الضوء الأخير .. رسالة من بريد الجمعة سنة 1991

الضوء الأخير .. رسالة من بريد الجمعة سنة 1991

الضوء الأخير .. رسالة من بريد الجمعة سنة 1991



منذ قديم الزمان وتجارب الألم تعيد تذكيرنا كل يوم بأن الحياة ديون وأن من لا يرحم لا يرحم وأن الله سبحانه وتعالى ينزل عقابه بمن يتغافلون عن نواهيه في الدنيا وفي الآخرة بما يشاء ويقدر وأن تعذيب النفس البشرية وامتهان كرامة الإنسان الذي كرمه ربه وفضله على سائر المخلوقات جريمة نكراء لا تسقط بالتقادم و رغم كل ذلك فما أكثر الخطايا وما اقل الاعتبار بدروس الحياة بل ودروس التاريخ.
عبد الوهاب مطاوع
بريد الجمعة


دفعني للكتابة إليك بيتا الشعر اللذان قرأتهما في ردك على إحدى الرسائل ويقولان:

إنما الدنيا هبات وعوار مستردة

شدة بعد رخاء ورخاء بعد شدة

فأردت أن أروي لك قصتي عسى أن تكون عبرة لغيري  ..فأنا زوجة وأم لفتاة بالسنة النهائية بإحدى الكليات النظرية ، ولي ابن شاب متزوج ولديه طفلان ، وزوجي ضابط عسكري بالمعاش ، ونعيش حياة رغدة، وقد استعنت طوال حياتي الزوجية على تربية أولادي بمربيات عديدة ، لا أتذكر عددهن من كثرتهن ، ولا عجب في ذلك ، فقد كانت كل واحدة منهن ، لا تمكث عندي أكثر من شهرين ، ثم تفر من قسوة زوجي العدواني بطبعه ، والذي لا أعرف هل اكتسب عدوانيته هذه خلال رحلة حياته ، أم أنها وراثية فيه، فقد كان يتفنن في تعذيب أي مربية تعمل عندنا ، ولا أنكر أني شاركته في بعض الأحيان جريمته.

ومنذ خمسة عشر عاماً ، وابنتي في السابعة من عمرها، وابني في المرحلة الإعدادية جاءنا مزارع من معارف زوجي ، ومن أبناء بلدته ، يصطحب معه ابنته الطفلة ذات الأعوام التسعة، فاستقبله زوجي بكبرياء وترفع، وقال المزارع البسيط : إنه أتي بابنته ، لتعمل عندنا مقابل عشرين جنيها في الشهر ووافقنا ، وترك المزارع المكافح طفلته الشقراء، فانخرطت في البكاء، وهي تمسك بجلباب أبيها، وتستحلفه ألا يتأخر عن زيارتها، وألا ينسى أن يسلم لها على أمها وإخوتها ، وانصرف الرجل دامع العينين ، وهو يعدها بما طلبت، وبدأت الطفلة حياتها الجديدة معنا ..
فكانت تستيقظ في الصباح الباكر قبل أن يستيقظ طفلاي، لتساعدني في إعداد طعام الإفطار لهما ، ثم تحمل الحقائب المدرسية، وتنزل بها إلى الشارع، وتظل واقفة مع ابنتي وابني حتى يحملهما أتوبيس المدرسة، وتعود للشقة، فتتناول طعام إفطارها، وكان غالبا من الفول بدون زيت، وخبز على وشك التعفن، وفي بعض الأحيان قد نجود عليها بقليل من العسل الأسود أو الجبن، ثم تبدأ في ممارسة أعمال البيت، من تنظيف وشراء الخضر والمسح، وتلبية النداءات، حتى منتصف الليل فتسقط على الأرض، كالقتيلة وتستغرق في النوم، وعند أي هفوة أو نسيان أو تأجيل أداء عمل مطلوب ، ينهال عليها زوجي ضربا بقسوة شديدة، فتتحمل الضرب باكية صابرة، ورغم ذلك فقد كانت طفلة في منتهى الأمانة والنظافة والإخلاص لمخدوميها، تفرح بأبسط الأشياء، وتغني غناء حزينا خافتا يعبر عن شوقها لبلدتها، وأمها وإخوتها، وهي تغسل الأطباق، ورغم اعترافي بأني شريكة زوجي في قسوته على الخادمات ، وتفننه في تعذيبهن، حتى أنه كان أحيانا يختلق الأسباب، لضرب أي خادمة تعمل عندنا ..إلا أنه كانت تأخذني الشفقة في بعض الأحيان بهذه الفتاة لطيبتها، وانكسارها، وإخلاصها، فأناشد زوجي ألا يضربها، وأقول له:إنها قد كبرت وتعودت على طباعنا، وتحملتنا كثيرا، فلا داعي للاستمرار في ضربها، فكان يقول لي مقهقها:
إنه لو لم يضربها فإنها ستطلب منه أن يضربها ، لأنها قد تعودت عليه ، وأن هذا (الصنف) من الناس لا تجدي معه المعاملة الطيبة ، واستمرت الفتاة تتحمل العذاب في صمت وصبر..
وأتذكر الآن بأنني حين كان العيد يأتي، ويخرج طفلاي مبتهجين مهللين، بينما تبقى هذه الطفلة التي تماثلهما في العمر، تنظف وتغسل دون شفقة، وبعد أن تنتهي من أعمالها الشاقة، ترتدي فستانا قديما لكنه نظيف، لأنها كانت تحرص على نظافة ملابسها البسيطة، أما أبوها فلم تره تلك الطفلة إلا مرات معدودة بعد عملها عندنا، فقد انقطع عن زيارتها بعد شهور، وبدأ يرسل أحد أقاربه لاستلام أجرتها الشهرية، كما لم تر أمها وأخوتها إلا ثلاث مرات وفي مناسبات محددة الأولى حين مات شقيقها الأكبر في حادث عند عودته من الأردن، وكانت الفتاة المحرومة تعلق أملا كبيرا على عودته، وتحلم بأن ينتشلها من العذاب الذي تعانيه عندنا، فإذا به يلقى مصرعه، وتفقد آخر أمل لها فبكته بحرقة وسرا، حتى لا يراها زوجي، فتلقى عقابا على يديه.

والمرة الثانية لم تكن تعطفا منا عليها، وإنما كنت تخلصا منها في الحقيقة، فقد كانت مريضة بمرض معدٍ وخشينا على طفلينا من انتقال العدوى إليهما، فأبعدناها إلى بلدتها بحجة أن ترى أمها وأخوتها.

وكانت المرة الثالثة عند وفاة أبيها بعد أن دخلت مرحلة الصبا، واستقر الحزن والانكسار قلبها.

وأرجو أن تصدقني يا سيدي إذ ليس لدي ما يبرر أن أدعي شيئا غير صادق..
وأنا كتبت لك بإرادتي، إذ قلت : أني أبكي الآن كلما تذكرت قسوة عقابنا لها، إذا أخطأت أي خطأ، وكان لابد أن تخطئ، كأي طفلة وكأي إنسان، فقد كان زوجي يصعقها بسلك الكهرباء، وكثيرا ما حرمناها من وجبة العشاء في ليالي البرد القاسية، فباتت على الطوى جائعة، ولا أتذكر أنها نامت لمدة سنوات طويلة دون أن تبكي!!
..
وسوف تتسائل، ولماذا تحملت كل هذا العذاب، ولم تهرب بجلدها من جحيمكم؟ وأجيبك: بأن الفتاة حين قاربت سن الشباب خرجت ذات يوم لشراء الخضروات ولم تعد ، فسأل زوجي البواب عنها، وعرف أنها كانت تتحدث لفترات طويلة مع شاب يعمل لدى جزار بنفس الشارع، وأنه من المحتمل أن تكون قد اتفقت معه على أن يتزوجها وينتشلها من هذه الحياة، فلم يمض أسبوع حتى كان نفوذ زوجي قد تكفل بإحضارها من مخبئها، واستقبلناها عند عودتها استقبالا حافلا بكل أنواع العذاب، فقام زوجي بصعقها بالكهرباء، وتطوع ابني بركلها بعنف، بينما بكت ابنتي، وهي تقول لأبيها: حرام يا بابا، حرام…حرام، ففقد سيطرته على نفسه، واستدار إليها وضربها هي أيضا، وكانت المرة الأولى في حياتها التي يضربها أبوها!
وعادت الفتاة لحياتها الشقية معنا، واستسلمت لمصيرها، واستمر الوضع كما كان عليه تخطئ أو تؤجل عمل شئ بعض الوقت، فيضربها زوجي ضربا مبرحا، ونخرج في الأجازات لمنطقة الأهرامات، لنستمتع بشئ من اللحم ، ونترك لها بقايا طعام الأسبوع لتأكله…الخ، ثم شيئا فشيئا، بدأنا نلاحظ أن الأكواب والأطباق تسقط من يديها ، وأنها تتعثر كثيرا في مشيتها، فعرضناها على الطبيب، فأكد لنا أن نظرها قد ضعف جدا، وأنه ينسحب تدريجيا، وأنها لا ترى حاليا ما تحت قدميها، أي أنها أصبحت شبه كفيفة، ورغم ذلك فلم نرحمها، وظلت تقوم بكل أعمال نظافة المسكن، وتخرج لشراء الخضر، كما كانت تفعل، بل وكثيرا ما صفعتها، إذا عادت من السوق بخضروات ليست طازجة وكثيرا ما كانت تفعل، لضعف بصرها الشديد فأشفقت عليها زوجة البواب، فكانت تجلسها في مدخل العمارة، وتذهب هي لشراء الخضروات لها، حتى تنقذها من الإهانة، والضرب، واستمر الحال هكذا لفترة من الزمن، حتى خرجت الفتاة ذات يوم من البيت بعد أن أصبحت كفيفة تقريبا، ولم تعد إليه مرة أخرى، ولم نهتم بالبحث عنها هذه المرة.
ومضت السنوات ، فأحيل زوجي للتقاعد، واستقبل حياة الفراغ- وفقد المنصب والنفوذ- أسوأ استقبال، فتضاعفت عصبيته، وثوراته، وانفلاتاته إلى حد غير محتمل ومع ذلك فقد تحملته بسبب عشرة السنين

وتخرج ابني في الجامعة، وعمل، ثم أراد أن يخطب إحدى زميلاته، فخطبناها له، وهي فتاة رائعة الجمال، وتزوجها وسعدنا بها، واكتملت سعادتنا حين عرفنا أنها حامل، ثم جاءت اللحظة السعيدة، ووضعت مولودها، فإذا بنا نكتشف لصدمتنا القاسية أنه كفيف لا يبصر، وتحولت الفرحة إلى سحابة كثيفة من الحزن القاتم، وبدأنا الرحلة الطويلة مع الأطباء، بلا فائدة، واستسلم ابني وزوجته للأمر الواقع، وانطفأ الأمل في قلبيهما ، وأدخلنا حفيدنا الموعود بالعناء حضانة المكفوفين، وقررت زوجة ابني ألا تحمل مرة أخرى ،خوفا من تكرار الكارثة، لكن الأطباء طمأنوها إلى أن هذا مستحيل، لأنه لا توجد صلة قرابة بينها وبين زوجها، تؤكد العوامل الوراثية وشجعوها على الحمل وإنجاب طفل آخر يعيد البسمة إلى حياتها وزوجها، وشجعناها نحن أيضا على ذلك، على أمل أن يرزق ابننا بطفل طبيعي يخفف من حزنه، وصدمته في طفله الأول، وحملت زوجة ابني وأنجبت طفلة جميلة شقراء، نزلت إلى الحياة ، فتوقفت قلوبنا حتى زف الطبيب البشرى بأنها ترى وتبصر، كالأطفال العاديين، وسعدنا بها سعادة مضاعفة، وانهالت عليها وعلى شقيقها اللعب، والملابس، والهدايا، وبعد سبعة شهور، لاحظنا أن نظرها مركز في اتجاه واحد لا تحيد عنه، فعرضناها على أخصائي عيون، للاطمئنان على سلامة عينيها، فإذا به يصدمنا بحقيقة أشد هولا، وهي أنها لا ترى إلا مجرد بصيص من الضوء وأنها معرضة أيضا لفقد بصرها، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ورأى زوجي ذلك، فأصيب بحالة نفسية، فسدت معها أيامه، وكره كل شئ، ثم تطورت حالته حتى نصحنا الطبيب بإدخاله مصحة نفسية ، لعلاجه من الاكتئاب، وانقبض قلبي وأحسست بهموم الدنيا تطأ صدري بقسوة، وفي ضيقي وأحزاني تذكرت فجأة الفتاة الكسيرة، التي هربت من جحيمنا ، كفيفة بعد أن أمضت معنا عشر سنوات، ذاقت خلالها أهوال الصعق بالكهرباء والضرب، والهوان ، والحرمان ، وساءلت نفسي في جزع هل هذا عقاب السماء لنا على ما فعلناه بها؟

وأصبحت صورة هذه الفتاة اليتيمة، التي أهملنا علاجها، وتسببنا في كف بصرها، تطاردني في وحدتي، وتعلق أملي في عفو ربي عما جنينا في أن أجد هذه الفتاة، وأكفر عما فعلناه بها، ورحت أسأل الجميع، حتى دلنا أحد الجيران إلى مكاناها، وعلمنا أنها تعمل خادمة بأحد المساجد، فذهبت إليها وأحضرتها، لتعيش معي ما بقى لي من أيامي، ورغم كل قسوة الذكريات، فقد فرحت بسؤالي عنها، وسعيي إليها، لإعادتها، وحفظت العشرة التي لم نحفظها، وعادت معي تتحسس الطريق وأنا امسك بيدها، وفرحت بسماع صوت ابنتي ، الشابة التي طالما أحبتها هذه الفتاة الطيبة في طفولتها، وصباها، وبسماع صوت ابني الذي عرف الهم طريقه إلى قلبه، واستقرت الفتاة معنا، وأصبحت أرعاها، بل وأخدمها هي وحفيدي الكفيفين، وأملي، ودعائي لربي أن يغفر لي ما كان، وأن أقول لمن نضبت الرحمة من قلوبهم: إن الله حي لا ينام، فلا تقسوا على أحد، فسوف يجئ يوم تطلبون فيه الرحمة من أرحم الراحمين، وتندمون على ما فعلتم في قوتكم وجبروتكم.

وهذه قصتي يا سيدي التي دفعني بيتا الشعر اللذان قرأتهما في ردك لأن أرويها لك، وأرجو أن يقرأها الجميع، ويعتبروا بما فيها، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ولكاتبة هذه الرسالة أقول:

كل نفس بما كسبت رهينة  يا سيدتي  .. ومنذ قديم الزمان وتجارب الألم تعيد تذكيرنا كل يوم بأن الحياة ديون وأن من لا يرحم لا يرحم وأن الله سبحانه وتعالى ينزل عقابه بمن يتغافلون عن نواهيه في الدنيا وفي الآخرة بما يشاء ويقدر وأن تعذيب النفس البشرية وامتهان كرامة الإنسان الذي كرمه ربه وفضله على سائر المخلوقات جريمة نكراء لا تسقط بالتقادم و رغم كل ذلك فما أكثر الخطايا وما اقل الاعتبار بدروس الحياة بل ودروس التاريخ ، فما هذا البلاء الذي ينفرد به الإنسان عن باقي الكائنات الحية ولماذا لا نتقي الله  ونحن في قوتنا وبأسنا . ونجعل من أوامره ونواهيه دستورا لنا في التعامل مع الآخرين فلا نظلم أحد ولا نقسو على الضعفاء والمحرومین .

لقد كان المأمون يقول : إن من علامة الشريف أن يتعالى على من هو فوقه ويتصاغر لمن هو دونه ، لكننا للأسف قلبنا الآية فاصحبنا نتعالى على من هو دوننا ونتصاغر أمام من هو فوقنا فأدمينا قلوب كثيرين

ووطأنا حقوقهم بأقدامنا .. فما هذا البلاء الذي يختص به الإنسان وحده؟ هل سمع أحد عن حيوان كاسر عذب حيوانا اضعف منه أو صعقه بالكهرباء أو استعبده في خدمته من الفجر حتى منتصف الليل بلا راحة و لا هوادة.


لقد رويت مرة قصة الوزير العباس بن الزيات الذي صنع ، التنور .. وهو اسطوانة دائرية بداخلها مسامير حادة مدببة كان يضع فيها المغضوب عليهم فكلما تحركوا اقل حركة داخله وخزتهم المسامير وسببت لهم آلاما بشعة فكانوا في عذابهم يهتفون للوزير الجبار .. الرحمة أيها الوزير فيجيبهم مقهقها كما كان زوجك يقهقه وهو يتحدث عن هذا الصنف من البشر الذي لا يجد راحته إلا في الضرب والهوان كما زعم أن الرحمة خور في الطبيعة .. ثم دارت الأيام دورتها .. ولابد أن تدور ذات يوم ..فتولى آخر الخلافة وكان أول ما فعله هو أن عزل هذا الوزير و أدخله في نفس التنور .. فلما زاد به الألم صاح الرحمة يا أمير المؤمنين فذکره برده على الضحايا في أيام جبروته قائلا : الرحمة خور في الطبيعة !

وهكذا كان الجزاء دائما من جنس العمل .. ومع ذلك فما أكثر الخطايا والآثام .. وما أقل "الاعتبار".

 إنني احترم أحزانك وأقدر لك سعيك وراء هذه الفتاة البائسة وضمها لأسرتك ومحاولتك الصادقة للتكفير عما جنیتم في حقها وهي وديعة لا حول لها ولا قوة في أيديكم .. لكن رسالتك ذكرتنی بقصة أخرى أرجو ألا أجرح مشاعرك بروايتها فما أريد إلا أن نتفكر معا في مفارقتها ونستفيد من عبرتها ..لقد روي عن أحد الأشخاص الذين عرفوا بقسوتهم ووحشيتهم في تعذيب من كانوا يقعون تحت سطوة منصبه المخيف في ذلك الوقت البعيد انه كان ينظر بنفس هذه النظرة البشعة الفاسدة لذلك ، "الصنف" من البشر الضعفاء .. ولا

تأخذهم بهم رحمة ثم فقد سطوته ونقل إلى منصب شرفي بإحدى الهيئات في بلد أوروبي اشتهر بتفوقه في طب العيون بالذات . فكان يمضي أوقاته الفارغة الطويلة في اجترار أمجاده ورواية كيف كان من يقعون تحت رحمته يرتجفون لمجرد سماع اسمه ويستجدونه الرحمة فلا يرحمهم ..الخ . فهل تعرفين ماذا جرى له بعد سنوات قليلة فقط ؟

لقد كف بصره تقريبا وأصبح لا يستطيع أن يتحرك من مكان إلى مكان إلا بمساعدة واحد من هؤلاء البشر الضعفاء، وعجز طب الأطباء عن إنقاذ بصره وهو الذي لم يشك يوما من ضعف نظره وليست في أسرته أية عوامل ورائية ترشحه لذلك ومهما أجهدنا العقل لنعرف سببا طبيا يرشحه لهذا المصير وهو في بلد سحرة طب العيون .. فلن تجد سببا مقنعا إلا أن الله سبحانه وتعالى قد أراد أن يذكر من ينسی.
"ولتعلمن أينا اشد عذابا وأبقى"  صدق الله العظيم ، وغير ذلك كثير وكثير لكن ما أكثر الخطايا والآثام وما اقل الاعتبار .. ومازال بعضنا يأخذه بقوته الغرور فيقسو على غيره بلا رحمة .. فإذا شكته الشوكة لم يستح هو نفسه أن يصرخ شاكيا من الألم.

فشكرا لك يا سيدتي على رعايتك لهذه الفتاة البائسة وليتقبل الله منك ويعف عنكم وليستجيب لدعائك ورجائك، وينزل سكينته على قلبك ويخفف من أحزانكم جميعا . وحبذا لو استأنفت محاولة علاجها وطرق كل الأبواب الممكنة لمساعدتها على استعادة بصرها إذا كان هناك بصيص من أمل في ذلك في نفس الوقت الذي تحاولين فيه الحفاظ على بصيص الضوء الأخير الذي يلمع في عيني حفيدتك الجميلة .. عسی الله ان يكلل مسعاكم بإنقاذ بصرهما معا ويعيد البسمة إلى حياتكم .. ويرفع عن زوجك شدته .. انه سميع مجيب الدعاء وشكرا لاهتمامك بنقل تجربتك الأليمة للآخرين.

نشرت في جريدة الأهرام باب بريد الجمعة في نوفمبر سنة 1991
  راجعها واعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات