القهر المر .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994

 

القهر المر .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994

القهر المر .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994

 

كتبت إليك مرتين من قبل لتشير علي بما أفعل لكنك لم ترد علي .. وأكتب إليك للمرة الثالثة عاتبة وطالبة المشورة التي أنا في أشد الحاجة إليها .. فأنا سيدة في السادسة والثلاثين من عمري .. تزوجت زوجي بإختياري وإرادتي وسعد كل منا بالآخر وبلغنا من التفاهم في حياتنا المشتركة درجة لا يمكن تخيلها لكن الأيام والشهور قد مضت دون أن أنجب وللهفتي على الانجاب حثثته على أن نعرض نفسينا على الطبيب فقرر أن زوجي هو المسئول عن عدم الانجاب وأنه ربما يستطيع بالعلاج الطويل أن تتحسن حالته وينجب .. وبدأنا رحلة العلاج الطويلة التي تحتاج إلى الصبر والمال وقررت السفر للعمل في احدى الدول العربية لكي نستطيع مواصلة العلاج وساعدني تخصصي في ذلك فسافرت إلى دولة عربية وسافر معي زوجي كمرافق وواصلنا في مقرنا الجديد العلاج ولاقينا الأهوال من بعض أهله الذين يقيمون في نفس الدولة ولكن في مدينة أخرى بعيدة سامحهم الله , فقد كانوا لا يريدونني زوجة له ولا يعرفون مصلحة إبنهم .. لكن زوجي تمسك بي رغم كل شئ وواصلنا حياتنا وأنا أتعلق بأمل أن يؤتي العلاج ثماره .. ومضت 5 سنوات دون أن يتحقق أملي وحاولت أن أقنع نفسي كثيرا  بأن أبناء أختي هم أيضا أبنائي وأن أعوض نفسي بذلك لكن الحقيقة المؤلمة أنك تكتشف في لحظة ومن خلال بعض المواقف البسيطة أن إبنك هو إبنك الذي تجده في أحضانك وفي فراشك آخر الليل وليس أي أحد آخر !  ولإحساسي المؤلم بذلك وبأن قطار العمر يجري بسرعة رهيبة دون أن يتحقق أملي في أن يكون لي طفل أحبه وأرعاه وأرقبه يكبر أمامي بدأت المتاعب بيني وبين زوجي وبدأت الخلافات .. وكلما حدث خلاف طلبت الطلاق فيرفض زوجي .. أو يحاول التفاهم معي .. وكلما عدنا في الإجازة الصيفية كل سنة إلى بلدنا تدخل أهلي لتهدئة الوضع بيننا, ونعود معا بعد الإجازة فتتجدد المتاعب .. وفكرت طويلا في حياتي وحسمت الأمر بيني وبين نفسي وقررت أنه لابد من الطلاق قبل أن أتخطى سن الإنجاب وحتى أستطيع أن أبدأ حياة جديدة مع إنسان آخر يحقق لي هذا الأمل خاصة بعد تغير معاملة زوجي لي التي وصلت إلى درجة القسوة بعد الخلافات.

 وقررت الانفصال وتمسكت برغبتي حتى النهاية وساومني زوجي طويلا عليها حتى حصلت على الطلاق مضحية بكل حقوقي المادية .. وأشياء أخرى، وانتهت حياتي الزوجية بعد تسع سنوات على غير ما تمنيت لها حين بدأتها وبعد الانفصال بفترة قصيرة اتصل بي أهلي من مصر .. وطالبوني بالعودة خلال إجازة نصف العام الدراسي ليقدموا لي خاطبا جديدا وفكرت في الأمر بواقعية شديدة ووجدت أنني قد تزوجت زوجي الأول بإختياري فلم تنجح التجربة ولم تحقق لي أملي في إنجاب طفل فلماذا لا أجرب الزواج على طريقتهم هذه المرة عسى أن تفلح وتحقق لي آمالي في الحياة ؟ وعدت في الاجازة ووجدت المتقدم لي إنسانا طيبا وأصر أهلي على أن أتزوجه خلال الإجازة القصيرة هذه وأستجبت لرغبتهم وتزوجت منه وعدت إلى مقر عملي مع زوجي الجديد وبدأت حياتي معه مستبشره خيرا .. وبعد ثلاثة شهور وجدتني لم أحمل فلم أرغب في تضييع أي وقت آخر في الانتظار .. وطلبت منه الذهاب معي للطبيب وفحصنا نفس الطبيب الذي سبق أن فحص زوجي الأول وأشرف على علاجه فإذا "بحظي الأسود" يدخر لي مفاجأة لم تكن في الحسبان فلقد تبين أن حالة زوجي الثاني مطابقة مائة في المائة لحالة زوجي الأول في كل الفحوص والتحليلات والنسب من حيث عدم القدرة على الإنجاب ! ووقفت مذهولة أمام الطبيب وهو يحدثنا من جديد عن العلاج الطويل .. والصبر .. والأمل في الله سبحانه وتعالى كأنما أعيش نفس المشهد مرتين وتعجبت من حظي الذي أختار لي من بين كل الرجال زوجا آخر بنفس الحالة ونفس درجة الخصوبة الضعيفة وأحسست بالقهر المر وليس بالقهر الجميل الذي كتبت لك عنه إحدى قارئاتك وهي تتحدث عن قهرها بأولادها وعدت إلى البيت وأنا لا أشعر بما حولي .. وأنا أقنع نفسي بالرضا بما حدث وبأنه سبحانه هو وحده من "يهب لمن يشاء" لكنني  رغم ذلك خائفة يا سيدي من مواجهة الناس الذين لن يصدق أحد منهم أنني سليمة وأن زوجي الثاني هو المسئول عن عدم الانجاب كزوجي الأول .. وأحار فيما أصنع في أمري .. هل أعتبر أن زوجي قد خدعني عن نفسه وحالته وقد أوضحنا له بجلاء قبل الارتباط أنني انفصلت عن زوجي الأول لعدم الإنجاب وأنني لست أتزوج للمرة الثانية إلا لهذا السبب ؟ إن إحساسي بأنه قد خدعني يقتلني خاصة وقد أكد لنا أنه قادر على الانجاب وأن زوجته السابقة كانت حاملا ولكنها أجهضت نفسها وصدقناه في ذلك لأنه لم يعش معها فعلا سوى ثلاثة شهور وإحساسي بأن قطار العمر يجري دون إنجاب يقتلني أيضا .. فبماذا تشير علي أن أفعل ؟ هل استسلم وأكف عن الجري وراء أمل الإنجاب وأيأس منه أم هل أبدأ مع زوجي الثاني رحلة العلاج الطويلة المملة المكلفة التي تحتاج إلى صبر أيوب والتي عشتها بكل تفاصيلها مع زوجي الأول طوال تسع سنوات من قبل أم ماذا أفعل يا سيدي ؟

جميع الحقوق محفوظة لمدونة "من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"

abdelwahabmetawe.blogspot.com

ولـــكـــاتـــبــة هـــذه الــــرســــالـــة أقـــــول:

 

هكذا تجري أمور الحياة أحيانا يا سيدتي ! نتلهف على أشياء بعينها ونعقد عليها كل آمالنا في الحياة ونشتد على أنفسنا في طلبها ظنا منا أنه لن تكون لنا حياة إلا بها فلا يزيدها تلهفنا عليها إلا بعدا عنا ! تماما "كمن يحرص على الكسب فيخسر كل شئ" كما يقول الشاعر الإيطالي العظيم دانتي .. ولو كنا قد ترفقنا بأنفسنا ولم نشتط في طلبها بكل هذه اللهفة إليها وقدرنا من البداية احتمال الخسارة قبل احتمال النجاح وعاهدنا أنفسنا على أن نرضى بكل ما تقضي به المقادير علينا سواء حققت لنا رغبتنا في الحياة أو حجبتها عنا .. لو كنا قد فعلنا ذلك لربما "ساعدها" استعدادنا الصادق للرضا بحياتنا في كل الأحوال على الاقتراب منا بدلا من النأي عنا.

وليس معنى ذلك في النهاية ألا يسعى الإنسان وراء مطالبه العادلة من الحياة , وإنما معناه فقط أن يطلبها برفق وألا يغيب عنه دائما وهو في سعيه إليها أن هناك إرادة عليا قد ترى لنا غير ما أردنا لأنفسنا , وليس من حقنا أن نسخط على حياتنا إذا لم تسمح لنا بكل ما تمنياه وإنما نرضى "بالموجود" ونتعلق بالأمل في رحمة الله في أن تقرب إلينا ذات يوم "المفقود" .. أو تعوضنا عنه خيرا في الدنيا والآخرة .

وفي حالتك يا سيدتي فإنه يخيل إلي أن زوجك الأول لم يكن به من بأس سوى عدم قدرته على الانجاب , وأنك حاسبته في ذلك على ما لا حيلة له فيه فساءت علاقتك به وساءت معاملته لك , ومع ذلك فقد ظل متمسكا بك حتى النهاية .. ولم يقبل طلاقك إلا راغما وحين استحال استمرار الحياة بينكما , فكان تلهفك على الانجاب من غيره هو السبب الحقيقي لانفصالك عنه وزواجك ممن لم تريه إلا قبيل الزواج , فشاءت الأقدار أن يكون زوجك الثاني ومن بين كل الرجال نسخة طبق الأصل من حالة زوجك الأول في كل شئ حتى درجة الخصوبة !

نعم يا سيدتي هو سوء الحظ بكل تأكيد .. لكن له دلالته التي لا تخفى على أصحاب القلوب الحكيمة .. فلقد غيرت حياتك لمثل هذا الهدف مرة أخرى .. ومع ذلك فأنت تتلمسين الأسباب من جديد .. وتنعين على زوجك الثاني أنه خدعك عن حالته .. وفي تقديري أنه لم يخدعك بسوء نية وإنما كثيرون مثله يقبلون على الزواج بغير إجراء الفحص الطبي اللازم للتأكد من قدرتهم على الانجاب .

وتجربة زواجه الأول لم تطل بما يسمح له بالشك في خصوبته سواء أحملت زوجته الأولى أو لم تحمل , وأغلب الظن أنه كغيره من الرجال كان يأمل في نفسه أن يكون طبيعيا بغيرحاجة لإختبار , ومن ثم فقد يكون صادقا في تأكيده لك أنه قادر على الانجاب اعتمادا على حسن ظن الإنسان دائما بنفسه وليس عن خداع أو تضليل , وحتى لو كان الأمر كذلك فمسئوليتك عن التجربة أكبر من مسئوليته عن الخداع أن وجد .. فلقد كان من واجبك أنت أن تتحرى ظروف زواجه القصير السابق وأسباب فشله بعد ثلاثة شهور فقط فتتأكدي من صلاحيته لتحقيق هدفك من الزواج منه .. لكنك لم تفعلي .. وتزوجت رجلا لم تعرفيه إلا أياما قبل الزواج .. فإذا كان قد تكشف لك عن زوج غير قادر على الإنجاب فليكفك أنه لم يتكشف لك عن إنسان سيئ أو عشير لا تطاق عشرته , بل عن زوج طيب حرمته الأقدار من شئ لا تقل لهفته عليه عن تطلعك أنت إليه.

 فأرضي بحياتك معه يا سيدتي ولا تبددي العمر في التجارب والعثرات ولا يشغلنك أمر الناس وظنهم بك فالإنجاب أمر يخصك وحدك وليس من شأن أحد غيرك , والقدرة على الإنجاب في النهاية ليست وساما على صدر أحد كما أن الحرمان منه ليس عارا لأحد ..

أما تكرار رحلة العلاج من جديد مع زوحك الثاني فأمره إلى الطبيب إن رأى فيه بصيصا من أمل .. فإذا كان الأمر كذلك فلا بأس بتكرار التجربة لكيلا تقصري في حق نفسك , ولكن مع اختلاف جوهري هو أن توطني نفسك على قبول كل نتائجها بنفس راضية .. فتسليمك بأسوأ النتائج قبل البداية يرفع عنك عبء الاحباط إذا جاءت النتائج مخيبة للآمال ويساعدك على الرضا عن حياتك في كل الأحوال .. ويقربك من نيل كل جوائز الحياة إن شاء الله.

 

نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" يوليو 1994

كتابة النص من مصدره / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات