الضحية المجهولة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992

 


الضحية المجهولة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992

 

أحرص على متابعة بريد الجمعة منذ سنوات طويلة .. وأرقب فيه الحياة وما يجري فيها .. وقد لاحظت أن بعض قصص بعض الفتيات قد تتكرر دائما حكاية الخطيب الأول الذي قبلت الفتاة خطبته وهي تنتظر غيره أو لأن فتاها لم يتقدم لها في الوقت المناسب أو لأنه لم يستعد بعد أو لأنها تريد أن تخطب مثل زميلاتها وهي تنوي فسخ الخطبة بعد قليل إلخ .. وفي كل هذه القصص تتحدث الفتيات عن أنفسهن بغير التوقف طويلا أمام هذا الخطيب الذي سارعت بمنتهى السهولة بفسخ خطبته حين لاحت لها فرصة الارتباط بفتاها المنتظر, فيموت شهيدا ويدفن دون أن يرثى له أحد من دخل البيوت من أبوابها طالبا الحلال وحاملا بين يديه أخلاقه ودينه وأحلامه المشروعه بالسعادة .. فيجد نفسه فجأة ضحية لخديعة عاطفية .. ولا يشعر أحد بمدى الحرج الذي يحسه والطعنة التي يتلقاها.

وأنا طبيب ناجح ولدي شقة وسيارة وعمرى 32 سنة .. منذ سنوات تقدمت إلى فتاة بنت حسب ونسب وعلم وسمعة ومال .. وتمت قراءة الفاتحة لكنها بعد ذلك ظلت يوما تقول نعم ويوما تقول لا  .. تتلوى كالحية وتتلون كالحرباء حتى مضى عام على قراءة الفاتحة دون أن ترتدي الدبلة بدعوى دراسة الطباع والتعود وخلق الارتياح النفسي إلى آخر هذه الألفاظ التي زرعتها الكتب ووسائل الاعلام في بناتنا وظل الحال هكذا لمدة عام حتى انتهى "الحبيب المزعوم " من استعداداته وأصبح جاهزا للتقدم لها فقامت فتاتي بتمثيلية صغيرة ادعت فيها أنها تختنق كلما رأتني .. وتم فسخ الخطبة التي لم تتم وكان ذلك هو بداية القصة بالنسبة للحبيب اياه وتزوجته بالرفاء والبنين وأحسست أنا بالقهر والخجل والظلم إذ لماذا قبلت الارتباط بي وهي تنتظر غيري ولماذا ظلت تراوغني عاما كاملا وقد كانت تستطيع بكلمة واحدة ان تنهي ما بيني وبينها .. لكن هل يضيع حق عند ربك ؟ أبدا والله يا سيدي فلقد حرمها الله من نعمة الأمومة وفقدت جنينها بعد شهور قليلة ولم يحل عليها الحول إلا وكانت مطلقة .. فيا من تدعوكم قدراتكم إلى ظلم البشر تذكروا قدرة الله علكيم وحسبنا الله ونعم الوكيل وشكرا لك .

 

ولــكــاتــب هــذه الــرســالة أقــول :

 

هناك فارق كبير بين أن تقبل فتاة خطبة شاب وهى تأمل صادقة في أن تتوافق معه وتدرس طباعه وتقترب منه عسى أن تتولد شرارة الحب بينهما وتتزوجه وبين أن تقبل فتاة خطبة شاب وهي تبييت في نفسها أنها لن ترتبط به ولن تجمع بينها وبينه حياة , وإنما قبلت به لهدف "تكتيكي" غير مشروع هو حث آخر على أن يحسم تردده ويتقدم لها أو كسب الوقت ارضاء لأسرتها وخداعا لها إلى أن يتمكن فتى القلب من التقدم لها.

ولا لوم على الفتاة فى الحالة الأولى إن هي فسخت خطبتها بعد أن تأكدت من نفورها من خطيبها وعدم توافق طباعهما, لأن الخطبة فى النهاية ليست سوى مشروع للارتباط قد يفشل وقد ينجح, وفشله في مرحلة الخطبة أكرم وأقل ضررا وضحايا من فشله بعد الزواج والانجاب .

أما فى الحالة الثانية فإن تصرفها فيها يصبح بالفعل جريمة لا أخلاقية كاملة الأركان تظلم الفتاة فيها ضحية لا ذنب لها في حساباتها الخاصة ولا في خططها ودوافعها الشخصية لهذا الخداع الآثم والظالم أبشع القبائح وجريمة لا يتسامح الخالق سبحانه وتعالى مع مرتكبها فيؤتيه عقابه كاملا بعد حين .. وقديما سأل السلطان العثماني محمود واعظا أن ينصحه بإيجاز فأجابه : افعل برعيتك ما تحب أن يفعل الله بك .. ونفس المبدأ ينطبق على الجميع.

 وفي كل الأحوال إذ لو فعل كل إنسان مع الآخرين ما يحب أن يصنعوا هم معه .. لما خدع أحد أحدا ولما تحايل أحد على نيل وطره على حساب سعادة الآخرين ومشاعرهم وكرامتهم وشكرا.

نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" يناير 1992

كتابة النص من مصدره / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات