البكاء .. رسالة من بريد الجمعة عام 1991

 

البكاء .. رسالة من بريد الجمعة عام 1991

                                   البكاء .. رسالة من بريد الجمعة عام 1991

لا أدري كيف أبدأ رسالتي .. فالحق أنها قصة حزن عمرها 4 شهور فقط، ومع ذلك فقد مضت علينا كأنها 4 سنوات طويلة.

 لقد تزوجت أختي دون موافقة أبي وتركت البيت فجأة ودون سابق إنذار وبلا وداع لأبيها لأنه سبق أن رفض هذا العريس الذى اختارته .. وحين وقعت الكارثة اخفينا الخبر في البداية عن أبي لمدة يومين ثم كان لابد أن يعرف فعرف وتقبل الصدمة بصبر واحتمال كأنها لم تؤثر فيه .. ثم لم تمض أيام حتى استيقظنا من نومنا على بكائه وعويله الذي يبعث في نفوسنا الحزن البغيض, ومنذ تلك الليلة وهو يبكي كل يوم ثم يقول حين نعاتبه ونطلب منه أن يهتم بصحته أنه لن يفكر فيها مرة أخرى وبعدها يروح ويجئ في الصالة كالمجنون ثم يفقد توازنه فجأة ويسقط على الأرض ونحاول التخفيف عنه ونستحلفه أن ينساها كما نسيتنا وألا يفكر فيها مرة أخرى فيجيبنا بأنه يحاول لكنه لا يستطيع.

وهكذا كل يوم منذ 4 شهور ونحن نرى أبانا يموت ببطء أمامنا ونرى أسرتنا مهددة بالخراب فنحن 4 أخوة عدا من هجرتنا .. ولي أخت بالثانوية العامة تحتاج إلى التركيز والهدوء وأخت بالدبلوم الفني وأخ بالسنة الأولى الاعدادية .. ونحن جميعا في حاجة إلى نفقات وأبي عائلنا الوحيد يضيع من بين ايدينا ويتهددنا شبح التشرد والضياع إذا قتله الهم والحزن .. فكيف تفعل شقيقتنا ذلك بأبيها وبنا ؟ وهل تكتب لها كلمة لتنقذ أباها وتنقذنا معه من هذا الحزن المقيم؟

 

ولــكــاتــب هــذه الـرسـالـة أقول:

 

نعم سأكتب لها ولكن لا لتنقذ أباها وتنقذكم معه وإنما لتنقذ نفسها هي أولا من الجريمة التي ترتكبها الآن بعقوق أبيها .. وهو إثم جعله رسولنا الكريم صل الله عليه وسلم من أكبر الكبائر وجعل مرتبته بعد الشرك بالله .. وأنذر ثلاثة أحدهم العاق بوالديه بأنهم لا يدخلون الجنة .. فإن أرادت لنفسها مصيرا غير هذا فلتعد لأبيها وتسترضيه وتطلب عفوه ومباركته لزواجها الذي أصبح أمرا واقعيا, بعد أن أجرمت فى حق نفسها قبل أن تجرم في حق أبيها حين هجرت بيتها لتتزوج على غير إرادة أبيها قبل أن تستنفذ كل الوسائل لاقناعه به .. وقبل أن تستعين عليه بالعقلاء من أسرته ليقبل بمن ارادته , وليس هناك كما قلت مرارا أب رشيد يتأكد في قرارة نفسه من صدق رغبة ابنته في إنسان ما ومن أنها لن تتنازل عنه مهما طال الزمن , ثم يتمسك برفضه له إلى ما لا نهاية، إذ لابد له أن يسلم بالضرورة برغبة ابنته ولو لم يكن راضيا عن اختيارها .. فكهذا يفعل الآباء الحكماء مع بناتهم .. وهكذا تفعل الفتيات الراشدات أيضا مع آبائهن إذا تعارضت رغباتهن مع رغبات الأبوين .. أن يتمسكن بمن يردن بغير خروج على طاعة الأب ويصبرن على محاولة نيل رضا الأبوين إلى أن يلينا ويباركا زواجها .. أما المغامرة وهجر بيت الأسرة وقطيعة الأب والاخوة وعدم السعي لاسترضاء الأب الذى خرجت على طاعته بل وتحمل ثورته وسخطه إلى أن يشفى ويستكين .

فهذا شأن من لا تعرف حق أبويها وأسرتها عليها .. وشأن من لن تعرف السعادة الحقيقية في حياتها مهما امتلأت حياتها بالمباهج المؤقتة والزائفة .. فالسعادة الحقيقية لا تبنى أبدا على شقاء الأبوين والأسرة وضياعها .. ولا على شقاء أي ضحية بريئة، فلتختر لنفسها ما تشاء .. فهي الفائزة إذا اختارت الطريق القويم وعادت لأبيها .. وهي الغارمة وحدها إذا استعصت على الهدى وواصلت "غربتها" المضاعفة عن أهلها .. وما أعجب الإنسان حين يفتقد أحيانا ما تهدي الغريزة البحتة إليه .. فبعض الطيور والأسماك تعبر الأجواء والبحار فى رحلة بطولية خرافية لكي تعود بحاستها وحدها إلى أوطانها الأولى في حين يقدر الإنسان أحيانا على أن يهجر وطنه الصغير أي أسرته بلا عودة ثم لا تدفعه غريزته ولا مشاعره ولا ضميره لالتماس طريق العودة إليه .. نادما ! نعم ما أعجب الإنسان أحيانا .. وما أقدره على إيذاء مشاعر أقرب الناس إليه.

نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" ديسمبر 1991

كتابة النص من مصدره / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات