المفتاح .. رسالة من بريد الجمعة عام 1990
أنا سيدة في الأربعين
من عمري .. ولي أربع بنات أعمارهن 18 و 16و 8 و 5 سنوات ، وبنتي الكبرى هي التي تكتب لك هذا
الخطاب
.. فأنا أقول وهي تكتب . وأنا أعمل عاملة نظافة في إحدى المؤسسات ومرتبي يكفيني
بصعوبة شديدة لأني أعول بناتي .. وقلة الدخل وسوء المعيشة ، ليست هي المشكلة التي
اكتب لك من أجلها .. وإنما مشكلتي أنا وبناتي هي إننا نسكن في غرفة لا باب لها
بأحد المدافن في الدّراسة بشارع صلاح سالم عند الأمن المركزي في حوش وأنا يا سيدي أعمل
في المؤسسة من الصباح حتى المغرب واترك بناتي في الغرفة المفتوحة طوال النهار ثم
أعود في المساء فأجد مجموعة من شباب المنطقة الذين لا تتصور نوع سلوكهم لأنهم من
تجار المخدرات يحومون حول الحوش وأدخل المسكن ملهوفة فأجد بناتي "منزويين"
في ركن من الغرفة ومرعوبين من أن يقتحم أحد عليهن المكان .. فأشجعهن وأشد من أزرهن
.. ثم نتناول العشاء وننام.
والمشكلة يا سيدي أنني أبقى طوال اليوم في عملي
وقلبي مخلوع على بناتي .. وتمر علي الساعات كأنها سنوات وأنا أفكر فيهن .. وماذا
يفعلن .. وهل اقتحم عليهن المكان أحد أم لا .. وهل تجرأ عليهن أحد من شباب
المخدرات أم لا .. وأظل مع هذه الأفكار طوال اليوم ولا يهدأ لي بال إلا حين ادخل
عليهن البيت فأجدهن في أمان بفضل الله.
وليس هذا فقط
هو ما نعانيه فهناك أيضا صاحبة الحوش التي تأتي إلينا كل فترة وتطلب مني أن أذهب
بعيدا عن الحوش .. فأتوسل إليها أن تصبر علينا حتى نجد لنا مأوى آخر .. فتصبر
وتعطينا مهلة جديدة .. ثم تعود فتجدنا كما نحن .. وهذا طبيعي لأني لا أعرف أين أذهب
ببناتي ولا كيف استطيع أن أوفر لهن مسكنا آخر وأنا لا استطيع دفع الخلوات ومقدمات الإيجار
التي يتحدثون عنها .. إنني يا سيدي استطيع أن أدفع إيجارا من ٢٠ إلى ٣٠ جنيها كل
شهر وكل أملي في الحياة أن أجد من يقبل أن يؤجر لي غرفة بهذا الإيجار .. ليكون في
مكان يحمينا وأمسك في يدي مفتاحه .. واطمئن على بناتي فيه وأنا في العمل .. فهل
هذا ممكن يا سيدي ؟ أوليس لمثلنا الحق في الحصول على شقة أو غرفة بالمساكن الشعبية
؟
ولكاتبة هذه
الرسالة أقول :
لقد تعودت ألا أناشد أحدا خاصة من المسئولين لحل مشكلة اعرضها في هذا الباب .. مكتفيا بأن أضعها أمام أنظارهم وضمائرهم وضمير هذا المجتمع .. ومؤمنا دائما بأن الله سبحانه وتعالى حين یأذن بحل مشكلة من مشاكلنا العديدة فإنه يسخر لها عبدا من عباده المسئولين أو غير المسئولين ويأمره بحلها .. فيصدع بأمره وينفذ مشيئته راضيا مرضيا وما أكثر ما لمست في تعاملي المستمر مع مشاكل البشر من ألطاف هذه الإشارات الإلهية ، ومن أولها أن تقع عيني في البداية على الرسالة التي تروي المشكلة من بين آلاف الرسائل التي تنتظر دورها فأنشرها .. ثم يجيء الحل بأمر ربي وبغير فضل لأحد غيره سبحانه وتعالى ، فإن شكرت أحدا بعد الله على جهده في حل إحدى المشكلات وكثيرا ما أفعل فإنما أشكر له في أعماقي أن كان نعم المنفذ لإرادة ربه ومستهديا في ذلك بالحديث القدسي الذي يقول : "عبدي لم تشكرني إذ لم تشكر عبدي الذي أجريت نعمتي على يديه" .. وبالحديث الشريف الذي يقول ما معناه : أن المؤمن إذا مُدح في وجهه ربا الإيمان في قلبه ، أي نما وعظم في قلبه واستحب أن يكثر من فعل الخير .. وأن يلتزم بالفضائل في حياته ليكون عند حسن ظن ربه والآخرين به ، ولعل ذلك يفسر لي شخصيا سر نفوري من استعمال عبارات المناشدة لحل مشاكل القراء إيمانا بكل ذلك .. وإشفاقا على قوم لا ينالون حقوقهم الأساسية ولا تُلبى مطالبهم العادلة إلا بالتوسل والمناشدة .. لهذا فلن أرجو لك أحدا غير الله یا سیدتي .. وسوف أرسل إليك من يستدعيك إذا أذن بحل مشكلتك والسلام.
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر