الشجرة المثمرة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1986
من بين الرسائل العديدة التى
تلقيتها تعليقا على رسالة الشريكة .. توقفت طويلا أمام هذه الرسالة وقررت أن
أعرضها على القراء لما تحمله من تجربة غنية بالخبرة الإنسانية وبالمعاني النبيلة
تقول كاتبة الرسالة :
قرأت رسالة "الشريكة"
وانسابت دموعي مع سطورها ووجدت نفسي مدفوعة لأن أكتب لك تجربتي لتعرضها على هذه
الزوجة التى آلمت زوجها الوفى الحزين..حيث لا أروى عن خيالى وإنما عن واقع عشته
وعايشته منذ سنوات طويلة .. فأسمح لي يا سيدي أن أحكي قصتي لهذه الزوجة لعلها
تهديها إلى سواء السبيل .
فأنا زوجة أب مثلها وقد تزوجت
منذ حوالي تسع سنوات وهو مطلق قبلها بثلاث سنوات , عنده طفل عمره وقتها 9 سنوات , وطفلة
عمرها 6سنوات, وكانا حين تزوجت من أبيهما فى رعاية جدتهما طوال فترة الانفصال لأن
أباهما يعمل فى الخارج وحين تزوجته سافرت إليه حيث يعمل ومعي الطفلان ولا أريد أن
أدعي كذبا أني كنت سعيدة داخليا بمسئولية هذين الطفلين بل شعرت كأي إنسانه بأنهما
عبء غير سعيد بل وغير سار لعروس جديد مثلي لكن هذا الإحساس لم يخرج عن حدود مشاعري
الداخلية وحاولت قدر إمكاني ألا أظهر هذا الإحساس لهما لأنه لا ذنب لهما فى الظروف
التى أوجدتني في هذا الوضع ولأنهما طفلان من حقهما أن يعيشا فى جو أسري طبيعي, وإذا
كنت أنا حقا أما بديلة فليس لهما ذنب فى ذلك لكن لهما علي حق أن أعاملها بحنان قدر
جهدي وإلا قابلت ربي وقد تخليت عن الأمانة التى قبلتها.
ولم يكن زوجي مثل هذا الزوج
الحزين كاتب رسالة الشريكة يحس بأنه يتزوج "بعيوبه" وهي الأولاد ويملؤه
هذا الإحساس حتى يقدم التنازلات تقديرا لظروفه الخاصة, وإنما كان زوجي على العكس
من ذلك لا يحس أبدا بأن له عيوبا بل كان إحساسه دائما قويا بأنه ممتاز وكله ميزات ولا
عيب فيه أو فى ظروفه وأن علي أن أتحمل الأولاد دائما بلا أى شكوى وبلا أي كلام .. فإذا
وجهت لأي منهما ملحوظة لإرشاده وتعليمه لصالحه وكما تفعل أي أم خذلني أمامهما
وأشعرهما أني قاسية عليهما مما ولد فى نفسيتهما لفترة شعورا بأني غير صالحة كأم
بالنسبة لهما ولكن الحق لابد أن يظهر فى يوم من الأيام , وكان الحق الذي لا ينكر
هو أني أتقي الله فيهما وأخشى عقابه لو أسأت إليهما, لذلك لم يلبث الطفلان بعد
فترة من الزمن أن تخلصا من هذه السنوات التى شابت نفسيتهما تجاهي بتأثير تدخلات الأب السيئة .. واخلصا لي الحب وأخلصته لهما
واستمرت غربتي مع زوجي , رزقني الله خلالهما بولدين وكنت خلالها أعمل فى مدرسة فى
إحدى مدارس هذا البلد العربي, لكني لظروف خاصة لم أستطع أن أواصل تجربة الغربة
فأنا مدرسة بالمدارس الثانوية والعمل شاق ولا أهل لي في هذا المكان البعيد وزوجي
ليس مؤهلا لأن يخفف عنى متاعبي, والحياة هناك كئيبة وزوجي ينتظر مني دائما أن أعمل
ولا أشكو من شئ .. فإن شكوت من أي شئ خارج البيت كالتدريس مثلا ومصاعبه أو من
الطالبات أو من ناظرة قاسية كان رد زوجي على الفور هو أنني المخطئة وأن الجميع على
حق ما عداي وأني لا حق لي في الشكوى بل لابد أن أكون كالملاك الذى يتحمل أخطاء
الجميع دون شكوى ولم أستطع أن أتحمل الغربة أكثر من ذلك فاتفقنا على أن أعود مع
الأبناء وقد صاروا أربعة إلى مصر وأن يأتي هو إلينا فى الأجازات ونذهب نحن إليه فى
أجازه المدارس فى الصيف.
وقد تتساءل هل فتر حبي لابني
زوجي بعد أن أنجبت طفلي وأقول لك والله مطلع على القلوب أن حبي لهما تضاعف لسبب
بسيط أنهما أحبوا ابني وأنا نشأت وحيدة وعرفت مرارة الوحدة وتعذبت دائما أن يكون
لأبنائي إخوة يشدون إزرهم فى الحياة ويساندونهم أما معاملتي لهما فدعني أعترف لك
بسر لم أعترف به لأحد من قبل لقد كنت أرعى ابني زوجي قبل أن أنجب خوفا من الله
وطلبا للاسقرار لأني لا أحب المشاكل أما بعد أن أنجبت وعرفت الأمومة وقيمة الأبناء
فلقد أصبحت أرعى ابني زوجي خوفا من الله وطلبا للاستقرار ورعاية لأخوتي ولدي ثم لسبب
جديد هو خوف من أن ينتقم الله مني فيهما لو أسأت إلى طفلين لا ذنب لهما فى هذه
الظروف التى أوجدتهما تحت رعايتي ,هل تصدقني يا سيدي إنني على ثقة من أنك تصدقني لكنني
سأقول لك ما يؤكد ذلك أيضا.
لقد عدنا إلى مصر وترك زوجي لابنيه وقد كبرا حرية الإقامة مع جدتهما أو أمهما.فاختاراني بلا
تردد وقالا لأبيهما أنهما يريدان أن يعيشا مع ماما واخويهما أي معي ولا يوجد فى
الدنيا ما يساوي مثل هذه اللحظة .
لقد أثمرت تربيتي لهما
فاختاراني وعدنا لمصر منذ 3 سنوات ورغبت الأربعة هكذا, وكافحت فنجح ابن زوجي
الأكبر أو ابني فى الثانوية العامة بمجموع 81% واختار كلية الزراعة ونجح فى السنة
الأولى من دراسته الجامعية بتقدير امتياز وكان الأول على دفعته كلها.
ونجحت ابنه زوجي أو ابنتي في الإعدادية
بمجموع 83% ودخلت الصف الأول الثانوي هذا العام والتحق اخواهما بالصفين الأول
والثاني الابتدائي وأصبحت أسمع الثناء ينهال علي من الجميع لحسن رعايتي لهما
ولتفوقهما فى الدراسة حتى أمهما تشكرني على تفوق الأولاد فى الدراسة .. وعلاقتي
بها طيبة وأزورها مع الأبناء فى كل مناسبة.
إن الشجرة التي رعيتها كبرت
وأثمرت يا سيدي ولم أعد أعطي لهذين الابنين قدر ما آخد منهما الآن .. فعطاؤهما لي
أكبر, فالابن الكبير رعاه الله هو الآن صديقي الحميم الذي يحكى لي كل شئ بمجرد
عودته من كليته ولا يرتاح إلا إذا أخذ رأيى فى كل شئ .. بل ويقف فى صفي إذا ما
اختلفت فى أي أمر مع أبيه, وهي خلافات لا مفر منها من حين إلى آخر لكن الحياة تمضي
رغم كل شئ .
فقل لي بربك كيف يكون شعوري حين يقف الأولاد الكبار معي عند الخلاف ويأخذون والدهم جانبا لينصحوه بحسن معاملتي.
ولكاتبـه هــذه الـرسالـة أقـــول:
أفعل يا سيدتي ما تريدين وأضع
تجربتك هذه تحت أنظار تلك الزوجة الشابة لعلها تستلهمها في حياتها الجديدة وتستفيد
بدروسها الثمينة.
فليس أبلغ من التجربة الإنسانية
هاديا إلى الطريق الصحيح وليس أثمن من عبرتها لو التمسها الإنسان بقلب حكيم, وبعقل
راغب في أن يتعلم ويستفيد, ولقد استشعرت الصدق الإنساني في كل كلماتك يا سيدتي واستشعرته
أكثر وأكثر فى تلك السطور التى "تعترفين" فيها بأنك رعيت ابني زوجك
بإخلاص بعد أن أنجبت طفليك لسبب "إضافى" خاص هو خوفك على وليديك من غدر
الحياة لو ظلمت ابني زوجك وأسأت إليهما وهما ضعيفان وضتعهما الأقدار تحت رحمتك .. يا
إلهي ما أنبل هذا الخوف الإنساني وما أشد حاجتنا إليه لتستقيم أمور عديدة فى
حياتنا .
إن هذا الخوف هو أحد ضوابط
الحياة الأساسية لو أدركنا أهميته لكننا للأسف لا نرى أثرا له في أحيان كثيرة لدى
البعض بل نرى أحيانا أشخاصا عديدين لا يبدو فى تصرفاتهم أي أثر لمعاناتهم لمثل هذا
الخوف المفيد على أنفسهم وعلى أعزائهم من تقلبات الزمان بل وأعجب من ذلك أننا
نراهم ينامون كل ليلة "نوم الصالحين" قريري الأعين بعد
أن"أجهدوا" أنفسهم طوال النهار في إيذاء الغير وقطع أرزاقهم والافتراء
عليهم وظلمهم والقسوة على الضعفاء منهم , ومع ذلك يجيئهم النوم خدرا وينهضون منه
أصحاء سعداء مقبلين على الحياة فى حين قد يشقى غيرهم ممن يراقبون الله فى أعماقهم
لكي يظفروا بساعات من النوم المطمئن فلا ينالونها فى أحيان كثيرة إلا بالعناء وقد
يفزعون من نومهم أكثر من مرة خوفا وفزعا على أعزائهم على أنفسهم إن هم نسوا أو
أخطأوا.
إنه تناقض قديم يا سيدتي من
تناقضات الحياة لذلك فنحن نقول دائما أننا لا نحلم بأن نصل إلى هذه الدرجة العالية
من السمو الإنساني التي يعنيها أبو العلاء المعرى حين يقول:
ولتفعل النفس الجميل لأنه
خير وأجمل لا لأجل ثوابها
وإنما نقول أننا نحلم بأن تفعل
النفس الجميل لأنه خير وأجمل ولأجل ثوابه أيضا بل وخوفا من عقابه جل وشأنه لو
فعلنا عكسه.
وأنت يا سيدتي قد اخترته لكل
هذه الأسباب مجتمعة فكان حقا على الحياة أن تجزيك عنه أوفى الجزاء وكان حقا لك أن
تجني ثمار ما غرست من بذور الرحمة والعدل والحب في أبنائك .
وكان حقا لك أن تفخري بهذا
"الخوف النبيل" لا أن تعتذري عنه .. فما أحوجنا إليه كل لحظة وكل حين.
مع تمنياتى لك ولأبنائك الأربعه
بالصحة والسعادة والتوفيق إن شاء الله.
نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1986
كتابة النص من مصدره / بسنت
محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر