فاكهة البيت .. رسالة من بريد الجمعة عام 1995

 

فاكهة البيت .. رسالة من بريد الجمعة عام 1995

فاكهة البيت .. رسالة من بريد الجمعة عام 1995


أنا فتاة عمري 22 عاما يقولون عني أنني فتاة رقيقة وجميلة لكني في الحقيقة فتاة محجبة وتعليمي متوسط ومن أسرة "ذات شأن" وميسورة الحال والحمد لله , ومن هنا تبدأ المشكلة .. فأمي قد خانها الزمن أكثر من مرة فلقد تزوجت وهي في عنفوان شبابها وجمالها من أبي لكنه تركها بعد بضع سنوات وترك معها طفلتين صغيرتين وكان عمري حينذاك شهرين وعمر شقيقتي الكبرى عامين وبعد طلاقها من أبي تزوجت أمي من رجل بسيط يعمل سائقا بالرغم من أنها تعلمت في المدارس الفرنسية ونشأت وتربت في حى الزمالك , وأنجبت أمي منه ثلاث بنات أخريات فأصبحنا خمس فتيات , وفي الحقيقة فقد كان زوج أمي هذا يحنو علي أنا وشقيقتي ويعاملنا كبناته كما كان يحب أمي كثيرا .. لكن القدر لعب معها لعبته القاسية مرة أخرى وتم طلاقها منه بين يوم وليلة وكان السبب في الطلاق إخوته الذين كانوا يغارون من أمي ومن أنها متعلمة أفضل منهم وتختلف عنهم في الشكل والملبس الخ .. فرحلنا عن الحي الذي كنا نقيم فيه مع زوج أمي ورجعت هي إلى أهلها ومعها خمس فتيات أكبرهن في الثانية عشرة فراحوا يلومونها على أن زواجها الثاني لم يكن مناسبا بها ويطالبونها بأن تتخلى عن بناتها الثلاث منه لأبيهن لكنها لم تقبل بذلك وأثرت أن تحتضن كل بناتها وألا تتخلى عنهن فاشترط عليها أهلها أن تتزوج من جديد لأنها مازالت شابة وصغيرة ووقف أبي إلى جوارها في ذلك وقدموا إليها رجلا فاضلا ومتدينا وطيبا ويكفي أنه قبل أن يتزوج منها ومعها خمس بنات وحتى ولو كان "أبوانا" هما اللذان ينفقان علينا فإنه لابد أيضا أن نشكره على كرمه معنا .. وبالفعل تزوجت أمي للمرة الثالثة وأنجبت من زوجها ولدين أصبحا الآن كل حياتنا وتقول عنهما أمي باعتزاز أنهما فاكهة البيت.

 إذن أين المشكلة في كل ذلك ؟ .. المشكلة يا سيدي هي أنني كأي فتاة في مثل سني أريد أن أرتبط بشخص يحبني وأحبه ويعوضني عما فقدته في طفولتي من احساس الأمان لكني أخاف الاقتراب من أي شاب أو شخص يبدي اهتماما بي ويفكر في خطبتي لأنني اخشى إذا رويت له قصة زواج أمي المتكرر أن تتشكل لديه فكرة خاطئة عني وعنها , وإذا تقدم لي شاب يعرف كل ظروفي بغير أن أخبره بها فإن أبي يعترض لإنه يريد لي زوجا غنيا ومناسبا لاسم عائلته الكبيرة وأنا يا سيدي أحلامي بسيطة ولا أريد من الدنيا سوى الستر والحب وأريد ممن ارتبط به أن يحبني لنفسي وأن أحبه لذاته ونعيش معا في أمان وسلام طوال العمر .. فهل ترى ذلك أملا مستحيلا لمن كانت في مثل ظروفي ؟

جميع الحقوق محفوظة لمدونة "من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"

abdelwahabmetawe.blogspot.com

 

ولكـــاتـــبة هـــذه الرســـالة أقـــول:

 

كلما تواضعت أحلام الانسان ومطالبه من الحياة ازدادت فرصته في تحقيقها , وأحلامك البسيطة أحلام مشروعة وعادلة وسوف تتحقق لك حين يشاء الله لك ذلك في القريب العاجل بإذن الله , وكما هيا الله لأمك رجلا فاضلا تزوجها وهي أم لخمس فتيات وسعد بها وسعدتم معه فلسوف يهيئ لك أيضا من يهنأ بك ويخلص لك الحب والعطاء .. فلا تتهيبي إذن الاقتراب من فرصتك في السعادة والأمان ولا تجملي من واقعك أو تعتذري عنه لأحد لأنك لم تصنعيه لنفسك ولا تتحملين مسئوليته فضلا عن أنه في النهاية واقع مشروع وليس فيه ما يتعارض مع نواهي الدين وأوامره , وحتى لو نكص البعض عن استكمال مشروع الارتباط بك لمثل هذه الظروف العائلية غير الطبيعة فلا تفقدي الثقة في نفسك ولا في جدارتك وأحقيتك في السعادة والأمان , ففهم الحقائق يسهل على الإنسان التعايش معها وتفسير أسبابها وما ينفر بعض الشباب من الارتباط بمن لم تتح لها ظروف الحياة الاستقرار العائلي والنشأة في أسرة سوية مستقرة إلا تخوفا من أنها قد تكون أجرأ من غيرها على طلب الانفصال في المستقبل إذا اعترضت حياتها بعض الخلافات والصعاب أو من أنها قد تكون أقل تهيبا لمحنة الطلاق ممن نشأت في بيئة عائلية مستقرة تتجنب مجرد ذكر كلمة الطلاق في أحاديثها اليومية وتراها كلمة نابية لا يليق الاشارة إليها أمام الغرباء .. وهو تخوف قد يكون له ما يبرره من الناحية النفسية لكنه لا يصلح في النهاية لأن يكون حكما عاما وشاملا للجميع بل إنه على الناحية الأخرى فإن هناك من يرون أنه لا يعرف الشوق إلا من يكابده وأن من عانى في نشأته وطفولته من ظروف التمزق العائلي قد يكون في بعض الحالات أحرص من غيره على عدم التفريط في الاستقرار إذا اتيح له بعد طول انتظار وقد يكون أصبر من غيره على شدائد الحياة اشفاقا على أطفاله من أن يتجرعوا نفس الكأس التي لم ينس بعد مرارتها .

وأيا كان الحال فلست مطالبة بشئ سوى بأن تقدمي للآخرين النموذج الصحيح لمن تعرف قيمة الاستقرار العائلي وتحرص عليه .. أما إذا تمسك والدك برفض من يتقدمون إليك ممن يعرفون بكل ظروفك العائلية لأنه لا يريد لك إلا الارتباط بمن يكون ثريا ومناسبا لاسم عائلته الكبيرة فليتفضل مشكورا بتقديمه إليك وإلا فليدعك لمن تختاره لك الحياة وترشحه للسعادة معك وبك بإذن الله.

 

نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" مايو 1995

كتابة النص من مصدره / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات