النداء الغامض .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994
أنا سيدة في السابعة والعشرين من عمري تعرفت على زوجي منذ ست سنوات وخطبت له وسعدت بخطبتي وارتباطي به , وبعد أيام من الخطبة سافر خطيبي إلى احدى الدول الأوروبية ليعمل بها ويبني مستقبله وحزنت لفراقه كثيرا رغم تقديري لكفاحه ومضت الأيام ثقيلة مملة لا يربطني به سوى خطاباته وطال غيابه عامين ثم عاد في إجازة قصيرة وعقدنا قراننا ووعدني بأن يجهز لي أوراقي للسفر معه , لكنه راح بعد ذلك يماطل في انهاء الأوراق ويتهرب من اصطحابي معه إلى أن واجهته بذلك وحدث بيننا خلاف حاد كدنا نفترق بسببه لكنه لشدة حبي له وافقت مكرهة على أن يتزوجني هنا ثم يتركني وحيدة ويسافر إلى عمله .. فتزوجنا وأمضيت معه شهرا ونصف الشهر فقط ثم سافر إلى مقر عمله وترك ثمرة الحب والزواج في أحشائي , وعدت للوحدة من جديد وجاءت لحظة الولادة الصعبة وهو بعيد عني ووضعت طفلي الجميل وضاعف الفراق من آلامي الجسدية فتوسلت إليه أن يعود لنا فلم يعد إلا بعد ثلاثة شهور من ولادة طفلنا .
واجتمع شملنا من جديد لفترة قصيرة .. فرجوته بدموعي أن يبقى معنا ويقيم لنفسه أي مشروع صغير في مدينتنا مادام لا يستطيع أن يصطحبني معه إلى حيث يقيم فوعدني بذلك وأمضى معي بضعة أسابيع مرت كلمح البصر .. ثم سافر لإنهاء عمله والعودة وقضى هناك فترة أخرى ثم انهى أوراقه وحصل على مكافأة مالية من عمله وعاد واستقر إلى جواري فأحسست لأول مرة منذ زواجنا بأنني زوجة وربة بيت صغير ونسيت أيام الفراق والمعاناة الطويلة وأقام زوجي بمدخراته من العمل في الخارج مشروعا تجاريا صغيرا .. وبدأ يعمل فيه .. وأنا سعيدة بوجوده بيننا لكن سعادتي لم تطل فزوجي فقد اقتناعه بهذا المشروع بعد بضعة شهور من بدئه لأنه لا يدر علينا دخلا يكفي احتياجاتنا اليومية ويريد أن يصفيه ويسافر للعمل في الخارج .. أو يجد وظيفة هنا بمؤهلة الجامعي دفعة 1985 من كلية الآداب .. والوظيفة بمؤهلة حلم بعيد المنال .. إذن فلابد من السفر كما يقول .. وكلما سمعت هذه الكلمة اللعينة منه انفجرت في البكاء وقد تناقشت معه في هذا الأمر طويلا وقلت له أنني لا أقوى على احتمال الفراق مرة أخرى .. ولا أستطيع أن أكون متزوجة ولست متزوجة في نفس الوقت لأن زوجي يريد السفر ولا يريد أن يصطحبني معه أو لا يستطيع ذلك , وهو يفكر ويصمت عن الكلام عن السفر بضعة أيام ثم يعود للحديث عنه من جديد وتتجدد الخلافات.
لقد فكرت في طلب الطلاق إذا أصر على السفر خاصة أن حياتي في غيابه لن تختلف عن حياة المطلقة لكني تراجعت عن ذلك وأناشدك أن تكتب لزوجي وتنصحه بأن يشكر الله على زوجته التي تحبه ومستعدة لأن تضحي من أجله بكل شئ وعلى طفله الذي أنعم الله به علينا وبألا يفكر في السفر وتركنا وحيدين لسنوات أخرى كما أرجو أن تطالب "المسئولين" بإصدار قانون يلزم الزوج بعدم السفر بغير زوجته وأولاده إلا في حالات استثنائية !!
فسفر الزوج وحده تاركا وراءه زوجته بالسنوات يؤدي إلى انحراف الزوج والزوجة والأبناء أيضا الذين يفتقدون رعاية الأب إلى جانب أنه يغيرمن طباع الزوج والزوجة ومن سلوكهما خلال سنوات الفراق الطويلة فإذا اجتمعا بعد ذلك كانا كالغريبين رغم ارتباطهما بالزواج.
إنني أريد أن أدافع عن أسرتي الصغيرة الجميلة حتى النفس الأخير لهذا ألجأ إليك لتساندني في معركتي مع زوجي وفي اقناعه بالبقاء معنا وشكرا لك .
جميع الحقوق محفوظة لمدونة "من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"
abdelwahabmetawe.blogspot.com
ولكــــاتــــبة هـــــذه الــــرســــالــــة أقــــــول:
معك يا سيدتي في معركتك للدفاع عن أسرتك الصغيرة الجميلة حتى النهاية لأني لا أؤمن "بالزواج الطائر" الذي يفترق فيه الزوجان بالسنوات الطويلة ولا يتلاقيان خلاله إلا كما يتلاقى الغرباء في فنادق الصيف الموسمية ومن رأيي دائما أن مفهوم الزواج كما صاغه لنا الله سبحانه وتعالى هو أن يجتمع شمل الزوجين والأبناء معا في الحل والترحال خاصة في مرحلة الشباب التي تشتد فيها حاجة كلا الزوجين للآخر ويزداد احتياج أبنائهما الصغار إلى رعاية الأبوين معا .. ورغم كل ذلك فلو كان زوجك يستعد للسفر إلى دولة عربية للعمل بها مثلا لربما طالبتك أنت بالصبر عليه حتى يجتاز صعوبات البداية ويرسخ أقدامه في عمله الجديد ثم يستطيع بعد ذلك أن يصطحب أسرته إلى حيث يقيم . أما وهو يفكر في العودة للسفر إلى الدولة الأوروبية التي كان يعمل بها فلا أمل في أن يجتمع شملكما فيها ذات يوم قريب أو بعيد .. فهو يدخلها غالبا بطريقة غير مشروعة أو يدخلها بتأشيرة دخول سياحية ثم يختفي عن الأنظار ويعيش ويعمل خفية معرضا طوال الوقت لخطر الترحيل في أية لحظة وفي كل الأحوال فلن تسمح له ظروفه هذه في المدى المنظور على الأقل بالحصول على تأشيرة دخول لك ولطفلك أو بتوفير مسكن يصلح لإقامة أسرة صغيرة كأسرتك .. ولن يكون البديل المتاح لكل منكما إذا اختار الرحيل سوى أن يعيش عزبا هناك بضع سنوات أخرى وتعيشين أنت وحيدة هنا تعانين الفراق والحيرة .
بل إنني أخشى أكثر من ذلك أن يكون نداء السفر إلى أوروبا هو السبب الباطني لعدم اقتناعه بمشروعه الصغير وعدم مثابرته عليه إلى أن ينجح ويحقق لكما ما تأملان منه .
ونداء الرحيل الغامض الذي يتردد داخله هو في حقيقته نوع من "مزاج الهروب" الذي قد يتمكن من البعض فيقضي عليهم بأن يتنقلوا معظم سنوات العمر من مكان إلى مكان تاركين أسرهم سنوات العمر من مكان إلى مكان تاركين أسرهم وراءهم وبغير أن يحققوا في حياتهم نجاحا يذكر ذلك أنه ليس سعيا وراء الرزق تفرضه الظروف القاسية لفترة مؤقتة بقدر ما هو رغبة نفسية في السفر والابتعاد عن المسئوليات العائلية وإلتزاماتها الثقيلة وأرجو صادقا ألا يكون زوجك من أسرى هذا المزاج الغريب الذي لا يناسب زوجا لزوجة شابة محبة مثلك .
فواصلي معركتك معه بالاقناع المنطقي والحب الصادق لانتشال أسرتك الجميلة من هذا المصير .. وشجعيه على أن يبذل جهدا أكبر من مشروعة الصغير بدلا من أن يسلم باليأس منه ويسارع بتصفيته عند أول اختبار استجابة لهذا النداء .. ولو كنت أستطيع أن أسهم في ترسيخ جذوره في أرضك بتوفير عمل له يعينه مع عائد مشروعه على مواجهة متطلبات الحياة لما ترددت في ذلك .. فعسى أن يحتاج بعض أصحاب الأعمال في مدينة الاسكندرية إلى خدماته فيساهموا معك في الدفاع عن أسرتك بالسلاح الأقوى ولو أنصف زوجك لأدرك قيمة توسلاتك إليه بالبقاء معك واستعدادك للتضحية من أجله بكل شئ .. ولقدر لك ذلك وعرف أنه يملك ما لا يملكه كثيرون غيره فالزوجة المحبة ثروة لا تقدر بثمن , والزواج ليس مجرد وثيقة تربط بين اثنين تفصل بينهما بحار ومحيطات إلى ما لا نهاية .. وإنما معاشرة ومساكنه وتجاور واقتراب ومسئولية متبادلة .. وخاتم في اصبع القلب يربط بين روحين وقلبين وعقلين إلى نهاية العمر .. فتمسكي بموقفك يا سيدتي ودافعي عن حياتك للنهاية .. أما حكاية القانون , الذي يمنع سفر الزوج بغير زوجته وابنائه فهو اقتراح يثير التأمل فعلا لكنه غير قابل للتنفيذ عمليا لأسباب عديدة لا مجال هنا لشرحها ويبقى في النهاية أن الضمير الديني والاحساس بالمسئولية العائلية أقوى من أى تشريع وأكثر فعالية .. وشكرا
نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" يونيو 1994
كتابة النص من مصدره / بسنت محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر