بها؟
وأصبحت صورة هذه الفتاة اليتيمة، التي
أهملنا علاجها، وتسببنا في كف بصرها، تطاردني في وحدتي، وتعلق أملي في عفو ربي عما
جنينا في أن أجد هذه الفتاة، وأكفر عما فعلناه بها، ورحت أسأل الجميع، حتى دلنا
أحد الجيران إلى مكاناها، وعلمنا أنها تعمل خادمة بأحد المساجد، فذهبت إليها
وأحضرتها، لتعيش معي ما بقى لي من أيامي، ورغم كل قسوة الذكريات، فقد فرحت بسؤالي
عنها، وسعيي إليها، لإعادتها، وحفظت العشرة التي لم نحفظها، وعادت معي تتحسس
الطريق وأنا امسك بيدها، وفرحت بسماع صوت ابنتي ، الشابة التي طالما أحبتها هذه
الفتاة الطيبة في طفولتها، وصباها، وبسماع صوت ابني الذي عرف الهم طريقه إلى قلبه،
واستقرت الفتاة معنا، وأصبحت أرعاها، بل وأخدمها هي وحفيدي الكفيفين، وأملي،
ودعائي لربي أن يغفر لي ما كان، وأن أقول لمن نضبت الرحمة من قلوبهم: إن الله حي
لا ينام، فلا تقسوا على أحد، فسوف يجئ يوم تطلبون فيه الرحمة من أرحم الراحمين،
وتندمون على ما فعلتم في قوتكم وجبروتكم.
ولكاتبة هذه الرسالة أقول:
كل نفس بما كسبت رهينة يا سيدتي .. ومنذ قديم الزمان وتجارب الألم تعيد تذكيرنا كل
يوم بأن الحياة ديون وأن من لا يرحم لا يرحم وأن الله سبحانه وتعالى ينزل عقابه
بمن يتغافلون عن نواهيه في الدنيا وفي الآخرة بما يشاء ويقدر وأن تعذيب النفس البشرية
وامتهان كرامة الإنسان الذي كرمه ربه وفضله على سائر المخلوقات جريمة نكراء لا
تسقط بالتقادم و رغم كل ذلك فما أكثر الخطايا وما اقل الاعتبار بدروس الحياة بل
ودروس التاريخ ، فما هذا البلاء الذي ينفرد به الإنسان عن باقي الكائنات الحية
ولماذا لا نتقي الله ونحن في قوتنا وبأسنا
. ونجعل من أوامره ونواهيه دستورا لنا في التعامل مع الآخرين فلا نظلم أحد ولا
نقسو على الضعفاء والمحرومین .
لقد كان المأمون
يقول : إن من علامة الشريف أن يتعالى على من هو فوقه ويتصاغر لمن هو دونه ، لكننا للأسف قلبنا الآية فاصحبنا
نتعالى على من هو دوننا ونتصاغر أمام من هو فوقنا فأدمينا قلوب كثيرين
ووطأنا حقوقهم
بأقدامنا .. فما هذا البلاء الذي يختص به الإنسان وحده؟ هل سمع أحد عن حيوان كاسر عذب حيوانا اضعف منه أو صعقه
بالكهرباء أو استعبده في خدمته من الفجر حتى منتصف الليل بلا راحة و لا هوادة.
لقد رويت مرة
قصة الوزير العباس بن الزيات الذي صنع ، التنور .. وهو اسطوانة دائرية بداخلها
مسامير حادة مدببة كان يضع فيها المغضوب عليهم فكلما تحركوا اقل حركة داخله وخزتهم
المسامير وسببت لهم آلاما بشعة فكانوا في عذابهم يهتفون للوزير الجبار .. الرحمة
أيها الوزير فيجيبهم مقهقها كما كان زوجك يقهقه وهو يتحدث عن هذا الصنف من البشر
الذي لا يجد راحته إلا في الضرب والهوان كما زعم أن الرحمة خور في الطبيعة .. ثم
دارت الأيام دورتها .. ولابد أن تدور ذات يوم ..فتولى آخر الخلافة وكان أول ما
فعله هو أن عزل هذا الوزير و أدخله في نفس التنور .. فلما زاد به الألم صاح الرحمة
يا أمير المؤمنين فذکره برده على الضحايا في أيام جبروته قائلا : الرحمة
خور في الطبيعة !
وهكذا كان
الجزاء دائما من جنس العمل .. ومع ذلك فما أكثر الخطايا والآثام .. وما أقل "الاعتبار".
إنني احترم أحزانك وأقدر لك سعيك
وراء هذه الفتاة البائسة وضمها لأسرتك ومحاولتك الصادقة للتكفير عما جنیتم في حقها
وهي وديعة لا حول لها ولا قوة في أيديكم .. لكن رسالتك ذكرتنی بقصة أخرى أرجو ألا
أجرح مشاعرك بروايتها فما أريد إلا أن نتفكر معا في مفارقتها ونستفيد من عبرتها ..لقد
روي عن أحد الأشخاص الذين عرفوا بقسوتهم ووحشيتهم في تعذيب من كانوا يقعون تحت
سطوة منصبه المخيف في ذلك الوقت البعيد انه كان ينظر بنفس هذه النظرة البشعة
الفاسدة لذلك ، "الصنف" من البشر الضعفاء .. ولا
تأخذهم بهم رحمة ثم فقد سطوته ونقل إلى منصب شرفي بإحدى
الهيئات في بلد أوروبي اشتهر بتفوقه في طب العيون بالذات . فكان
يمضي أوقاته الفارغة الطويلة في اجترار أمجاده ورواية كيف كان من يقعون تحت رحمته
يرتجفون لمجرد سماع اسمه ويستجدونه الرحمة فلا يرحمهم ..الخ . فهل تعرفين ماذا جرى له بعد سنوات قليلة
فقط ؟
فشكرا لك يا سيدتي على رعايتك لهذه الفتاة البائسة وليتقبل الله منك ويعف عنكم وليستجيب لدعائك ورجائك، وينزل سكينته على قلبك ويخفف من أحزانكم جميعا . وحبذا لو استأنفت محاولة علاجها وطرق كل الأبواب الممكنة لمساعدتها على استعادة بصرها إذا كان هناك بصيص من أمل في ذلك في نفس الوقت الذي تحاولين فيه الحفاظ على بصيص الضوء الأخير الذي يلمع في عيني حفيدتك الجميلة .. عسی الله ان يكلل مسعاكم بإنقاذ بصرهما معا ويعيد البسمة إلى حياتكم .. ويرفع عن زوجك شدته .. انه سميع مجيب الدعاء وشكرا لاهتمامك بنقل تجربتك الأليمة للآخرين.

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر