أبناء الحياة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994
كتبت إليك من قبل خمس رسائل لكنه لم يصادفها التوفيق وأرجو أن يكون حظ هذه الرسالة أفضل من سابقاتها فأنا أريد أن أروي لك يا سيدي قصتنا مع الدنيا ليرى قراؤك صورة ربما تكون جديدة عليهم من صور الحياة الغريبة وعسي أن تستطيع من ناحية أخرى مساعدتنا في الوصول إلى بر الأمان ..
فنحن خمسة أشقاء أيتام ولسنا بأيتام إذ نعيش بلا أب ولا أم منذ 14 عاما مع أن كلا منهما على قيد الحياة ولا يعلم إلا الله كيف استطعنا أن نشق طريقنا وأن نحمي أنفسنا من مخاطر الطريق .. فحين كنت طفلة في الحادية عشرة من عمري انفصل أبي عن أمي ولم أستطع أن أفهم سببا للانفصال إلا أنهما كما وعيت ذاكرتي الطفولية كانا على خلاف دائم , فانتهى الأمر بانفصهالهما وتركهما لنا معا خمسة أشقاء في السن الحرجة , أكبرنا شاب كان في العشرين وقتها ثم أختي الكبرى وكانت في السابعة عشرة ثم أختي التي تليها وكانت في الخامسة عشرة ثم أنا ثم أخي الأصغر وكان في التاسعة من عمره.
وخلال فترة قصيرة كانت أمي قد تزوجت من آخر غير أبي .. وكان أبي قد تزوج من أخرى غير أمي وانصرف كل منهما إلى حياته الجديدة وانشغل بها .. فهل تعرف ممن تزوجت أمي وممن تزوج أبي؟ لقد تزوجت أمي من رجل كان متزوجا ولديه ثلاثة أبناء فطلق زوجته وتزوج أمنا بعد طلاق أبي لها .. واحتضنت أمي أبناءه الثلاثة وانجبت له طفلين آخرين أما أبي فقد تزوج هو الآخر من مطلقة هذا الرجل نفسه وانجب منها خلال رحلة العمر السعيد بعد ذلك أربعة أبناء آخرين وبذلك تمت عملية "تبادل" بسيطة استراح لها كل الأطراف ماعدا نحن بطبيعة الحال إذ لم يحتضنا أحد وإنما تركنا أبي وأمي نعيش في غرفة بشقة مشتركة بأحد الأحياء الشعبية ونحن في أحرج مراحل تكوين الشخصية التي تحتاج فيها للأب وللأم أكثر من أي مرحلة أخرى.
ومضت بنا الحياة لا أعرف كيف مضت ولا كيف واجهنا واقعنا الجديد , فتزوجت شقيقتي الكبرى بعد فترة من رجل فاضل وإنتقلت إلى بيتها الجديد ويقينا نحن الأربعة في الغرفة المشتركة وأبونا وأمنا مشغولان بحياتهما الجديدة , ولا تربطنا بأبى إلا زيارة أسبوعية لا تزيد عن عشر دقائق يسلمنا خلالها مصروف البيت الأسبوعي وكان مبلغا قدرة عشرة جنيهات فقط لا غير علينا أن نأكل بها ونشرب ونلبس وندفع ثمن الكهرباء والماء والكتب والكراريس ولولا ملامة الناس لما أعطانا حتى هذه المبلغ الخطير .. ولا تخلو زيارة له من الشكوى من مطالب حياته الجديدة وأولاده التي لا يستطيع الوفاء بها كأنما يقول لنا بطريقة غير مباشرة أن إخوتنا الصغار أحق منكم بهذا المبلغ "الكبير" لكننا تمسكنا بالمبلغ الخطير لحاجتنا الشديدة إليه ولاحتياجنا ثانيا إلى ألا تنقطع الرابطة الوحيدة بيننا وبين أبينا ومع كل ذلك فلقد مضت حياتنا بصعوباتها التي لا تخطر على بال أحد وأكمل كل منا تعليمة وحصلت أختي الوسطى على ليسانس الآداب منذ سبع سنوات وحصلت أنا على بكالوريوس الهندسة بل وكنت الأولى على مدرستي في الثانوية العامة .. ومازلت حتى الآن لا أعرف كيف نجحنا في دراستنا ولا كيف تحملت أنا دراسة الهندسة وتكاليفها الباهظة ولا تفسير لذلك عندي سوى أن الله سبحانه وتعالى قد وقف إلى جوارنا ليعوضنا عن تخلي أمنا وأبينا عنا , وبعد أن تخرجت أختي عملت لمدة ثلاثة أعوام في مكتب خاص لفترتين كل يوم بمرتب صغير وكان صاحب المكتب عصبيا بطريقة لا تطاق ولا تحتمل .. لكن لخبرتها القديمة في الصبر استطاعت أن تتحمله ثلاث سنوات كاملة ثم انهارت مقاومتها وتركت العمل وجلست في البيت تنتظر فرصة أخرى منذ شهور.
أما أنا فقد كان حظي أفضل منها قليلا وعملت بعد تخرجي في شركة كمهندسة , وتعرفت بعد فترة على مهندس شاب يعمل معنا أعجب بي وفاتحني برغبته في أن يتقدم لخطبتي .. فواجهت المشكلة العسيرة التي طالما أرقتني وأنا وأختي وهي "أين" يتقدم لنا من يريد خطبتنا وكيف سيكون وقع الغرفة الوحيدة في المسكن المشترك على أسرة الخطيب .. ولم أجد مفرا من مصارحته بكل ظروفي بلا مواربة وتفهم خطيبي ظروفي ولم يغير رأيه في الارتباط بي , وانتهى الأمر بأن تقدم لي مع أسرته في بيت شقيقتي المتزوجة , واتفقنا على حفل الخطبة وأقمناه فعلا وقد مر عام كامل حتى الآن ولم نستطع أن نتقدم خطوة واحدة في طريق الزواج.
فمرتبي انفقه كله على ملابسي واحتياجاتي واسدد منه ديون الخطبة التي لم يدفع منها أبي مليما واحدا وبعد حيرة طويلة لم نجد حلا سوى البحث عن فرصة عمل لخطيبي في الخارج ولي معه إذا كان ذلك ممكنا وبدأ خطيبي يتردد على مكاتب السفر بالخارج ولم يوفق في الحصول على عمل حتى الآن .
أما أنا وأختي فقد أوشكنا على أن يصيبنا الاكتئاب واليأس من كل شئ .. فقد تحملنا ظروف حياتنا القاسية من قبل ونحن نتمسك دائما بالأمل في غد أفضل سوف يكون تعويضا لنا عما لقيناه في حياتنا من آلام .. فلم يأت هذا الغد الأفضل حتى الآن ولم تظهر لنا بشائره .
أليس لنا الحق يا سيدي في أن نرتاح بعد كل ما تحملناه من عناء ؟
وهل كثير علينا أن نحيا حياة مريحة ولا أقول فاخرة بعد أن قاسينا الكثير ؟
ولـــكـــاتـــبـــة هـــذه الـــرســـالــــة أقــــول:
لو ثبت كل مهموم عينيه على اللحظة الراهنة وتخيل أن أوضاعنا المؤلمة فيها لن تتغير إلى الأبد لما إحتمل كثيرون حياتهم، ولكان عدد المنتحرين يأسا من الحياة بلا نهاية , لكننا نستعين دائما على آلامنا وهمومنا بالإيمان بالله والثقة في ارادته العليا الخيرة والعادلة وبالإيمان بقانون التغيير الأزلي الذي يقول لنا أن كل شئ في الحياة يتغير إلا قانون التغير نفسه , وبالتسلح بروح التفاؤل والأمل التي تيسر لنا الإيمان دائما بأن كل عناء إلى زوال .. وإن طال الاحتمال .. وكل آت قريب .. وإن طال الانتظار .
وهذا الأمل نفسه هو الذي أعانكم على احتمال ظروفكم القاسية حتى اقتربتم من الوصول إلى بر الأمان ولو تخليتم لحظة أن ظروفكم لن تتغير إلي الأفضل مهما فعلتم لما نجحتم في دراساتكم ولما تحديتم مصاعب حياتكم لكن الأمتار القليلة الباقية للوصول إلى الشاطئ هي دائما أصعب مسافات الرحلة البطولية وسط الأمواج العالية والأنواء ومن العبث أن يسلم باليأس والفشل من أوشك على الوصول إلى شاطئ الأمان ولهذا فسوف تقطعون هذه الأمتار الباقية بسلام بإذن الله ..
ولابد أن في الاسكندرية عملا مناسبا لشقيقتك المكافحة ينتظرها كما تنتظره ولابد أن في الحياة من سوف يسعده أن يساعد خطيبك المهندس على أن يجد فرصته التي يحلم بها لتتمكنا من اتمام الزواج إن شاء الله .. ولو لم يكن لكم ما يرشحكم لأن ترق الحياة لكم بعد طول اكفهرار لكفاكم أن كنتم ضحايا لعملية "التبادل" العجيبة هذه التي خلفت وراءها خمس ضحايا . آخرين : هم أبناء السيدة التي تزوجها أبوكم دون أن تطرف عين لأحد أبطال هذه العملية التي لم أسمع بمثلها من قبل.
ودون أن يتوقف أحد منهم ليراجع نفسه أو يفكر في مصير كل هؤلاء الضحايا الثماني .. بل أنهم .. لم يكتفوا بما فعلوا وإنما أهدوا إلى الحياة أيضا ستة أطفال آخرين كأنهم كانوا محرومين من الانجاب قبل أن يقدموا على هذا التبادل الغريب .. مع أن القصة كلها تجري تحت خط الفقر والحاجة.
فإذا كنتم قد صمدتم لظروفكم القاسية ونجوتم من مخاطر الطريق التي تتهدد غالبا "يتامى الحياة" الذين يتخلى عنهم الأبوان وينصرفان إلى حياتهما الخاصة .. فلأن عناية الله قد رافقتكم في رحلتكم وحفظتكم من الأخطار وأعانتكم على استكمال مشوار التعليم بنجاح والخروج من الرحلة الصعبة بلا خسائر في الأخلاق والقيم وهو استثناء من قانون ضياع الأبناء الذين يتخلى عنهم الأبوان . لكنه استثناء يتكرر في بعض الأحيان ويحقق نفس هذه النتائج الطيبة فكأنما يخرج هؤلاء الأبناء إلى الدنيا وهم مزودون ببوصلات داخلية تهديهم سواء السبيل .. أو كأنما تتبناهم الحياة حين يتخلى عنهم الآباء فتحسن تربيتهم نيابة عنهم وتحميهم من مخاطر الانحراف والضياع .. فإذا حقق هؤلاء الأبناء بعد ذلك نجاحا دراسيا وعمليا في الحياة , لم يكن لآبائهم أو أمهاتهم أى فضل فيه , وإن كان الفضل الأول والأخير فيه لعناية الله بهم .. وبطبيعة هؤلاء الأبناء السوية والراغبة في سلوك الطريق القويم في الحياة , ونجاح أكبرهم غالبا في أداء الدور الذي تخلى عنه الآباء والأمهات ..
نعم يا آنستي تستحقون بكل تأكيد أن تسعدوا بالراحة بعد طول العناء وأتمنى لو استطاع بعض أحباء الحياة وبريد الجمعة تحقيق أملكم في الحياة .. فاصمدوا .. واصبروا فلم تبق سوى خطوات على شاطئ الأمان إن شاء الله.
نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" يوليو 1994
كتابة النص من مصدره / بسنت محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر