بيوت الرمال .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992

 

بيوت الرمال .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992


بيوت الرمال .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992 

ترددت كثيرا في أن أكتب إليك لأني في الحقيقة لا أعاني من مشاكل مأساوية كالتي يعاني منها قراؤك وإنما فقط أريد أن أحكي لك حكايتي فلربما تجد فيها بعض قارئاتك شيئا مفيدا .. فأنا فتاة في الخامسة والعشرين من عمري توفي أبي وأمي وأنا صغيرة جدا فلم أتذكر شيئا عنهما , ونشأت في رعاية شقيقي الوحيد الذي يكبرني بستة عشر عاما فوجدت فيه الأب والأم والشقيق  .. وحين بلغ سن الواحدة والعشرين تسلم ميراثنا عن أبوينا وبدأ يتصرف فيه كمسئول .. ولم يقصر شقيقي في حقي فقد ألحقني بأرقى المدارس , ووصلت إلى مرحلة الجامعة فالتحقت بإحدى الكليات وفي الجامعة التقيت بشاب بهرني من النظرة الأولى بوسامته ورجولته , فأحببته بل وتدلهت في حبه , ولم يضيع حبيبي وقتا فتقدم لخطبتي وفوجئت بشقيقي يرفضه بعنف مؤكدا لي أنه انتهازي وطامع في مالي فأكدت له أنه ليس كذلك وطالبته بأن يوافق عليه فازداد إصرارا فوجدت نفسي أثور على شقيقي الكبير للمرة الأولى في حياتي بل واتهمه باتهامات باطلة وأوجه إليه ألفاظا لم أتخيل يوما أن تصدر عني بحقه .. وبهت شقيقي ووقف ذاهلا للحظة، ثم نكس رأسه وهو يعض على شفتيه من الألم ثم قال لي والحزن الصادق في وجهه أنه ما دام الأمر قد وصل إلى هذا الحد فإنه يوافق ولكن علي أن أتحمل أنا مسئولية تصرفي .. وفرحت بموافقته فرحة طاغية واعتذرت له بعد ذلك عما بدر مني في حقه فلم يفارقه الحزن حتى وهو يؤكد أنه غير غاضب مني ونهض شقيقي بجهازي على أحسن مستوى وجهز لي شقة فاخرة حافلة بكل الكماليات ولم يسهم حبيبي في الشقة أو في الجهاز بقرش واحد .. وتم الزفاف وانتقلت إلى عش الأحلام وبدأت حياتي الزوجية وأنا أطير فوق السحاب .. وبعد أسبوع واحد طلب مني زوجي أن أطالب شقيقي بأن يسلمني ميراثي فترددت في الاستجابة له وسكت , وبعد يومين آخرين عاد زوجي إلى البيت وهو في قمة الغضب وأخبرني أن شقيقي "لص" وقد سرق ميراثي فقد ذهب إليه يطالبه بنصيبي من الميراث فأجابه شقيقي إنه قد أنفق كل ما كنت أستحقه من ميراث على الشقة وتكاليف الزواج وأني بذلك قد أصبحت لا أملك شيئا على الإطلاق , ولست أنكر أنني غضبت لذلك لكني لم أستجب أبد لتحريض زوجي لي على أن أقيم دعوى قضائية على أخي لأطالبه فيها بميراثي , فلقد استعدت وجهه الحزين يوم ثرت عليه لرفضه زواجي .. وأحسست بغصة في قلبي تجاهه .. فرفضت بإصرار كل محاولات استعدائي عليه .. ثم بدأت المشاكل تتوالى بعد ذلك فبعد أسبوعين فقط أحضر زوجي شقيقه الطالب في الجامعة لكي يقيم معنا في عش الزوجية بحجة توفير المصاريف ووجودت نفسي بعد شهر واحد من زواجي أعيش مع زوجي وشقيقه في شقة واحدة وبعد قليل بدأ شقيق زوجي يدعو أصدقاءه وزملاءه ويطلب مني الشاي والطعام ثم الشاي والطعام كأنه في مطعم عام وليس في شقة عروس جديدة .. واعترضت على ذلك ورفضت فإذا بزوجي الذي كدت أفقد شقيقي الوحيد من أجله ينهال علي بالضرب ويقول لي بغيظ شديد .. ألا يكفي أنني شربت بك أكبر مقلب في حياتي لكي تعترضي أيضا على أهلي ! ولم أحتمل ما حدث , فغادرت شقتي ولم أجد من أذهب إليه سوى شقيقي .. وذهبت إليه باكية منهارة فلم ينطق بكلمة وإنما ضمني إليه بحنان وطلب مني أن أستريح وأدع الأمر له.

 وبعد أيام جاء زوجي للصلح ففوجئ بسماع كلمة واحدة هي : الطلاق ! فبهت وحاول المناقشة فلم يجد أي استعداد للمناقشة فأعلن أنه لن يطلقني إلا إذا تنازلت له عن كل حقوقي المادية وعن الشقة أيضا وثار شقيقي ثورة هائلة وأقسم أن يحصل لي على كل حقوقي , ولا أعرف ماذا فعل ولا كيف تم ذلك لكن شقيقي تمكن من الحصول على الطلاق والحصول أيضا على حكم بالنفقة ومؤخر الصداق وتعثر مطلقي طبعا في السداد فلم يتنازل عن القضايا إلا بعد أن أعترف بخطئه في حقنا وتنازلنا عنها لأننا لم نكن نريد إلا الطلاق وإنهاء هذه الصفحة من حياتي.

والآن يا سيدي أعيش في بيتنا كما كنت قبل هذه المحنة .. وقد أصبحت مطلقة في الخامسة والعشرين من عمري , وبعد زواج لم يدم سوى ثلاثة أشهر فقط .. ورغم المرارة فإني أحمد الله على أني لم أرزق بأطفال يدفعون معي ثمن تسرعي واندفاعي , كما أحمد الله على أن هيأ لي شقيقي الذي تولاني منذ كنت طفلة صغيرة ويطلب لي الخير والأمان .. فلقد فوجئت به بعد أن تم الطلاق يؤكد لي أن ميراثي عن أبوي كما هو لم تمسسه يد جزاه الله عني كل خير , وكمحاولة للخروج من الإحساس بالمرارة للفشل وانهيار الأحلام خرجت للعمل نصف الوقت في إحدى الشركات , وأردت أن أكتب لك رسالتي هذه لتنصح كل فتاة بألا تتسرع في الزواج بغير تفكير وبألا تنساق وراء العاطفة وحدها فتخسر أهلها وهم ملاذها الأول والأخير ولأنها إن فعلت ذلك فقد خسرت كل شئ .. وكذلك بألا تتزوج إلا ممن يكافئها في كل شئ ويكون صادق الرغبة في شخصها .. وليس في أي شئ آخر . وشكرا . 

جميع الحقوق محفوظة لمدونة "من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"

abdelwahabmetawe.blogspot.com 


ولـكـــاتــبة هــذه الــرســالــة أقـــول:

 

بيوت الرمال تذروها الرياح عند أول عاصفة ! وبيتك مع فتاك يا سيدتي كان بيتا من هذا النوع .. فقد بني من الرمال وأقيم فوق أضعف أساس فلا عجب أن تطايرت ذراته في الهواء .. فلقد أقيم زواجك على أساس خادع من جانب كلا الطرفين وليس من جانب طرف واحد كما تتصورين.

فأما من جانبه فلقد انبهر بك وبثرائك وأقدم على الزواج منك بغير الحب والرغبة الصادقة في السكن إلى شريكة تقاسمه حلو الحياة ومرها .. وحين تكشفت التجربة عن خيبة أمل مادية له سقط القناع عن خدعة الحب وتبدت الحقيقة كالحة , وأما من جانبك فلقد توهمت أنت أيضا أنك تحبينه وأقدمت على الزواج منه بغير روية أو يقين من عمق مشاعرك تجاهه وقدرتها على مواجهة التحديات وهي كثيرة في مثل قصتك .. فما أن اصطدمت بالواقع حتى تبخر الحب الموهوم ولذت بالفرار ولو كان حبك له حقيقيا لما تبدد بعد ثلاثة شهور فقط من الزواج حتى ولو تكشفت لك حقيقة زوجك الشائهة ! وهكذا خدع هو نفسه بحلم الحياة المريحة عبر طريقك وخدعك بإدعاء الحب , وخدعت أنت نفسك بوهم الحب الأهوج وخدعته بالإقدام على الارتباط به دون تعرف على حقيقة مشاعرك وصدق قدرتك على مشاركته الحياة بكل عنائها !

فإن كان ثمة خير قد أراده الله لك في هذه القصة كلها , فهو في أنك لم تنجبي منه طفلا يشقى بخداع كل منكما لنفسه أو للآخر , وفي أنك قد عرفت بالتجربة صدق حرص شقيقك على سعادتك ومصلحتك وإن كان قد تسرع هو أيضا في الاستسلام لرغبتك حين مسست فيه وترا حساسا بدا معه كما لو كان يعارض في زواجك طلبا لمصلحة مادية وليس حرصا على أن يجنبك الشقاء .. فاستفيدي من تجربتك هذه يا سيدتي .. والتزمي بما تطالبين به غيرك من الفتيات فإنما دروس الحياة من جروح الألم وشكرا لك.

نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" ديسمبر 1992

كتابة النص من مصدره / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي 


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات