عقاب الأيام .. رسالة من بريد الجمعة عام 1998

 

عقاب الأيام .. رسالة من بريد الجمعة عام 1998

عقاب الأيام .. رسالة من بريد الجمعة عام 1998

 

أنا شاب من قراء بريد الجمعة المنتظمين .. وقد صعقت حين قرأت رسالة "الخطوة البطيئة" وشعرت عقب قراءتي لها بحزن شديد , وخوف كبير .. فلقد روي كاتب الرسالة فيها أنه ارتبط بفتاة أحبته كثيرا ثم تعرضت لحادث تأثرت بعده قدرتها على المشي .. وخشي أهله أن يكون قد أثر كذلك على قدرتها على الانجاب فأقنعوه بالانصراف عنها .. وتوسلت الفتاة طويلا ألا يفسخ خطبتها فأكدت له أن قدرتها على الانجاب طبيعية , لكن الشاب آثر السلامة واستجاب لنصائح الأهل الذين يستخدمون دائما نفس العبارات من نوع , وماذا يربطك بفتاة حركتها بطيئة واحتمالات انجابها ضعيفة ؟ وهكذا انتصرت هذه الدسائس على الحب وتخلى عن فتاته رغم توسلاتها الحارة إليه ألا يتركها , وتزوج من أخرى أنجب منها طفلين وتجرع معها كل ألوان التعاسة والجفاء والجحود والمهانة .. وأصرت على الانفصال عنه بعد بضع سنوات وتزوجت غيره تاركه له الطفلين .. وكتب إليك يرجو منك أن تناشد فتاته الأولى أن تصفح عنه فيما فعل معها , لأن الحياة قد ردت إليه الصاع صاعين .. ومازال يدفع ثمن ظلمه لها حتى الأن .

أما لماذا صعقت حين قرأت هذه الرسالة فلأني شعرت وكأن أحدا غيري قد كتب إليك قصتي المشابهة لهذه القصة مع الاختلاف في بعض الجوانب , فأنا أعمل موظف استقبال بأحد المستشفيات الخاصة وقد ارتبطت عاطفيا بفتاة تعمل معي , وسبق لها أن أجرت جراحة لاستبدال صمام بالقلب منذ بضع سنوات وكنت على علم بذلك وارتبطت بها  وبدأنا الاستعداد للزواج فإذا بها تدخل المستشفى من جديد لاستئصال ورم حميد من الرحم , وهنا بدأ الناصحون من الأهل والزملاء في العمل .. يكررون معي نفس العبارات المحذرة التي قيلت لكاتب رسالة "الخطوة البطيئة" .. وبدأ البعض يتساءلون : هل تستطيع هذه الفتاة الانجاب بعدما تعرضت له من جراحة أم لن تستطيع؟

أما فتاتي فلا أستطيع مهما حاولت أن أصف لك عمق حبها لي ولا مدى توددها إلي وصبرها على عصبيتي .. فقررت بالرغم من هذه الهواجس التمسك بها إلى النهاية تقديرا لحبها لي .. وإيمانا منى بأن الإنسان معرض في كل وقت للاصابة بمرض قد يعجزه عن فعل أي شئ .. إلى أن جاء اليوم الذي غير مجرى حياتي وحسم كل الهواجس ..

فلقد كنت أؤدي عملي في قسم الاستقبال ذات يوم ففوجئت بزوج شاب في مثل سني يأتي إلى المستشفى ومعه زوجته الشابة التي في سن فتاتي وهي في حالة غيبوبة , وقمت على الفور بإجراءات ادخالها إلى المستشفى .. لكن روحها قد فاضت إلى بارئها بعد دخولها بساعة واحدة .. وأثار ذلك اهتمامي فسألت الطبيب عن حالتها , وعلمت منه أنها كانت قد استبدلت صماما في القلب منذ بضع سنوات , ثم تزوجت وحملت فأثر الحمل على القلب وانتهى مصيرها إلى الوفاة .. يرحمها الله .. فما إن سمعت ذلك من الطبيب حتى ارتجفت وسيطرت علي هواجس الخوف والشك والاضطراب .. وعانيت من هذه المشاعر فترة قصيرة ثم حسمت خوفي من أن أتعرض لمثل هذا الموقف بعد زواجي من فتاتي , فتذرعت لها بسبب تافه وانهيت ارتباطي بها وتركتها .. ورفضت الاستجابة لتوسلاتها المؤلمة لي .. ولم تدع هي أحدا يستطيع أن يحدثني في شأنها دون أن توسطه بيني وبينها , وترجوه أن يحاول اقناعي بعدم التخلي عنها .. فحتى مديري في العمل فوجئت به ذات يوم يرجوني ألا أتركها .. ويأمل في أن تنجح وساطته في جمع الشمل بيننا .. لكني , بالرغم من كل المحاولات والتوسلات تركتها ووافقني على ذلك كل أفراد أسرتي ماعدا والدتي التي تعاطفت معها وحزنت من أجلها كثيرا , وانهارت فتاتي وبكت طويلا وراح كل من يصادفني بعدها من زملائنا أو معارفنا يحدثني عن ذبولها وهزالها ونظرة الحزن المستقرة في عينيها .. ومضت الأيام .. فإذا بي أعلم أنها قد ارتبطت بإنسان آخر أفضل حالا منى من الناحية المادية  وأنه علم بمرضها ووافق على الارتباط بها .. وبدأ الاستعداد للزواج القريب.

فما إن علمت بذلك حتى وجدتني أشعر بحزن شديد .. وأراجع نفسي فيما فعلت معها .. فأجدني قد قسوت عليها كثيرا وظلمتها كثيرا .. ثم قرأت رسالة "الخطوة البطيئة" المشابهة لقصتي .. وقرأت فيها عن عقاب الأيام للشاب الذي ظلم فتاته الأولى .. فتساءلت : ترى كيف سيكون عقاب الأيام لي على ظلمي لهذه الفتاة ؟ وهل سيكون كعقابها لهذا الشاب الذي تزوج من أخرى سامته كل أنواع العذاب ثم تخلت عنه وتزوجت غيره وهدمت استقرار طفليه , أم يكون عقابي مختلفا فأتزوج من أخرى تعاملني معاملة جافة وتعيش معي بلا عاطفة ولا روح , وبعد أن كانت الأيام تعدني بحياة دافئة بالحب والود من جانب فتاتي السابقة ؟

وترى هل تغفر لي هذه الفتاة ذات يوم ما جنيته عليها .. وان كنت أعرف أن ما فعلته بها ليس مما يغتفر بسهولة ؟.

 

ولـــكـــاتـــب هـــذه الــرســــالـــة أقـــول:

 

لو كان الأمر يتعلق فقط بإحساسك بظلمك لهذه الفتاة .. وخوفك من عقاب الأيام لك على ذلك , لما تحرك هذا الاحساس لديك حين علمت بارتباط فتاتك السابقة بمن هو أفضل حالا منك من الناحية المادية , واستعدادها للزواج القريب منه , ولكان الأرجح هو أن يتحرك لديك هذا الاحساس مع أول بادرة تستشعر فيها معاكسة الظروف لك في الارتباط بفتاة أخرى .. أو مع أول بادرة تتعرض فيها لظلم الآخرين لك فيستدعي من ذاكرتك سوابق ظلمك لغيرك , وتشعر تجاه من ظلمت من قبل بالاشفاق ويراودك الاحساس بأن ما تعرضت له هو عقاب السماء لك على ظلمك السابق لغيرك .. أما والأمر غير ذلك فإني أميل للاعتقاد بأن هذا الاحساس قد تحرك لديك مقترنا بإدراكك بعد فوات الأوان لقيمة ما خسرته من حب كبير بتخليك عن هذه الفتاة , وذلك حين علمت أن هناك من انتصر على هواجس الخوف التي انهزمت أنت أمامها , وتطلع بالرغم منها إلى السعادة مع هذه الفتاة , فكأنما قد وضع هذا الشاب الذي ارتبط بها من بعدك عجزك عن مكابدة هذه الهواجس موضع المقارنة مع شجاعته النفسية على السعي إلى ما يرى فيه سعادته بالرغم من المخاوف والمحاذير , ومن هنا يجئ الندم على السعادة التي كنا جديرين بالفوز بها لولا خوفنا المرضي من المستقبل ..

ولولا آفة الإنسان في المغالاة في الخوف على نفسه من التعاسة المحتملة في المستقبل , ولو أدى به ذلك إلى حرمان نفسه في بعض الأحيان من السعادة  المتاحة الآن له بين يديه .

ولا عجب في ذلك فنحن كثيرا ما نتصور في انفسنا العجز عن ادراك بعض اهداف الحياة , فاذا فوجئنا باقدام غيرنا على محاولة ادراكها ونيلها آمنا أنفسنا على ما حرمنا أنفسنا منه , وأسفنا على ما فاتنا ادراكه بخوفنا من المحاولة .. وعجزنا عن تحمل تبعاتها , وتمنينا لو كنا قد تحلينا بنفس الشجاعة النفسية التى وجدها غيرنا في نفسه ففاز بما كنا جديرين بالفوز به لولا استسلامنا للخوف والهواجس . وهذا فيما أتصور هو ما تشعر به الآن إلى جانب الخوف من عقاب الأيام لك على تخليك عن هذه الفتاة لأسباب قدرية لا حيلة لها فيها ولا جريرة , وبالرغم من علمك بكل ظروفها قبل الارتباط بها ..

فإذا كان الخوف من عقاب الأيام هو هاجسك الوحيد كما تقول وليست الحسرة أيضا على فقدك لهذه الفتاة , فلعل في حرمانك لنفسك ممن كانت تتوسل إليك بكل الوسائل ألا تتخلى عنها , الكفاية وما فوق الكفاية من عقاب معنوي لك .. وهو عقاب انزلته أنت بنفسك ولم توقعه عليك السماء .. فعسى أن يكون ندمك على ما تسببت فيه لهذه الفتاة من آلام شفيعا لك في الصفح والغفران ..وعسى أن تنجو من مضاعفات العقاب في المستقبل بإذن الله بأن يكون سجلك مع الحياة بعد ذلك أمينا وملتزما بالفضائل والقيم الدينية وخاليا من الأخطاء الكبيرة والاساءات القاسية للغير , ففي ذلك أيضا التكفير عن أخطائنا السابقة في حق الآخرين  ..

"ومن يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما " والسلام.

رابط رسالة الخطوة البطيئة 

نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" سبتمبر 1998

كتابة النص من مصدره / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات