العكاز .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992

 

العكاز .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992

                           العكاز .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992


أنا أم لخمسة أبناء توفي أبوهم منذ 5 سنوات , ولقد ربيتهم جميعا تربية حسنة شريفة وأبعدتهم عن كل ما يغضب الله فأثمرت تربيتي في أربعة منهم وكانوا ومازالوا في منتهى الكرم والود والحنان معي .. أما ابني الأوسط فقد بدأت مشكلتي معه بعد وفاة زوجي .. فلقد تغير فجأة من ناحيتي مع أنه لم يطلب مني شيئا إلا وحصل عليه وحين طلب أن يتزوج , زوجته وليتني لم أفعل , فلقد تسببت زوجته في القطيعة بيني وبينه "سامح الله الجميع" وحين طلب أن يسافر للخارج سافر ولم يوفق , وفي المرة الوحيدة التي أكرمه الله فيها ببعض المال أنفقه كله ولم يتذكرني بفتات منه , وأنا لا أريد منه شيئا سوى أن يتقي الله في حتى لا أموت وأنا غاضبة عليه .

إذ هل تتصور يا سيدي أن ابني هذا الذي كنت أتوقع منه أن يعينني على أمري ويصبح العكاز الذي استند عليه في كبرى , لم يدخل بيتي مرة واحدة منذ ثلاث سنوات , وهل تصدق أنه حين يقابلني في الشارع فإنه لا يلقي علي السلام "مجرد السلام" .. فأعود إلى بيتي وأنا لا أرى الطريق من الدموع.

إنني لا أريد منه شيئا إلا إلقاء السلام حين يراني , فهل هذا كثير يا سيدي ؟

إنني أرجوك أن تبعث إليه برسالة تستعطفه وتناشده فيها أن يتقي الله فيَ وفي نفسه قبل فوات الأوان , وأتوقع منك ومن بابك الذي حل الكثير من المشاكل المعقدة كل خير بإذن الله.

جميع الحقوق محفوظة لمدونة "من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"

abdelwahabmetawe.blogspot.com

 

ولــكـــاتــبه هــذه الــرسـالة أقـــول:

 

لا يا سيدتي لن أناشده ولن أستعطفه لكي يؤدي حقوق ربه عليه تجاه أمه , فالحق أن الابن الذي يلتقي بأمه في الطريق فيحجم حتى عن إلقاء السلام عليها وهو حق الطريق على الغرباء الذين لا تربط بينهم أية صلة , لا يستحق مناشدتي له ولا كلماتي , كما أنه لا يستحق بكل تأكيد أسفك عليه ولا دموعك من أجله , وهو فضلا عن كل ذلك ليس بالعكاز الذي تتطلعين إليه لأن العود المائل لا يصلح للاستناد عليه , فدعيه لنفسه وشياطينه التي يسلم لها قيادته ولعقاب ربه له في الدنيا وفي الآخرة إلى أن يفيق من غيه ويطلب النجاة من هذا المصير .. ولك من أبنائك الأربعة ما يعوضك عن افتقاد هذا "الخائن" ولا تأسي عليه إلى أن يرتدع ويعود لنفسه ويثبت جدارته بأمومتك له .. وبجنسه كإنسان وأرجو المعذرة إذا كنت قد خيبت رجاءك , فالحق أن استعطاف مثل هذا الابن على أمه يعد في نظري جريمة لا تقل شأنا عن جنايته هو عليها وعلى كل القيم الدينية والأخلاقية.

نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة"سبتمبر 1992

كتابة النص من مصدره / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات