الأيام الجميلة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1993

الأيام الجميلة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1993

الأيام الجميلة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1993

 

بدأت قصتي منذ سبع سنوات حين تقدمت إلى الفتاة التي أحببتها وحاربت من أجلها وتغلبت على كل الصعاب للارتباط بها , وتم زواجنا وسعدت برفقة أجمل وأعز إنسانة على قلبي وعشنا معا أجمل أيام العمر بعد الزواج .. ثم سافرت إلى إحدى الدول العربية للعمل فيها , وبعد فترة لحقت بي زوجتي وكانت مازالت طالبة جامعية , فواصلنا أيامنا الجميلة معا وأصبحت تعود إلى مصر كل بضعة شهور لدخول الامتحان حتى أنهت دراستها وحصلت على شهادتها الجامعية .. وخلال السنوات الأولى من الزواج حرصنا على ألا تحمل زوجتي حتى لا يعوقها الحمل من استكمال الدراسة .. وبعد سنوات من زواجنا تلقينا معا هبة السماء لنا .. طفلة جميلة توثقت بها روابطنا , ثم اعترضت حياتنا الهانئة محنة حرب الخليج القاسية واضطررنا لمغادرة البلد الذي نقيم فيه .. وعانت زوجتي معاناة شديدة في رحلة العودة المحفوفة بالخطر إلى أن رجعنا لبلادنا في النهاية , ولم يكن لدي شقة في مصر وقتها فعشنا مع والدتها .. والتحقت بعمل مؤقت لأستطيع أن أوفر لأسرتي الصغيرة مطالب الحياة الضرورية ووقفت زوجتي إلى جواري في هذه المحنة .. وتحملت مشاق الحياة وقلة الدخل بصبر وبلا شكوى إلى أن تغيرت الظروف وعدت إلى البلد الذي كنت أعمل فيه ذاكرا لزوجتي وقوفها إلى جانبي في أول محنة حقيقية تعترض حياتنا.

وحاولت بعد عودتي أن أعوضها عما تحملته من عناء خلال تلك الشهور القاسية , فكنت أعود إلى مصر كل فترة لنخرج معا .. ونستمتع بصحبتنا وأعطتني زوجتي خلال هذه الفترة أجمل الأحاسيس والمشاعر.

وحين أرجع إلى عملي أتصل بها دائما لأطمئن على أحوالها .. وفي أحد هذه الإتصالات أحسست ذات مرة بتغير طارئ في نبرة صوتها وبشئ من الفتور في لهجتها .. فسألتها عما بها فلم تفدني بشئ وألححت عليها في السؤال ففوجئت بها تصمت قليلا ثم تقول لي : طلقني !

وذهلت حين سمعت هذه الكلمة الغريبة التي تعاهدنا منذ أول أيام زواجنا على ألا ننطق بها وألا ترد على لسان أحدنا أبدا .. وسألتها ذاهلا عن أسباب طلبها الطلاق فلم أحظ منها بشئ وطلبت منها أن تعاود التفكير في الأمر , وأن تؤجل القرار إلى أن أعود إليها وأناقشها , فليس معقولا أن نهدم العش الذي يجمع بيننا وتنمو فيه زهرتنا الصغيرة بهذه السهولة بعد أن تغلبنا على كل الصعاب لكي نبنيه .. وعدت إليها بعد فترة قصيرة .. وتدخل الأهل بيننا .. ونصحوها كثيرا خاصة أهلها ولكن دون جدوى , ورجعت لمقر عملي حزينا تاركا لها فرصة أخرى للتفكير , وبعد شهرين اتصلت بها وتفاهمنا وعاد الوئام بيننا وعدت إليها طائرا على جناج الشوق والحب وأمضينا معا فترة كانت من أسعد أيامنا ثم رجعت  لمقر عملي , وفي نفس الشهر تعاقدت على العمل في دولة أخرى مجاورة بشروط أفضل ومميزات أكبر وسافرت إليها سعيدا بما أتاحه لي الله من نعمة جديدة , وأعددت العش الجديد الذي سيجمع بيننا مرة أخرى واتصلت بزوجتي وطلبت منها أن تحضر إلى بيتها ومملكتها الصغير ففوجئت بها ترفض الحضور .. وتطلب الطلاق !

ودار بيننا نقاش طويل وأخطأ فيه كل منا ولعل خطئي كان أكبر وطال جدالنا عدة أشهر وأنا أطلب منها ألا تفرط في عشرة العمر وفي رحلتنا في الحياة التي عشناها معا ونعمنا بحلوها .. وتحملنا مرارتها .. وطلبت منها أن تعطي نفسها فرصة أخرى للتفكير , وأنا أطلب منك يا سيدي أن تكتب لها كلمة تطالبها فيها أن ترجع إلى رشدها وتستمع لصوت ضميرها وتعود إلى بيتها وزوجها الذي يتمسك بها ومازال يحمل لها كل الحب وكل المودة , ويضحي من أجلها ومن أجل إسعادها , فالوقت مازال أمامنا وحياتنا بين أيدينا ومازال في وسعنا أن تتشابك أيدينا لنصل معا إلى بر الأمان .. فهل تفعل ذلك للمحافظة على أسرة صغيرة .. تأمل في أن يبقى الحب وتزول الغمة ؟

 

ولكــاتــب هـــذه الرسالة أقـــول :

 

بكل تأكيد يا صديقي .. وإن كنت لم تشرح لي أسباب طلبها للطلاق في المرتين ومعرفة الأسباب ضرورية للحكم الصائب على الأمور , ومع ذلك فدعني أقل لك إن عالم النفس الأمريكي وليم جيمس يرى أن الإنسان قد لا يكتمل نفسيا إلا إذا كان قد فكر مرة واحدة على الأقل خلال رحلة حياته .. في الانتحار !

لكن التفكير شئ قد تدفع الإنسان إليه ضغوط الحياة القاسية وضعفه أمامها والإقدام على الفعل شئ آخر تماما .. إذ لا يقدم على الانتحار من تبقت لديه بقية من الإيمان والثقة بالنفس , وكذلك شأن الطلاق في تقديري في معظم الأحيان .. إذ قد لا تخلو رحلة الحياة سعيدة كانت أو شقية من التفكير مرة واحدة على الأقل من الانفصال , لكن لا يقدم عليه من تبقت لديه بقية من حب لشريك العمر أو أمل في تغير الأحوال إلى الأفضل بعد العثرات أو إحساس بالواجب الإنساني والأخلاقي تجاه أبنائه.

لهذا فإن كلمتي لزوجتك هي أنه إذا كانت أسبابها لطلب الطلاق تتعلق بتغير المشاعر وانهزام الحب هزيمة لا أمل له في النهوض من كبوتها , ويئست تماما من إحيائه أو احتمال الحياة مع شريكها بعد مراجعة النفس والتدبر طويلا فيما يعنيه الانفصال من جناية على طفلتها الجميلة وبطر نعمة الزوج المحب المخلص الراغب في استمرار الحياة معها , فليس لدي ما أرجوها فيه .. "وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته" .. كما جاء في التنزيل الحكيم , وليعوضك الله خيرا منها .. ويحمي طفلتك البريئة من عوادي الحياة بعد الانفصال.

أما إذا كانت أسبابها للطلاق , مما يتعلق بالأمور الحياتية كالخلاف حول الشئون المالية أو رفضها اللحاق بك في مقر عملك .. أو اعتراضها على بعض تصرفاتك , أو رغبتها في السيطرة واملاء رغباتها عليك , فإني أدعوها لمراجعة نفسها في كل ذلك وإلى اللحاق بك وجمع شمل أسرتها وطفلتها معك , وإلى إدراك حقائق الحياة الأساسية .. ومن أهمها أنه لا شئ في الحياة يعدل سعادة الإنسان مع من يسكن إليه ويختاره من بين كل البشر ليشاركه رحلة الحياة , فكل الشئون يمكن التفاهم حولها إذا تجاوز الإنسان عن الصغائر والعناد والأنانية , وإذا امتلك القدرة على التفريق بين ما يستحق العناد من أجله وما لا يضيره كثيرا أن يتنازل عنه , وإذا كان من أصحاب القلوب الحكيمة التي تأبى لأصحابها أن يطلبوا ما يتصورون أن سعادتهم الشخصية على حساب معاناة أعزائهم .. فإذا كان الأمر كذلك فلتواجه زوجتك نفسها وتراجع حصاد تجربتها معك , لترى هل تستحق "أسبابها" أن تحرم نفسها من قلب محب يتمسك بها لشخصها قبل كل شئ وليس فقط حرصا على صالح طفلته كما أحس من رسالة زوجك.

وهل تستحق هذه الأسباب وهي في النهاية من عوارض الحياة التي لا ثبات لها , ويمكن أن تتغير أو تفقد قيمتها بعد قليل , أن تحرم طفلتها الجميلة من حقها العادل في السعادة والاستقرار بين أبويها , بل وهل تستحق هذه الأسباب مهما علت أن تحرم نفسها من "رائحة الجنة" التي حرمها ربها على من تطلب الطلاق من زوجها "من غير ما بأس" أي من غير سبب جدي يبرر هدم أسرة وتمزيق طفلة بين أبويها ؟!

إن كل الأديان تأمر الزوجة بأن تلحق بزوجها حيث يقيم ويعمل إذا رغب في ذلك وتوافرت لها سبل الإقامة الكريمة معه .. ولقد قلت ذات مرة أن السعادة تاج فوق رؤوس السعداء لا يراه إلا التعساء .. والكارثة أننا قد لا نراه أحيانا إلا بعد أن نلقي به بأيدينا على الأرض فيلتقطه غيرنا ويمضي به بعيدا .. ونعرف نحن بعد فوات الأوان كم كنا أغبياء حين تخلينا عنه لأتفه الأسباب .. وكم من الجهد والعمر قد نحتاج إليهما لكي نستعيده مرة أخرى .. وقد ننجح في ذلك .. وقد نفشل ونمضي ما بقي لنا من عمر نتحسر فيه على الأيام الجميلة والسعادة الحقيقية التي كانت بين أيدينا وأضعناها بغبائنا وعنادنا وقصور رؤيتنا.

إنني أتمنى ألا يكون هذا هو مصير زوجتك .. وأن تتجاوز هذه الفترة العصيبة بسلام وهي بالمناسبة في رأي بعض علماء النفس محنة تمر بها كثير من الزيجات على رأس السنوات السبع الأولى من عمرها .. نتيجة لتغيرات نفسية وفسيولوجية وفي الأفكار التي تصل بكثيرين إلى حافة الطلاق من الأزواج والزوجات في هذه المرحلة , وينجو من المحنة من أتاهم ربهم الحكمة والبصيرة .. ويغرق فيها من يفتقدهما ويعجز عن أن يتطلع إلى المستقبل بقلب حكيم .. مع تمنياتي لك ولزوجتك ولطفلتكما بالنجاة والسعادة والأمان بإذن الله.

نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" يوليو 1993

كتابة النص من مصدره / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات