دورة الزمن .. رسالة من بريد الجمعة عام 2001
هي سيدة فاضلة في الثمانينيات من عمرها، وهي الأم
المثالية والجدة المثالية لحسن تربيتها لأولادها وأحفادها، وتفانيها في خدمتهم
بكل ما تملك من وقت وجهد ومال، وقد أصيبت بجلطة في المخ مما استدعى وجودها بأحد
المستشفيات منذ فترة غير قصيرة, تارة في حجرة عادية من حجرات المرضى, وتارة
أخرى في حجرة العناية المركزة طبقا لتعليمات أطباء المستشفى.
وبالرغم من أن المستشفى خاص، بل من المستشفيات الشهيرة ذات التكلفة المرتفعة,
فإنه من الضروري وجود مرافق معها في حجرتها في غير فترات العناية المركزة.. ولقد
قام ابنها البار بكل شيء ومازال من تحمل كل مصاريف المستشفي والأطباء والعلاج .. إلخ
بمفرده برغم تيسر حال أخواته البنات, حيث لم تفكر إحداهن في المساهمة بنصيب تلك
النفقات برغم ثرائهن, كما قام هذا الابن ويقوم بكل الإجراءات المتعلقة بإقامتها
بالمستشفى وبمتابعة حالتها بصفة مستمرة مع الأطباء وهيئة التمريض, حتى أنه أهمل
بيته وأسرته وعمله.. وأصبح شبه متفرغ لأمه, ثم طلب الابن من الأخوات شيئا
واحدا فقط, وهو أن تبيت إحداهن كل ليلة بالتناوب مع الأم في الحجرة المجهزة
لوجود مرافق على أن يشاركهن هذا الابن في عملية المبيت بالتناوب .. فكان من
البنات من قبلت هذا المبيت على مضض, وكان منهن واحدة لم توافق على الإطلاق
اكتفاء بزيارات متفرقة نهارية, تهدد بالتوقف عنها, ثم سارعت باختلاق مناسبة
للسفر لأحد المصايف, حيث قضت أسبوعا هناك للترويح عن نفسها من عناء سماع أخبار
المرض والمستشفيات.
ولقد كتبت لك هذه الرسالة, لكي توجه كلمة إلى بنات هذه السيدة عن واجبهن نحو
الأم في أيامها الأخيرة, خاصة أنهن من قرائك.
إذا قدر لهذه الرسالة النشر.. فأرجو أن يكون ذلك سريعا... حتى تتاح الفرصة
للبنات لإصلاح موقفهن.. قبل أن يوافي الأجل المحتوم السيدة المريضة.. وتقابل
ربها وهي غاضبة عليهن, وشكرا.
ولكاتب هذه الرسالة أقول:
إذا كنت أنت هذا الابن البار الذي قام بكل شيء وتحمل كل نفقات علاج
الأم دون بقية الشقيقات بالرغم من ثرائهن, فلقد فزت إذن بالأجر العظيم,
وانفردت دون الجميع بالدرجة العليا من البر.
فإذا رغبت شقيقاتك في أن يقاسمنك بعض هذا الفضل فليحرصن إذن على رعاية أمهن
وخدماتها وتناول المبيت معها وإزالة أية شبهة للمرارة من نفسها, لكي يتحصن برضاء
الأم عليهن ضد عاديات الزمان, ولتكن رعايتهن لهذه الأم رعاية الحب والعطف,
وليست رعاية الاضطرار والاحتشام من التخلي والرفض كما قد يفعل البعض أحيانا,
فليس في الدنيا من هو أحق بخدمة الحب والعطف في شيخوخة أو مرض سوى أحد الأبوين,
وليس من أجر في الدنيا كلها يعدل أجر الابن البار الذي يعي بحق أبويه عليه ويحسن
رعايتهما في ضعفهما.
ولتتذكر شقيقاتك أن من كانت ترعاهن وهن صغيرات قد أصبحت في حاجة الآن إلى رعايتهن
لها.. وأن دورة الزمان ستواصل جريها ولقد يجئ يوم يحتجن فيه إلى رعاية أبنائهن
وإكرامهم لهن.. وعندئذ يفوز بالتكريم من رشح نفسه له بسيرته هو مع أبويه..
ويبوء بالخسران من لم يبذر بذور الخير والعطف في نفوس أبنائه بسلوكه الحميد مع
أبويه.. والسلام.
نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" سنة 2001
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر