كل شئ .. رسالة من بريد الجمعة عام 1990

 

كل شئ .. رسالة من بريد الجمعة عام 1990


كل شئ .. رسالة من بريد الجمعة عام 1990


لا أطلب منك عملا .. ولا مساعدة .. وإنما أطلب فقط النصح والارشاد لشباب هذا الجيل الذي يطلب كل شئ ولا يفكر أبدا فى شئ .

فمشكلتى يا سيدي أن لي ثلاثة أبناء بنتين وولدا آليت على نفسي أن أربيهم أفضل التربية وأن أعلمهم أحسن التعليم رغم امكانيات راتبي المحدود , فتخرجت الأولى مهندسة نسيج وتزوجت وسافرت مع زوجها والحمد لله .. وتخرجت الثانية فى كلية الآداب وعينت بعد شهور ونحن الآن بصدد زفافها .. وتخرج الثالث في كلية الهندسة وعمل على الفور مهندسا بالبترول واستراحت نفسي وشكرت الله كثيرا .

لكن ولدي لوحيد لم يرد لنا هذه الراحة فهو يحضر إلينا لمدة وجيزة كل 15 يوما فيثير الزوابع والأعاصير ويتكلم دائما مع والدته ويحرص على أن يسمعني أنه يريد شقة  ويريد مبلغا لخلو الرجل ويريد أن يتزوج ويريد كل شئ ومن أول سنة يعمل فيها .. فلما ناقشته مرة واحدة طالبا منه الصبر رد علي ردا آلمني وقال لي :"وهل النقود التي كنت ترسلها لي لأتعلم في الكلية كانت نقودا بحق وحقيقي "! مع إنني يا سيدي كنت اقتطعها من قوتي لأعلمه دون عرفان او شكر .. وكأني لم أفعل شيئا .. لقد قاطعته ذلك اليوم واليوم الذي يليه وسافر من بلدتنا غاضبا .. فهل هذه هي نتيجة حرماني فى سبيل تعليمهم؟

إنني لست ميسورا وانما اعيش على معاشي وأعاني من مرض السكر واعالج عيني من آثاره.

فأرجو أن تكتب كلمة لهذا الشاب ولأمثاله من شباب اليوم ألا يؤلموا آباءهم وألا يشعروهم بالعجز أمام مطالبهم بعد أن أدوا واجبهم في تعليمهم.

 

ولــكــاتــب هــذه الـرســالـة أقــول:

 

وحتى لو لم يؤدوا واجبهم في تعليمهم .. ليس من حق الأبناء أن يؤلموا الآباء أو أن يشعروهم بالعجز أو أن يتعدوا حدود الأدب في مخاطبتهم .. فما بالك وأنت قد أديت واجبك على خير ما يرام ونهضت بمسئولياتك كاملة ووفرت لأبنائك من فرص التعليم والتربية والرعاية ما يثقل أعناقهم بفضلك عليهم إلى يوم الدين ؟

 يا سيدي لا تتألم ولا تبتئس .. ولا تكلف نفسك ما لا طاقة لها به فلقد علمته وهيأته لأن يجد فرصة عمل مميزة فور تخرجه في حين يلهث زملاؤه بالسنوات بحثا عن فرصة عمل عادية .. فليتذرع هو بالصبر قليلا إلى أن يبني حياته من عائد عمله وعبر سنوات وليس شهورا مادمت غير قادر على مساعدته في هذا البناء .. ولا لوم عليك فى ذلك ولا تثريب .. بل اللوم كل اللوم على ابنك المتعجل فاقد الصبر وعلى نفسه جنى بإغضابك .. فلن يسعد في حياته أبدا إذا عاقك أو آلمك أو طالبك بما لا تستطيعه .. وليتفضل هو لكي يعلي البنيان الذي وضعت أنت أساسه المتين بحرمانك وبمعاناتك .. فأمثاله من الرجال لا يرهقون آباءهم المعسرين بل يعينونهم أيضا على أعباء الحياة .. ويخففون عنهم بعض قسوتها في سنوات الراحة بعد العناء .. فإذا كنت لست في حاجة إلى عونه .. فلا أقل من أن يعفيك من هذا الإحساس المؤلم ومن أن يتعلم أنه لم يعد من حقه الآن أن يحصل على كل شئ بغير أن يفكر في أي شئ .. فلقد انقضى عهده بذلك منذ أن انتهت مسئوليتك عن تعليمه .

ومنذ أن بدأ حياته العملية .. فليستح اذن من شبابه ورجولته ان عز عليه أن يستحى من أبوتك وشيخوختك وشكرا.

نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" مارس 1990

كتابة النص من مصدره / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات