الحرث فى البحر .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992
تزوجت منذ 18عاما من قريب لي بعد قصة حب عاصفة تردد صداها في العائلة كلها وكنت خريجة أحد المعاهد العليا وأعمل بوظيفة تدر علي دخلا معتدلا وهو حاصل على شهادة متوسطة ويعمل بوظيفة حكومية فواجهت معارضة من أهلي بسبب فارق المؤهل لكني صمدت لها ووقفت إلى جواره وساعدته وتزوجنا في شقة صغيرة تقل مساحتها عن 50 مترا ورغم ذلك نهلنا من نبع السعادة والبهجة وأنجبت طفلين خلال 5 سنوات من زواجي.
ثم عاد زوجي ذات يوم يبشرني بأنه قد حصل على عقد عمل بإحدى الدول العربية وأنه سيسافر ليحقق لنا كل ما حلمنا به من شقة واسعة ورجوت له أن يعطيه ربه ما يستحقه لأنه إنسان طيب ويخاف الله ويخشى القرش الحرام .. ووعدني زوجي بألا يطول فراقنا عن عامين أو ثلاثة على الأكثر يعود خلالها كل سنة في أجازة, وبعدها يجتمع شملنا نهائيا ونسعد بما أعطانا الله.
وحصل على أجازة بدون مرتب من عمله وسافر مصحوبا بدعائي ودموعي, وتحملت مسئولية العمل والبيت والطفلين وحدي وألحقت ابني الأكبر بالمدرسة ومضى عام طويل ثم عاد زوجي في أول أجازة بالهدايا والملابس لكنه لم يتحقق شيئا من الحلم الأساسي .. ولم يتوافر له أي مبلغ يصلح لأن نبدأ به مشروع شقة بالتقسيط .
وهون زوجي الأمر علي بأن السنة الأولى في الغربة هي دائما تجربة قاسية وأنه سوف يحقق أحلامنا في السنة التالية لأنه قد استفاد خبرة هامة خلال العام الأول .. وكان يعمل في مجالات المقاولات بالرغم من أنه ليس مجاله.
وانتهت الأجازة وعاد من حيث جاء ومضت السنة الثانية ثم السنة الثالثة ولم يستطع أن يحقق لنا شيئا من أحلامنا فحاولت منعه من السفر .. وطالبته بأن يرضى بما قدر الله لنا وأن يعود لنعيش حياتنا كأسرة طبيعية نرعى طفلينا بيننا فلم أفلح في إقناعه وعاد للسفر وفي أحشائي بذرة جنين ثالث .. وطالت غيبته هذه المرة ولم يعد زوجي إلا والجنين الذي كنت حاملا فيه قد استوى وأصبح طفلة عمرها 3 سنوات , ورغم كل شئ سعدت بعودة زوجي وأملت خيرا حين رجع محملا بالهدايا لكل أفراد العائلة واستبشرت بإذن الله قد وفقه أخيرا وعوضنا عن تشتتنا الذي دام حوالي 7 سنوات .. فإذا به لم يحقق شيئا بعد كل هذه الغيبة الطويلة ولم يوفر سوى ثمن الهدايا ! ونشبت بيننا المشاكل وبدأت أطالبه بعدم السفر .. وبالطلاق إذا أصر عليه فراح يقنعني بكل وسيلة بأنها ستكون آخر مرة ويقسم على ذلك ويتهمني بأنني أقف في طريق مستقبل أولادنا , فسلمت أمري لله في النهاية ووافقت على سفره.
ورجع لمقر عمله وعدت أنا لمواصلة مشوار حياتي وحيدة ولست في حاجة لأن أشرح لك ما قاسيته في تربية الأولاد مع الحفاظ على عملى الذي اعتمد على مرتبي "لأن ما يرسله لنا من نقود قليل جدا ولا يفى وحده بنفقاتنا" وفي كل خطاب أكتبه إليه أبثه شوقي وشكواي وأطالبه بالعودة فلا يرد علي ويراسله الأولاد ويتوسلون إليه أن يعود فلا يستجيب لتوسلاتهم .. ومضت ثلاث سنوات أخرى قبل أن يرجع في زيارة خاوي الوفاض والأهل والجيران لا يصدقون أنه لم يدخر شيئا بعد كل هذه السنوات, وفشلت المحاولات معه من جديد ورجع للاغتراب وتلفت حولي فوجدت غربته قد طالت 12 عاما كاملة من عمر زواجي الذي لم يهنأ بالاستقرار سوى أقل من 6 سنوات .. ووجدت أكبر أبنائي قد وصل إلى أولى سنوات المرحلة الجامعية ووصل الثاني إلى السنة الثانية في المرحلة الثانوية ووصلت ابنتي إلى السنة الأولى الاعدادية والأب غائب عن الأسرة بصفة دائمة وأنا وحدي أتحمل المسئولية
وقد انقضت أحلى سنوات عمري في الوحدة والعناء وتجاوزت الأربعين ولم أهنأ بالاستقرار ولا بتحقيق الاحلام .. وترددت شائعة أنه متزوج في غربته ولولا إخوتي يعيشون معه في نفس البلد لصدقتها .. وظهرت شائعة أخرى أنه طلقني فطالبته بإلحاح بالعودة ليخرس ألسنة المتقولين فعاد فى العام الماضي, وجمعت كبار الأسرة عليه لأضع حدا لجحيم حياتي فاستطاع أن يقنع الجميع بأن سفره ضروري للغاية وبأنه لم يقصر في حقوق زوجته وأولاده وأنه سوف يعود إلى زوجته كل أربعة شهور مرة حسب الشرع, وأنه بدأ مشروعا جديدا ومضمونا هذه المرة وسوف يعوض به أسرته عن كل ما مضى من عناء وتشتت .. فطلب مني الجميع أن أصبر مرة أخرى وألا أضيع عليه هذه الفرصة وتركته يسافر ولسوء حظه وحظنا معه فشل هذا المشروع أيضا .. ورغم كل ما جرى مازال زوجي مصمما على الأحلام التي يجري وراءها بلا طائل ويرسل لنا بأحلامه في خطاباته ويرفض العودة وأنا تزداد حالتي سوءا وأعاني من حالات اكتئاب وعصبية زائدة وأعامل أولادي بقسوة من ثقل العبء الملقى على عاتقي وحدي وقد فشلت كل محاولاتي لكي يعود بالحب أو بالتهديد بالطلاق وهو لا يستجيب لأي نداء .. فماذا أفعل يا سيدي هل أرفع ضده قضية طلاق لعله يفيق من أحلامه هذه أم ماذا أفعل ؟
ولــكــاتــبة هــذه الـرسـالـة أقــول :
بعض الأزواج الذين يخرجون للعمل في الخارج ويتركون وراءهم أسرهم بأمل تحقيق حياة كريمة لها قد يفشلون في تحقيق ما خرجوا إليه .. وليس في ذلك ما يعيبهم لأن حظوظ الأشخاص وقدراتهم أيضا تتفاوت، وتفاوت الحظوظ والقدرات من طبيعة الحياة لكن ما يعيب البعض منهم حقا هو أنهم حين يتأكد لهم بالدليل القاطع وبتجربة السنين الطويلة فشل الرحلة وتعذر أو استحالة تحقيق الأحلام التي خرجوا من أجلها فإنهم لا يقنعون من الغنيمة بالإياب ويعودون لتعويض أسرهم سنوات غيابهم عنها ويرضون بأقدارهم وربما صادفهم من التوفيق بالقرب من أسرهم ما يعوضهم بعض ما فشلوا فيه فى الخارج , وإنما يرفضون الاعتراف بالفشل ويستسلمون لحياة تسرق جهدهم وأعمارهم وأقل ما توصف به أنها "حرث في البحر" لا ينتج زرعا ولا يثمر ثمارا ولا تستفيد منه أسرهم شيئا اللهم إلا استمرار افتقادها لغياب الزوج والأب عن حياتها مع ما لذلك من آثار سلبية نفسية وتربوية واجتماعية لا تقاس بها أية ثمار شحيحة لهذه الرحلة الخائبة .. أما أخطر انعكاساتها عليهم فهو "مزاج الهروب" هذا الذى يستسلمون له ربما بغير وعي منهم وقد يلازمهم حتى نهاية العمر ويدفعهم لمعاودة السفر بعيدا عن الأسرة كلما عادوا إليها, ويتعللون بالأوهام ليواصلوا الهروب بلا طائل.
وما هذه الأحلام التي مازالت تراود زوجك رغم تكرار الفشل طوال 12 عاما إلا نوع آخر من الهروب من الواقع ومن الاعتراف بأن كل انسان ميسر لما خلق له .. وأن من يوجه قدراته لما يتلاءم معها أفضل كثيرا ممن يجري وراء أحلامه لا ترشحه هذه القدرات لتحقيقها بل ومن الاعتراف أنه لا طائل من وراء الاستمرار في نطح الصخر والإمعان في الهروب من الأمر الواقع سوى حرمان الزوجة والأبناء من رمز الزوج والأب وفشله هو في تلبية احتياجاتهم النفسية والاجتماعية بعد الفشل في تلبية احتياجاتهم المادية .
لقد ضرب لنا العظيم عمر بن الخطاب المثل حين أمر ألا تطول غيبة المجاهدين في الغزو عن أربعة شهور يعودون بعدها لإعفاف زوجاتهم ورعاية أسرهم ويذهب إلى الثغور غيرهم.
والقانون يعطي للزوجة التي يغيب عنها زوجها دون عذر مقبول سنة فأكثر الحق في أن تطلب من المحكمة تطليقها منه إذا تضررت من بعده عنها حتى ولو كان له مال تنفق منه على احتياجاتها ومطالب أبنائها, وللقاضي إذا أمكن الاتصال بالزوج أن ينذره ويحدد له أجلا يعود خلاله للحياة الزوجية مع زوجته أو يضمها إليه في محل إقامته .. فإذا انقضى هذا الأجل ولم يعد له يبد عذرا مقبولا لاستمرار غيبته قضى بتطليقها منه, بل وله أيضا إذا تعذر الوصول إلى الزوج لإنذاره أن يقضي بتطليقها منه بلا أعذار للزوج ولا أجل يعود خلاله.
ورأيي يا سيدتي في حالتك هذه التي أتلقى للأسف مثيلات لها : إما تلاق .. وإما طلاق !
أي إما أن يجمع الزوج شمل زوجته وأولاده معه حيث يقيم أو أن يعود للإقامة معهم حيث يعيشون أو أن يكون قادرا على أن يعود لزوجته وأولاده او يستزيرهم في موطنه كل بضعة شهور فإن لم يكن هذا ولا ذاك فإن النخوة تطالبه بأن يستجيب لرغبة زوجته إذا أرادت الطلاق وأصرت عليه ولم تصبر على غياب زوجها أكثر مما صبرت .
ولست على أية حال أنصحك باللجوء إلى المحكمة مباشرة لأني أتصور أنه رغم كل ما جرى لم يستشعر حتى الآن جدية تمسكك بالطلاق إذا رفض العودة, ونصيحتي لك هي أن تبلغيه بكل الوسائل المتاحة أنك لن تطيقي صبرا على هذا الحال أكثر من ذلك .. وأن تحددي له أجلا نهائيا يتخلى خلاله عن أوهامه الخائبة ويعود لأسرته مادام ليس قادرا على ضمكم إليه ولا على العودة لكم كل عدة شهور, وتنذريه بأنك سوف تطلبين بعد هذا الأجل الطلاق من المحكمة ولن تترددي في ذلك , فإن لم يستشعر بعد كل ذلك جديتك .. ولم يتفهم احتياجاتك النفسية والفسيولوجية والاجتماعية لقربه منك ومن أبنائه .. فلا لوم عليك إن توجهت رأسا إلى المحكمة .. ولا عتاب له عليك إن فعلت لأنه ليس من حق المتغافل أن يتوجع من ضربة المطرقة إذا هوت على رأسه بعد أن فشلت كل الاشارات بل والايضاحات الصريحة في تنبهيه لما يتعامى عنه, وأرجو ألا يصل الأمر في النهاية إلى ذلك وأن تكون رحلة الأثنى عشر عاما كافية بعد كل هذا العناء لاقناعه بأن لا فائدة من حرث البحر إلا معاناة الأبناء وتعاسة الزوجة إلى ما لا نهاية.
كتابة النص من مصدره / بسنت
محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر